Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الكهف - الآية 29

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) (الكهف) mp3
" الْحَقّ " رُفِعَ عَلَى خَبَر الِابْتِدَاء الْمُضْمَر ; أَيْ قُلْ هُوَ الْحَقّ . وَقِيلَ : هُوَ رَفْع عَلَى الِابْتِدَاء , وَخَبَره فِي قَوْله " مِنْ رَبّكُمْ " . وَمَعْنَى الْآيَة : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبهمْ عَنْ ذِكْرنَا : أَيّهَا النَّاس مِنْ رَبّكُمْ الْحَقّ فَإِلَيْهِ التَّوْفِيق وَالْخِذْلَان , وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَال , يَهْدِي مَنْ يَشَاء فَيُؤْمِن , وَيُضِلّ مَنْ يَشَاء فَيَكْفُر ; لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , فَاَللَّه يُؤْتِي الْحَقّ مَنْ يَشَاء وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا , وَيَحْرِمهُ مَنْ يَشَاء وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا غَنِيًّا , وَلَسْت بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ لِهَوَاكُمْ ; فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا , وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا . وَلَيْسَ هَذَا بِتَرْخِيصٍ وَتَخْيِير بَيْن الْإِيمَان وَالْكُفْر , وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيد وَتَهْدِيد . أَيْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمْ النَّار , وَإِنْ آمَنْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّة .



أَيْ أَعْدَدْنَا .


أَيْ لِلْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ .



قَالَ الْجَوْهَرِيّ : السُّرَادِق وَاحِد السُّرَادِقَات الَّتِي تُمَدّ فَوْق صَحْن الدَّار . وَكُلّ بَيْت مِنْ كُرْسُف فَهُوَ سُرَادِق . قَالَ رُؤْبَة : يَا حَكَم بْن الْمُنْذِر بْن الْجَارُود سُرَادِق الْمَجْد عَلَيْك مَمْدُود يُقَال : بَيْت مُسَرْدِق . وَقَالَ سَلَامَة بْن جَنْدَل يَذْكُر أَبْرَوِيز وَقَتْله النُّعْمَان بْن الْمُنْذِر تَحْت أَرْجُل الْفِيَلَة : هُوَ الْمُدْخِل النُّعْمَان بَيْتًا سَمَاؤُهُ صُدُور الْفُيُول بَعْد بَيْت مُسَرْدَق وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : " سُرَادِقهَا " سُورهَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : حَائِط مِنْ نَار . الْكَلْبِيّ : وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : " سُرَادِقهَا " سُورهَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : حَائِط مِنْ نَار . الْكَلْبِيّ : عُنُق تَخْرُج مِنْ النَّار فَتُحِيط بِالْكُفَّارِ كَالْحَظِيرَةِ . الْقُتَبِيّ : السُّرَادِق الْحُجْزَة الَّتِي تَكُون حَوْل الْفُسْطَاط . وَقَالَهُ اِبْن عَزِيز . وَقِيلَ : هُوَ دُخَان يُحِيط بِالْكُفَّارِ يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي سُورَة " وَالْمُرْسَلَات " . حَيْثُ يَقُول : " اِنْطَلِقُوا إِلَى ظِلّ ذِي ثَلَاث شُعَب " [ الْمُرْسَلَات : 30 ] وَقَوْله : " وَظِلّ مِنْ يَحْمُوم " [ الْوَاقِعَة : 43 ] قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : إِنَّهُ الْبَحْر الْمُحِيط بِالدُّنْيَا . وَرَوَى يَعْلَى بْن أُمَيَّة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبَحْر هُوَ جَهَنَّم - ثُمَّ تَلَا - نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا - ثُمَّ قَالَ - وَاَللَّه لَا أَدْخُلهَا أَبَدًا مَا دُمْت حَيًّا وَلَا يُصِيبنِي مِنْهَا قَطْرَة ) ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَخَرَّجَ اِبْن الْمُبَارَك مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لِسُرَادِقِ النَّار أَرْبَع جُدُر كُثُف كُلّ جِدَار مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة ) . وَخَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ , وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب .

قُلْت : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السُّرَادِق مَا يَعْلُو الْكُفَّار مِنْ دُخَان أَوْ نَار , وَجُدُره مَا وُصِفَ .



قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُهْل مَاء غَلِيظ مِثْل دُرْدِيّ الزَّيْت . مُجَاهِد : الْقَيْح وَالدَّم . الضَّحَّاك : مَاء أَسْوَد , وَإِنَّ جَهَنَّم لَسَوْدَاء , وَمَاؤُهَا أَسْوَد وَشَجَرهَا أَسْوَد وَأَهْلهَا سُود . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ كُلّ مَا أُذِيبَ مِنْ جَوَاهِر الْأَرْض مِنْ حَدِيد وَرَصَاص وَنُحَاس وَقَزْدِير , فَتَمُوج بِالْغَلَيَانِ , فَذَلِكَ الْمُهْل . وَنَحْوه عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . وَقَالَ : الْمُهْل ضَرْب مِنْ الْقَطْرَانِ ; يُقَال : مَهَلْت الْبَعِير فَهُوَ مَمْهُول . وَقِيلَ : هُوَ السُّمّ . وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِب . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله " كَالْمُهْلِ " قَالَ : ( كَعَكَرِ الزَّيْت فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَى وَجْهه سَقَطَتْ فَرْوَة وَجْهه ) قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث إِنَّمَا نَعْرِفهُ مِنْ حَدِيث رِشْدِين بْن سَعْد وَرِشْدِين قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَل حِفْظه . وَخَرَّجَ عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : " وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ " قَالَ : ( يُقَرَّب إِلَى فِيهِ فَكَرِهَهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهه وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه وَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُج مِنْ دُبُره . يَقُول اللَّه تَعَالَى " وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ " [ مُحَمَّد : 15 ] يَقُول " وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرَاب وَسَاءَتْ مُرْتَفِقًا " قَالَ : حَدِيث غَرِيب .

قُلْت : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة تِلْكَ الْأَقْوَال , وَأَنَّهَا مُرَادَة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهَا أَهْل اللُّغَة . فِي الصِّحَاح " الْمُهْل " النُّحَاس الْمُذَاب . اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْمُهْل الْمُذَاب مِنْ الرَّصَاص . وَقَالَ أَبُو عَمْرو . الْمُهْل دُرْدِيّ الزَّيْت . وَالْمُهْل أَيْضًا الْقَيْح وَالصَّدِيد . وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر : اِدْفِنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّهُمَا لِلْمُهْلِ وَالتُّرَاب .



قَالَ مُجَاهِد : مَعْنَاهُ مُجْتَمَعًا , كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى مَعْنَى الْمُرَافَقَة . اِبْن عَبَّاس : مَنْزِلًا . عَطَاء : مُقِرًّا . وَقِيلَ مِهَادًا . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : مَجْلِسًا , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; وَأَصْله مِنْ الْمُتَّكَأ , يُقَال مِنْهُ : اِرْتَفَقْت أَيْ اِتَّكَأْت عَلَى الْمَرْفِق . قَالَ الشَّاعِر : قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقْت أَلَا فَتًى يَسُوق بِالْقَوْمِ غَزَالَات الضُّحَى وَيُقَال : اِرْتَفَقَ الرَّجُل إِذَا نَامَ عَلَى مَرْفِقه لَا يَأْتِيه نَوْم . قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : نَامَ الْخَلِيّ وَبِتّ اللَّيْل مُرْتَفِقَا كَأَنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّاب مَدْبُوح الصَّاب : عُصَارَة شَجَر مُرّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فصول ومسائل تتعلق بالمساجد

    فصول ومسائل تتعلق بالمساجد : فإن ربنا سبحانه لما كلّف عباده وأمرهم ونهاهم شرع لهم الاجتماع لأداء بعض العبادات، وخصَّ بعض الأماكن والبقاع بفضيلة وشرف تميزت بها، وفاقت سواها في مضاعفة الأجر والثواب فيها. وقد خص الله هذه الأمة المحمدية بأن شرع لهم بناء المساجد، والسعي في عمارتها، والمسابقة إليها، وتخصيصها بأنواع من العبادة لا تصح في غيرها. ولأهمية المساجد في هذه الشريعة أحببت أن أكتب حول ما يتعلق بها هذه الصفحات، مع أن العلماء قديمًا وحديثًا قد أولوها عناية كبيرة وتوسعوا في خصائصها، ولكن من باب المساهمة ورغبة في الفائدة أكتب هذه الفصول والله الموفق.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117129

    التحميل:

  • الجديد في شرح كتاب التوحيد

    الجديد في شرح كتاب التوحيد : تأليف الشيخ محمد بن عبد العزيز السليمان القرعاوي، وهو شرح على طريقة المتأخرين؛ حتى يتناسب مع ظروف أهل هذا العصر، وطريقته إيراد النص وشرح كلماته والمعنى الإجمالي ومايستفاد منه والمناسبة للباب مطلقاً، وللتوحيد أحياناً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/292968

    التحميل:

  • تحت المجهر [ كتب - أخبار - رجال - أحاديث ]

    تحت المجهر: رسالةٌ لطيفةٌ جمعَ فيها المؤلف - حفظه الله - بعض ما تيسَّر له من كتبٍ وأخبارٍ ورجالٍ وأحاديث قد تكلَّم عنها العلماء بالنقد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381064

    التحميل:

  • فوائد مستنبطة من قصة يوسف

    فوائد مستنبطة من قصة يوسف: بعض الفوائد المستنبطة من سورة يوسف - عليه السلام - لما فيها من آيات وعبر منوعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد, وأيضاً فيها من التنقلات من حال إلى حال, ومن محنة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن ذلة ورق إلى عز وملك, ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وإدراك غايات, ومن حزن وترح إلى سرور وفرح, ومن رخاء إلى جدب, ومن جدب إلى رخاء, ومن ضيق إلى سعة، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة, فتبارك من قصها ووضحها وبينها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2136

    التحميل:

  • البيان المطلوب لكبائر الذنوب

    البيان المطلوب لكبائر الذنوب : في هذه الرسالة جمع المؤلف بعض كبائر الذنوب، التي نهى الله عنها ورسوله، ورتب عليها الوعيد الشديد بالعذاب الأليم، ليتذكرها المؤمن فيخاف منها ومن سوء عاقبتها فيتجنبها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209123

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة