Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الكهف - الآية 105

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) (الكهف) mp3
وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِف مَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ وَلِقَائِهِ وَالْبَعْث وَالنُّشُور , وَإِنَّمَا هَذِهِ صِفَة مُشْرِكِي مَكَّة عَبَدَة الْأَوْثَان , وَعَلِيّ وَسَعْد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ذَكَرَا أَقْوَامًا أَخَذُوا بِحَظِّهِمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَة . و " أَعْمَالًا " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز . و " حَبِطَتْ " قِرَاءَة الْجُمْهُور بِكَسْرِ الْبَاء . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " حَبَطَتْ " بِفَتْحِهَا .



قِرَاءَة الْجُمْهُور " نُقِيم " بَنُونَ الْعَظَمَة . وَقَرَأَ مُجَاهِد بِيَاءِ الْغَائِب ; يُرِيد فَلَا يُقِيم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر " فَلَا يَقُوم " وَيَلْزَمهُ أَنْ يَقْرَأ " وَزْن " وَكَذَلِكَ قَرَأَ مُجَاهِد " فَلَا يَقُوم لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَزْن " . قَالَ عُبَيْد بْن عُمَيْر : يُؤْتَى يَوْم الْقِيَامَة بِالرَّجُلِ الْعَظِيم الطَّوِيل الْأَكُول الشَّرُوب فَلَا يَزِن عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة .

قُلْت : هَذَا لَا يُقَال مِثْله مِنْ جِهَة الرَّأْي , وَقَدْ ثَبَتَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُل الْعَظِيم السَّمِين يَوْم الْقِيَامَة لَا يَزِن عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلَا نُقِيم لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَزْنًا ) . وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا ثَوَاب لَهُمْ , وَأَعْمَالهمْ مُقَابَلَة بِالْعَذَابِ , فَلَا حَسَنَة لَهُمْ تُوزَن فِي مَوَازِين الْقِيَامَة وَمَنْ لَا حَسَنَة لَهُ فَهُوَ فِي النَّار . وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : يُؤْتَى بِأَعْمَالٍ كَجِبَالِ تِهَامَة فَلَا تَزِن شَيْئًا . وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد الْمَجَاز وَالِاسْتِعَارَة ; كَأَنَّهُ قَالَ : فَلَا قَدْر لَهُمْ عِنْدنَا يَوْمئِذٍ ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه ذَمّ السِّمَن لِمَنْ تَكَلَّفَهُ , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكَلُّف الْمَطَاعِم وَالِاشْتِغَال بِهَا عَنْ الْمَكَارِم , بَلْ يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم الْأَكْل الزَّائِد عَلَى قَدْر الْكِفَايَة الْمُبْتَغَى بِهِ التَّرَفُّه وَالسِّمَن . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَبْغَض الرِّجَال إِلَى اللَّه تَعَالَى الْحَبْر السَّمِين ) وَمِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( خَيْركُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَان فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْد قَرْنه قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة - ثُمَّ إِنَّ مِنْ بَعْدكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَر فِيهِمْ السِّمَن ) وَهَذَا ذَمّ . وَسَبَب ذَلِكَ أَنَّ السِّمَن الْمُكْتَسَب إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَثْرَة الْأَكْل وَالشَّرَه , وَالدَّعَة وَالرَّاحَة وَالْأَمْن وَالِاسْتِرْسَال مَعَ النَّفْس عَلَى شَهَوَاتهَا , فَهُوَ عَبْد نَفْسه لَا عَبْد رَبّه , وَمَنْ كَانَ هَذَا حَاله وَقَعَ لَا مَحَالَة فِي الْحَرَام , وَكُلّ لَحْم تَوَلَّدَ عَنْ سُحْت فَالنَّار أَوْلَى بِهِ ; وَقَدْ ذَمَّ اللَّه تَعَالَى الْكُفَّار بِكَثْرَةِ الْأَكْل فَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام وَالنَّار مَثْوًى لَهُمْ " [ مُحَمَّد : 12 ] فَإِذَا كَانَ الْمُؤْمِن يَتَشَبَّه بِهِمْ , وَيَتَنَعَّم بِتَنَعُّمِهِمْ فِي كُلّ أَحْوَاله وَأَزْمَانه , فَأَيْنَ حَقِيقَة الْإِيمَان , وَالْقِيَام بِوَظَائِف الْإِسْلَام ؟ ! وَمَنْ كَثُرَ أَكْله وَشُرْبه كَثُرَ نَهَمه وَحِرْصه , وَزَادَ بِاللَّيْلِ كَسَله وَنَوْمه , فَكَانَ نَهَاره هَائِمًا , وَلَيْله نَائِمًا . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَعْرَاف " هَذَا الْمَعْنَى ; وَتَقَدَّمَ فِيهَا ذِكْرُ الْمِيزَان , وَأَنَّ لَهُ كِفَّتَيْنِ تُوزَن فِيهِمَا صَحَائِف الْأَعْمَال فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ . وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حِين ضَحِكُوا مِنْ حَمْش سَاق اِبْن مَسْعُود وَهُوَ يَصْعَد النَّخْلَة : ( تَضْحَكُونَ مِنْ سَاق تُوزَن بِعَمَلِ أَهْل الْأَرْض ) فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَشْخَاص تُوزَن ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • 90 مسألة في الزكاة

    90 مسألة في الزكاة: ذكر المؤلف في هذه الرسالة أكثر من تسعين مسألة في الزكاة تحت التقسيم التالي: 1- حكم الزكاة. 2- وعيد تاركي الزكاة. 3- حكم تارك الزكاة. 4- من أسرار الزكاة. 5- من فوائد الزكاة. 6- الصدقات المستحبة. 7- أحكام الزكاة. 8- شروط وجوب الزكاة. 9- زكاة الأنعام. 10- زكاة الحبوب والثمار. 11- زكاة الذهب والفضة. 12- زكاة المال المدخر. 13- زكاة عروض التجارة. 14- زكاة الأراضي. 15- زكاة الدين. 16- إخراج الزكاة وتأخيرها. 17- أهل الزكاة المستحقين لها. 18- إعطاء الأقارب من الزكاة. 19- أحكام متفرقة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287883

    التحميل:

  • تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذا تعليق مختصر كتبه فضيلة الشيخ محمد بن صـالح العثيمين - رحمه الله - على كتاب لمعة الاعتقاد الذي ألفه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله -. وقد جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظراً لأهمية الكتاب من جهة، وعدم وجود شرح له من جهة أخرى فقد قام الشيخ - رحمه الله - بكشف غوامضه، وتبيين موارده، وإبراز فوائده. وقد تعرض المعلق لجوانب كثيرة من جوانب العقيدة ومنها: مسألة الأسماء والصفات، ومذهب السلف فيها، والقرآن الكريم وأوصافه، والقدر، والإيمان، وكذلك السمعيات وذكر منها الإسراء والمعراج، ومجئ ملك الموت إلى موسى - عليهما السلام -، وأشراط الساعة، والحوض، والصراط، والجنة والنار. كما تعرض لخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضائل أصحابه - رضي الله عنهم - والشهادة بالجنة والنار، وحقوق الصحابة وحقوق زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة الخلافة، وأحكام البدعة وأهلها، والإجماع والتقليد بإسلوب سهل وعرض ممتع، معتمداً في ذلك على إيراد الأدلة النقلية من القرآن والسنة والتي لم يخلها من تعليق أو شرح أو بيان، وهذه التعليقات تتضمن فوائد علمية متنوعة لطلاب العلم والدارسين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313419

    التحميل:

  • خلاصة في علم الفرائض

    رسالة تحتوي على بيان بعض أحكام المواريث باختصار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335002

    التحميل:

  • التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله -. ملحوظة: الكتاب نسخة مصورة من إصدار دار الوطن للنشر بالمملكة العربية السعودية.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/311361

    التحميل:

  • أحكام الداخل في الإسلام

    أحكام الداخل في الإسلام : دراسة فقهية مقارنة، فيما عدا أحكام الأسرة، وهو بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراة في الفقه الإسلامي من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

    الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة http://uqu.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320710

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة