Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الكهف - الآية 10

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) (الكهف) mp3
رُوِيَ أَنَّهُمْ قَوْم مِنْ أَبْنَاء أَشْرَاف مَدِينَة دَقْيُوس الْمَلِك الْكَافِر , وَيُقَال فِيهِ دَقْيُنُوس . وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَّهَبِ ذَوِي ذَوَائِب , وَهُمْ مِنْ الرُّوم وَاتَّبَعُوا دِين عِيسَى . وَقِيلَ : كَانُوا قَبْل عِيسَى , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ مَلِكًا مِنْ الْمُلُوك يُقَال لَهُ دِقْيَانُوس ظَهَرَ عَلَى مَدِينَة مِنْ مَدَائِن الرُّوم يُقَال لَهَا أُفْسُوس . وَقِيلَ هِيَ طَرَسُوس وَكَانَ بَعْد زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَأَمَرَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَام فَدَعَا أَهْلهَا إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام , وَكَانَ بِهَا سَبْعَة أَحْدَاث يَعْبُدُونَ اللَّه سِرًّا , فَرُفِعَ خَبَرهمْ إِلَى الْمَلِك وَخَافُوهُ فَهَرَبُوا لَيْلًا , وَمَرُّوا بِرَاعٍ مَعَهُ كَلْب فَتَبِعَهُمْ فَآوَوْا إِلَى الْكَهْف فَتَبِعَهُمْ الْمَلِك إِلَى فَم الْغَار , فَوَجَدَ أَثَر دُخُولهمْ وَلَمْ يَجِد أَثَر خُرُوجهمْ , فَدَخَلُوا فَأَعْمَى اللَّه أَبْصَارهمْ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا ; فَقَالَ الْمَلِك : سُدُّوا عَلَيْهِمْ بَاب الْغَار حَتَّى يَمُوتُوا فِيهِ جُوعًا وَعَطَشًا . وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة كَانُوا فِي دِين مَلِك يَعْبُد الْأَصْنَام وَيَذْبَح لَهَا وَيَكْفُر بِاَللَّهِ , وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَهْل الْمَدِينَة , فَوَقَعَ لِلْفِتْيَةِ عِلْم مِنْ بَعْض الْحَوَارِيِّينَ - حَسْبَمَا ذَكَرَ النَّقَّاش أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْأُمَم قَبْلهمْ - فَآمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَأَوْا بِبَصَائِرِهِمْ قَبِيح فِعْل النَّاس , فَأَخَذُوا نُفُوسهمْ بِالْتِزَامِ الدِّين وَعِبَادَة اللَّه ; فَرُفِعَ أَمْرهمْ إِلَى الْمَلِك وَقِيلَ لِي : إِنَّهُمْ قَدْ فَارَقُوا دِينك وَاسْتَخَفُّوا آلِهَتك وَكَفَرُوا بِهَا , فَاسْتَحْضَرَهُمْ الْمَلِك إِلَى مَجْلِسه وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِ دِينه وَالذَّبْح لِآلِهَتِهِ , وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى فِرَاق ذَلِكَ بِالْقَتْلِ ; فَقَالُوا لَهُ فِيمَا رُوِيَ : " رَبّنَا رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض - إِلَى قَوْله - وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ " [ الْكَهْف : 16 ] وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا نَحْو هَذَا الْكَلَام وَلَيْسَ بِهِ , فَقَالَ لَهُمْ الْمَلِك : إِنَّكُمْ شُبَّان أَغْمَار لَا عُقُول لَكُمْ , وَأَنَا لَا أُعَجِّل بِكُمْ بَلْ أَسْتَأْنِي فَاذْهَبُوا إِلَى مَنَازِلكُمْ وَدَبِّرُوا رَأْيكُمْ وَارْجِعُوا إِلَى أَمْرِي , وَضَرَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَجَلًا , ثُمَّ إِنَّهُ خِلَال الْأَجَل فَتَشَاوَرَ الْفِتْيَة فِي الْهُرُوب بِأَدْيَانِهِمْ , فَقَالَ لَهُمْ أَحَدهمْ : إِنِّي أَعْرِف كَهْفًا فِي جَبَل كَذَا , وَكَانَ أَبِي يُدْخِل فِيهِ غَنَمه فَلْنَذْهَبْ فَلْنَخْتَفِ فِيهِ حَتَّى يَفْتَح اللَّه لَنَا ; فَخَرَجُوا فِيمَا رُوِيَ يَلْعَبُونَ بِالصَّوْلَجَانِ وَالْكُرَة , وَهُمْ يُدَحْرِجُونَهَا إِلَى نَحْو طَرِيقهمْ لِئَلَّا يَشْعُر النَّاس بِهِمْ . وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُثَقَّفِينَ فَحَضَرَ عِيد خَرَجُوا إِلَيْهِ فَرَكِبُوا فِي جُمْلَة النَّاس , ثُمَّ أَخَذُوا بِاللَّعِبِ بِالصَّوْلَجَانِ حَتَّى خَلَصُوا بِذَلِكَ . وَرَوَى وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّ أَوَّل أَمْرهمْ إِنَّمَا كَانَ حَوَارِيّ لِعِيسَى اِبْن مَرْيَم جَاءَ إِلَى مَدِينَة أَصْحَاب الْكَهْف يُرِيد دُخُولهَا , فَأَجَّرَ نَفْسه مِنْ صَاحِب الْحَمَّام وَكَانَ يَعْمَل فِيهِ , فَرَأَى صَاحِب الْحَمَّام فِي أَعْمَاله بَرَكَة عَظِيمَة , فَأَلْقَى إِلَيْهِ بِكُلِّ أَمْره , وَعَرَفَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِتْيَان مِنْ الْمَدِينَة فَعَرَّفَهُمْ اللَّه تَعَالَى فَآمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ عَلَى دِينه , وَاشْتَهَرَتْ خُلْطَتهمْ بِهِ ; فَأَتَى يَوْمًا إِلَى ذَلِكَ الْحَمَّام وَلَد الْمَلِك بِامْرَأَةٍ أَرَادَ الْخَلْوَة بِهَا , فَنَهَاهُ ذَلِكَ الْحَوَارِيّ فَانْتَهَى , ثُمَّ جَاءَ مَرَّة أُخْرَى فَنَهَاهُ فَشَتَمَهُ , وَأَمْضَى عَزْمه فِي دُخُول الْحَمَّام مَعَ الْبَغِيّ , فَدَخَلَ فَمَاتَا فِيهِ جَمِيعًا ; فَاتُّهِمَ ذَلِكَ الْحَوَارِيّ وَأَصْحَابه بِقَتْلِهِمَا ; فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلُوا الْكَهْف . وَقِيلَ فِي خُرُوجهمْ غَيْر هَذَا . وَأَمَّا الْكَلْب فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ كَلْب صَيْد لَهُمْ , وَرُوِيَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي طَرِيقهمْ رَاعِيًا لَهُ كَلْب فَاتَّبَعَهُمْ الرَّاعِي عَلَى رَأْيهمْ وَذَهَبَ الْكَلْب مَعَهُمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَاسْم الْكَلْب حمران وَقِيلَ قِطْمِير . وَأَمَّا أَسْمَاء أَهْل الْكَهْف فَأَعْجَمِيَّة , وَالسَّنَد فِي مَعْرِفَتهَا وَاهٍ . وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ هِيَ هَذِهِ : مكسلمينا وَهُوَ أَكْبَرهمْ وَالْمُتَكَلِّم عَنْهُمْ , ومحسيميلنينا ويمليخا , وَهُوَ الَّذِي مَضَى بِالْوَرِقِ إِلَى الْمَدِينَة عِنْد بَعْثهمْ مِنْ رَقَدْتهمْ , ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس . قَالَ مُقَاتِل : وَكَانَ الْكَلْب لمكسلمينا , وَكَانَ أَسَنّهمْ وَصَاحِب غَنَم .

هَذِهِ الْآيَة صَرِيحَة فِي الْفِرَار بِالدِّينِ وَهِجْرَة الْأَهْل وَالْبَنِينَ وَالْقَرَابَات وَالْأَصْدِقَاء وَالْأَوْطَان وَالْأَمْوَال خَوْف الْفِتْنَة وَمَا يَلْقَاهُ الْإِنْسَان مِنْ الْمِحْنَة . وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارًّا بِدِينِهِ , وَكَذَلِكَ أَصْحَابه , وَجَلَسَ فِي الْغَار حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَة " النَّحْل " . وَقَدْ نَصَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي " بَرَاءَة " وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَهَجَرُوا أَوْطَانهمْ وَتَرَكُوا أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ وَأَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ وَقَرَابَاتهمْ وَإِخْوَانهمْ , رَجَاء السَّلَامَة بِالدِّينِ وَالنَّجَاة مِنْ فِتْنَة الْكَافِرِينَ . فَسُكْنَى الْجِبَال وَدُخُول الْغِيرَان , وَالْعُزْلَة عَنْ الْخَلْق وَالِانْفِرَاد بِالْخَالِقِ , وَجَوَاز الْفِرَار مِنْ الظَّالِم هِيَ سُنَّة الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَالْأَوْلِيَاء . وَقَدْ فَضَّلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُزْلَة , وَفَضَّلَهَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء لَا سِيَّمَا عِنْد ظُهُور الْفِتَن وَفَسَاد النَّاس , وَقَدْ نَصَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا فِي كِتَابه فَقَالَ : " فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف " . وَقَالَ الْعُلَمَاء الِاعْتِزَال عَنْ النَّاس يَكُون مَرَّة فِي الْجِبَال وَالشِّعَاب , وَمَرَّة فِي السَّوَاحِل وَالرِّبَاط , وَمَرَّة فِي الْبُيُوت ; وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَر : ( إِذَا كَانَتْ الْفِتْنَة فَأَخْفِ مَكَانك وَكُفَّ لِسَانك ) . وَلَمْ يَخُصّ مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِع . وَقَدْ جَعَلَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء الْعُزْلَة اِعْتِزَال الشَّرّ وَأَهْله بِقَلْبِك وَعَمَلك , إِنْ كُنْت بَيْن أَظْهُرهمْ . وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك فِي تَفْسِير الْعُزْلَة : أَنْ تَكُون مَعَ الْقَوْم فَإِذَا خَاضُوا فِي ذِكْر اللَّه فَخُضْ مَعَهُمْ , وَإِنْ خَاضُوا فِي غَيْر ذَلِكَ فَاسْكُتْ . وَرَوَى الْبَغَوِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْمُؤْمِن الَّذِي يُخَالِط النَّاس وَيَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَل مِنْ الْمُومِن الَّذِي لَا يُخَالِطهُمْ وَلَا يَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ ) . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( نِعْمَ صَوَامِع الْمُؤْمِنِينَ بُيُوتهمْ ) مِنْ مَرَاسِيل الْحَسَن وَغَيْره . وَقَالَ عُقْبَة بْن عَامِر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا النَّجَاة يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ : ( يَا عُقْبَة أَمْسِكْ عَلَيْك لِسَانك وَلْيَسَعْك بَيْتك وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتك ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان خَيْر مَال الرَّجُل الْمُسْلِم الْغَنَم يَتْبَع بِهَا شَعَف الْجِبَال وَمَوَاقِع الْقَطْر يَفِرّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ . وَذَكَرَ عَلِيّ بْن سَعْد عَنْ الْحَسَن بْن وَاقِد قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كَانَتْ سَنَة ثَمَانِينَ وَمِائَة فَقَدْ حَلَّتْ لِأُمَّتِي الْعُزْبَة وَالْعُزْلَة وَالتَّرَهُّب فِي رُءُوس الْجِبَال ) . وَذَكَرَ أَيْضًا عَلِيّ بْن سَعْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن يَرْفَعهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان لَا يَسْلَم لِذِي دِين دِينه إِلَّا مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ شَاهِق إِلَى شَاهِق أَوْ حَجَر إِلَى حَجَر فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ تُنَلْ الْمَعِيشَة إِلَّا بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَلَّتْ الْعُزْبَة ) . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , كَيْفَ تَحِلّ الْعُزْبَة وَأَنْتَ تَأْمُرنَا بِالتَّزْوِيجِ ؟ قَالَ : ( إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ فَسَاد الرَّجُل عَلَى يَدَيْ أَبَوَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ كَانَ هَلَاكه عَلَى يَدَيْ زَوْجَته فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَة كَانَ هَلَاكه عَلَى يَدَيْ وَلَده فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد كَانَ هَلَاكه عَلَى يَدَيْ الْقَرَابَات وَالْجِيرَان ) . قَالُوا وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( يُعَيِّرُونَهُ بِضِيقِ الْمَعِيشَة وَيُكَلِّفُونَهُ مَا لَا يُطِيق فَعِنْد ذَلِكَ يُورِد نَفْسه الْمَوَارِد الَّتِي يَهْلِك فِيهَا ) .

قُلْت : أَحْوَال النَّاس فِي هَذَا الْبَاب تَخْتَلِف , فَرُبَّ رَجُل تَكُون لَهُ قُوَّة عَلَى سُكْنَى الْكُهُوف وَالْغِيرَان فِي الْجِبَال , وَهِيَ أَرْفَع الْأَحْوَال لِأَنَّهَا الْحَالَة الَّتِي اِخْتَارَهَا اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِدَايَةِ أَمْره , وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي كِتَابه مُخْبِرًا عَنْ الْفِتْيَة , فَقَالَ : " وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف " [ الْكَهْف : 16 ] . وَرُبَّ رَجُل تَكُون الْعُزْلَة لَهُ فِي بَيْته أَخَفّ عَلَيْهِ وَأَسْهَل ; وَقَدْ اِعْتَزَلَ رِجَال مِنْ أَهْل بَدْر فَلَزِمُوا بُيُوتهمْ بَعْد قَتْل عُثْمَان فَلَمْ يَخْرُجُوا إِلَّا إِلَى قُبُورهمْ . وَرُبَّ رَجُل مُتَوَسِّط بَيْنهمَا فَيَكُون لَهُ مِنْ الْقُوَّة مَا يَصْبِر بِهَا عَلَى مُخَالَطَة النَّاس وَأَذَاهُمْ , فَهُوَ مَعَهُمْ فِي الظَّاهِر وَمُخَالِف لَهُمْ فِي الْبَاطِن . وَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك حَدَّثَنَا وُهَيْب بْن الْوَرْد قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى وَهْب بْن مُنَبِّه فَقَالَ : إِنَّ النَّاس وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا وَقَدْ حَدَّثْت نَفْسِي أَلَّا أُخَالِطهُمْ . فَقَالَ : لَا تَفْعَل إِنَّهُ لَا بُدّ لَك مِنْ النَّاس , وَلَا بُدّ لَهُمْ مِنْك , وَلَك إِلَيْهِمْ حَوَائِج , وَلَهُمْ إِلَيْك حَوَائِج , وَلَكِنْ كُنْ فِيهِمْ أَصَمّ سَمِيعًا , أَعْمَى بَصِيرًا , سَكُوتًا نَطُوقًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ كُلّ مَوْضِع يَبْعُد عَنْ النَّاس فَهُوَ دَاخِل فِي مَعْنَى الْجِبَال وَالشِّعَاب ; مِثْل الِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد , وَلُزُوم السَّوَاحِل لِلرِّبَاطِ وَالذِّكْر , وَلُزُوم الْبُيُوت فِرَارًا عَنْ شُرُور النَّاس . وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْأَحَادِيث بِذِكْرِ الشِّعَاب وَالْجِبَال وَاتِّبَاع الْغَنَم - وَاَللَّه أَعْلَم - لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَغْلَب فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يُعْتَزَل فِيهَا ; فَكُلّ مَوْضِع يَبْعُد عَنْ النَّاس فَهُوَ دَاخِل فِي مَعْنَاهُ , كَمَا ذَكَرْنَا , وَاَللَّه الْمُوَفِّق وَبِهِ الْعِصْمَة . وَرَوَى عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( يَعْجَب رَبّك مِنْ رَاعِي غَنَم فِي رَأْس شَظِيَّة الْجَبَل يُؤَذِّن بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ اُنْظُرُوا إِلَى عَبْدِي يُؤَذِّن وَيُقِيم الصَّلَاة يَخَاف مِنِّي قَدْ غَفَرْت لِعَبْدِي وَأَدْخَلْته الْجَنَّة ) . خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ .



لَمَّا فَرُّوا مِمَّنْ يَطْلُبهُمْ اِشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ وَلَجَئُوا إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالُوا : " رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة " أَيْ مَغْفِرَة وَرِزْقًا .



تَوْفِيقًا لِلرَّشَادِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَخْرَجًا مِنْ الْغَار فِي سَلَامَة . وَقِيلَ صَوَابًا . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسالة في أحكام الطهارة

    كتاب الطهارة : رسالة مختصرة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بين فيها أحكام الطهارة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264150

    التحميل:

  • هذه نصيحتي إلى كل شيعي

    هذه نصيحتي إلى كل شيعي: قال المؤلف - حفظه الله -:- « فإني كنت - والحق يقال - لا أعرف عن شيعة آل البيت إلا أنهم جماعة من المسلمين يغالون في حب آل البيت، وينتصرون لهم، وأنهم يخالفون أهل السنة في بعض الفروع الشرعية بتأولات قريبة أو بعيدة؛ ولذلك كنت امتعض كثيرا بل أتألم لتفسيق بعض الأخوان لهم، ورميهم أحيانا بما يخرجهم من دائرة الإسلام، غير أن الأمر لم يدم طويلا حتى أشار علي أحد الإخوان بالنظر في كتاب لهذه الجماعة لاستخلاص الحكم الصحيح عليها، ووقع الاختيار على كتاب (الكافي) وهو عمدة القوم في إثبات مذهبهم، وطالعته، وخرجت منه بحقائق علمية جعلتني أعذر من كان يخطئني في عطفي على القوم، و ينكر علي ميلي إلى مداراتهم رجاء زوال بعض الجفوة التي لاشك في وجودها بين أهل السنة وهذه الفئة التي تنتسب إلى الإسلام بحق أو بباطل، وهاأنذا أورد تلك الحقائق المستخلصة من أهم كتاب تعتمد عليه الشيعة في إثبات مذهبها وإني لأهيب بكل شيعي أن يتأمل هذه الحقائق بإخلاص، وإنصاف، وأن يصدر حكمه بعد ذلك على مذهبه، وعلى نسبته إليه ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2623

    التحميل:

  • ثبات عقيدة السلف وسلامتها من التغيرات

    ثبات عقيدة السلف وسلامتها من التغيرات: كتابٌ ذكر فيه المؤلف - حفظه الله - أسباب ثبات العقيدة الصحيحة في نفوس السلف الصالح; وبقائها وسلامتها من التغيُّر والانحراف.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316847

    التحميل:

  • مختارات ولطائف

    مختارات ولطائف : فلا يزال الكتاب أفضل مؤنس وخير جليس، على رغم انتشار الملهيات ووسائل الإعلام الجذابة. ورغبة في تنوع مواضيع القراءة وجعلها سهلة ميسورة جمعت هذه المتفرقات؛ فتغني عن مجالس السوء، وتشغل أوقات الفراغ بما يفيد. تقرأ في السفر والحضر وفي المنازل وبين الأصحاب، وينال منها الشباب الحظ الأوفر حيث التنوع والاختصار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/218469

    التحميل:

  • شرح الرسالة التدمرية [ البراك ]

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322216

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة