Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 85

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) (الإسراء) mp3
رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرْث وَهُوَ مُتَّكِئ عَلَى عَسِيب إِذْ مَرَّ الْيَهُود فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : سَلُوهُ عَنْ الرُّوح . فَقَالَ : مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ ؟ وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَسْتَقْبِلكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ . فَقَالُوا : سَلُوهُ . فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوح فَأَمْسَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا ; فَعَلِمْت أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ , فَقُمْت مَقَامِي , فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْي قَالَ : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا " لَفْظ الْبُخَارِيّ . وَفِي مُسْلِم : فَأَسْكَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ : وَمَا أُوتُوا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الرُّوح الْمَسْئُول عَنْهُ , أَيّ الرُّوح هُوَ ؟ فَقِيلَ : هُوَ جِبْرِيل ; قَالَهُ قَتَادَة . قَالَ : وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَكْتُمهُ . وَقِيلَ هُوَ عِيسَى . وَقِيلَ الْقُرْآن , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي آخِر الشُّورَى . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : هُوَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة لَهُ سَبْعُونَ أَلْف وَجْه , فِي كُلّ وَجْه سَبْعُونَ أَلْف لِسَان , فِي كُلّ لِسَان سَبْعُونَ أَلْف لُغَة , يُسَبِّح اللَّه تَعَالَى بِكُلِّ تِلْكَ اللُّغَات , يَخْلُق اللَّه تَعَالَى مِنْ كُلّ تَسْبِيحَة مَلَكًا يَطِير مَعَ الْمَلَائِكَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمَا أَظُنّ الْقَوْل يَصِحّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .

قُلْت : أَسْنَدَ الْبَيْهَقِيّ أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن الطَّرَائِفِيّ حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح " يَقُول : الرُّوح مَلَك . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح حَدَّثَنِي أَبُو هِرَّان [ بِكَسْرِ الْهَاء ] يَزِيد بْن سَمُرَة عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح " قَالَ : هُوَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة لَهُ سَبْعُونَ أَلْف وَجْه . .. الْحَدِيث بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ . وَرَوَى عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الرُّوح مَلَك لَهُ أَحَد عَشَر أَلْف جَنَاح وَأَلْف وَجْه , يُسَبِّح اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَعَنْهُ : جُنْد مِنْ جُنُود اللَّه لَهُمْ أَيْد وَأَرْجُل يَأْكُلُونَ الطَّعَام ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : وَقَالَ بَعْضهمْ , هُوَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة بِصِفَةٍ وَضَعُوهَا مِنْ عِظَم الْخِلْقَة . وَذَهَبَ أَكْثَر أَهْل التَّأْوِيل إِلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ الرُّوح الَّذِي يَكُون بِهِ حَيَاة الْجَسَد . وَقَالَ أَهْل النَّظَر مِنْهُمْ : إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ كَيْفِيَّة الرُّوح وَمَسْلَكه فِي بَدَن الْإِنْسَان , وَكَيْفَ اِمْتِزَاجه بِالْجِسْمِ وَاتِّصَال الْحَيَاة بِهِ , وَهَذَا شَيْء لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ أَبُو صَالِح : الرُّوح خَلْق كَخَلْقِ بَنِي آدَم وَلَيْسُوا بِبَنِي آدَم , لَهُمْ أَيْد وَأَرْجُل . وَالصَّحِيح الْإِبْهَام لِقَوْلِهِ : " قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي " أَيْ هُوَ أَمْر عَظِيم وَشَأْن كَبِير مِنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى , مُبْهَمًا لَهُ وَتَارِكًا تَفْصِيله ; لِيَعْرِف الْإِنْسَان عَلَى الْقَطْع عَجْزه عَنْ عِلْم حَقِيقَة نَفْسه مَعَ الْعِلْم بِوُجُودِهَا . وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَان فِي مَعْرِفَة نَفْسه هَكَذَا كَانَ بِعَجْزِهِ عَنْ إِدْرَاك حَقِيقَة الْحَقّ أَوْلَى . وَحِكْمَة ذَلِكَ تَعْجِيز الْعَقْل عَنْ إِدْرَاك مَعْرِفَة مَخْلُوق مُجَاوِر لَهُ , دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ عَنْ إِدْرَاك خَالِقه أَعْجَز .



اُخْتُلِفَ فِيمَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ ; فَقَالَتْ فِرْقَة : السَّائِلُونَ فَقَطْ . وَقَالَ قَوْم : الْمُرَاد الْيَهُود بِجُمْلَتِهِمْ . وَعَلَى هَذَا هِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَمَا أُوتُوا " وَرَوَاهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْمُرَاد الْعَالَم كُلّه . وَهُوَ الصَّحِيح , وَعَلَيْهِ قِرَاءَة الْجُمْهُور " وَمَا أُوتِيتُمْ " . وَقَدْ قَالَتْ الْيَهُود لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ لَمْ نُؤْتَ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاة وَهِيَ الْحِكْمَة , وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ؟ فَعَارَضَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِلْمِ اللَّه فَغُلِبُوا . وَقَدْ نَصَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْض الْأَحَادِيث : ( كُلًّا ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَاد " بِمَا أُوتِيتُمْ " جَمِيع الْعَالَم . وَذَلِكَ أَنَّ يَهُود قَالَتْ لَهُ : نَحْنُ عَنَيْت أَمْ قَوْمك . فَقَالَ : ( كُلًّا ) . وَفِي هَذَا الْمَعْنَى نَزَلَتْ " وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة أَقْلَام " [ لُقْمَان : 27 ] . حَكَى ذَلِكَ الطَّبَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ السَّائِلِينَ عَنْ الرُّوح هُمْ قُرَيْش , قَالَتْ لَهُمْ الْيَهُود : سَلُوهُ عَنْ أَصْحَاب الْكَهْف وَعَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَعَنْ الرُّوح فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ عَنْ اِثْنَيْنِ وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدَة فَهُوَ نَبِيّ ; فَأَخْبَرَهُمْ خَبَر أَصْحَاب الْكَهْف وَخَبَر ذِي الْقَرْنَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي . وَقَالَ فِي الرُّوح : " قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي " أَيْ مِنْ الْأَمْر الَّذِي لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه . ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَغَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ اِبْن عَبَّاس .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التعليق على ميمية ابن القيم

    القصيدة الميمية [ الرحلة إلى بلاد الأشواق ] للإمام ابن القيم - رحمه الله -: هي قصيدة عظيمة، علمية، وعظية، تربوية، تطرق فيها لأمور كثيرة، من أهمها: مشهد الحجيج وانتفاضة البعث، وسبيل النجاة، وذكر الجنة ونعيمها. وقد شرحها بعض العلماء، منهم: العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -، وفي هذه الصفحة تعليقه - رحمه الله - عليها.

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348432

    التحميل:

  • هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

    هذا الكتاب يوقفنا على صفحات مشرقة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيخبرنا عن حال إمام الهدى - صلى الله عليه وسلم - في فرحه بمقدم هذا الشهر الكريم، وتهيئه له، وكيف كان حاله - صلى الله عليه وسلم - فيه مع ربه الجليل تعبدا، ورقا، واجتهادا، ومداومة، مع قيامه بحق زوجاته الكريمات عشرة، وإحسانا، وتعليما، وإرشادا. إضافة إلى مهمته الكبرى مع أمة بأكملها . .؛ يعلم جاهلها، ويرشد عالمها، ويصلح حالها، ويقوم شأنها، . . لا يميل به واجب عن واجب، ولا يشغله جانب عن جانب. إنه الكمال البشري الذي يشع نورًا؛ فيرسم الأسوة، ويضع معالم القدوة، ويقيم الحجة على الخلق علماء ودعاة وعامة. فما أمس حاجتنا إلى التنعم في ظلال سيرته - صلى الله عليه وسلم -، والعيش مع أخباره، والتعرف على أحواله، وترسم هديه - صلى الله عليه وسلم - وطريقته.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231270

    التحميل:

  • الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

    الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد أحببتُ أن يكون لي الفضلُ الكبير والشرفُ العظيمُ في تصنيفِ كتابٍ أُضمِّنُه دلائلَ نبوَّةِ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: مُعجزاته الحسيَّة، وأخلاقه الكريمة الفاضِلة، فصنَّفتُ كتابي هذا وجعلتُه تحت عنوان: «الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أخلاقه الكريمة الفاضِلة في ضوء الكتاب والسنة»، وقد رتَّبتُ موضوعاتِه حسب حروف الهِجاء ليسهُل الرجوعُ إليها عند اللزومِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384397

    التحميل:

  • التبيين لدعوات المرضى والمصابين

    التبيين لدعوات المرضى والمصابين: رسالةٌ تحتوي على بعض الموضوعات التي تختصُّ بالمرضى والمصابين وما يدعون به; والرقية الشرعية; وما يُقال عند عيادتهم; وهي مُنتقاة من كتاب المؤلف: «فقه الأدعية والأذكار».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316773

    التحميل:

  • شهادة الإسلام لا إله إلا الله

    شهادة الإسلام لا إله إلا الله: كتاب مبسط فيه شرح لشهادة أن لا إله إلا الله: مكانتها، وفضلها، وحقيقتها، ونفعها، ومعناها، وشروطها، ونواقضها، وغيرها من الأمور المهمة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1889

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة