Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 82

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) (الإسراء) mp3
" وَنُنَزِّل " قَرَأَ الْجُمْهُور بِالنُّونِ . وَقَرَأَ مُجَاهِد " وَيُنْزِل " بِالْيَاءِ خَفِيفَة , وَرَوَاهَا الْمَرْوَزِيّ عَنْ حَفْص . و " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَة , وَيَصِحّ أَنْ تَكُون لِبَيَانِ الْجِنْس ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَنُنَزِّل مَا فِيهِ شِفَاء مِنْ الْقُرْآن . وَفِي الْخَبَر ( مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بِالْقُرْآنِ فَلَا شَفَاهُ اللَّه ) . وَأَنْكَرَ بَعْض الْمُتَأَوِّلِينَ أَنْ تَكُون " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ ; لِأَنَّهُ يُحْفَظ مِنْ أَنْ يَلْزَمهُ أَنَّ بَعْضه لَا شِفَاء فِيهِ . اِبْن عَطِيَّة : وَلَيْسَ يَلْزَمهُ هَذَا , بَلْ يَصِحّ أَنْ تَكُون لِلتَّبْعِيضِ بِحَسَبِ أَنَّ إِنْزَاله إِنَّمَا هُوَ مُبَعَّض , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَنُنَزِّل مِنْ الْقُرْآن شَيْئًا شِفَاء ; مَا فِيهِ كُلّه شِفَاء . وَقِيلَ : شِفَاء فِي الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَيَان .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَوْنه شِفَاء عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ شِفَاء لِلْقُلُوبِ بِزَوَالِ الْجَهْل عَنْهَا وَإِزَالَة الرَّيْب , وَلِكَشْفِ غِطَاء الْقَلْب مِنْ مَرَض الْجَهْل لِفَهْمِ الْمُعْجِزَات وَالْأُمُور الدَّالَّة عَلَى اللَّه تَعَالَى . الثَّانِي : شِفَاء مِنْ الْأَمْرَاض الظَّاهِرَة بِالرُّقَى وَالتَّعَوُّذ وَنَحْوه . وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّة - وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ - عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّة ثَلَاثِينَ رَاكِبًا قَالَ : فَنَزَلْنَا عَلَى قَوْم مِنْ الْعَرَب فَسَأَلْنَاهُمْ أَنْ يُضَيِّفُونَا فَأَبَوْا ; قَالَ : فَلُدِغَ سَيِّد الْحَيّ , فَأَتَوْنَا فَقَالُوا : فِيكُمْ أَحَد يَرْقِي مِنْ الْعَقْرَب ؟ فِي رِوَايَة اِبْن قَتَّة : إِنَّ الْمَلِك يَمُوت . قَالَ : قُلْت أَنَا نَعَمْ , وَلَكِنْ لَا أَفْعَل حَتَّى تُعْطُونَا . فَقَالُوا : فَإِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاة . قَالَ : فَقَرَأْت عَلَيْهِ " الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " سَبْع مَرَّات فَبَرَأَ . فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَتَّة عَنْ أَبِي سَعِيد : فَأَفَاقَ وَبَرَأَ . فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِالنُّزُلِ وَبَعَثَ إِلَيْنَا بِالشَّاءِ , فَأَكَلْنَا الطَّعَام أَنَا وَأَصْحَابِي وَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ الْغَنَم , حَتَّى أَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته الْخَبَر فَقَالَ : ( وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَة ) قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , شَيْء أُلْقِيَ فِي رُوعِي . قَالَ : ( كُلُوا وَأَطْعِمُونَا مِنْ الْغَنَم ) خَرَّجَهُ فِي كِتَاب السُّنَن . وَخَرَّجَ فِي ( كِتَاب الْمَدِيح ) مِنْ حَدِيث السَّرِيّ بْن يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يَنْفَع بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْبَرَص وَالْجُنُون وَالْجُذَام وَالْبَطْن وَالسُّلّ وَالْحُمَّى وَالنَّفْس أَنْ تَكْتُب بِزَعْفَرَانٍ أَوْ بِمِشْق - يَعْنِي الْمَغْرَة - أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّة وَأَسْمَائِهِ كُلّهَا عَامَّة مِنْ شَرّ السَّامَّة وَالْغَامَّة وَمِنْ شَرّ الْعَيْن اللَّامَّة وَمِنْ شَرّ حَاسِد إِذَا حَسَدَ وَمِنْ أَبِي فَرْوَة وَمَا وَلَدَ ) . كَذَا قَالَ , وَلَمْ يَقُلْ مِنْ شَرّ أَبِي قِتْرَة . الْعَيْن اللَّامَّة : الَّتِي تُصِيب بِسُوءٍ . تَقُول : أُعِيذهُ مِنْ كُلّ هَامَّة لَامَّة . وَأَمَّا قَوْله : أُعِيذهُ مِنْ حَادِثَات اللَّمَّة فَيَقُول : هُوَ الدَّهْر . وَيُقَال الشِّدَّة . وَالسَّامَّة : الْخَاصَّة . يُقَال : كَيْفَ السَّامَّة وَالْعَامَّة . وَالسَّامَّة السُّمّ . وَمِنْ أَبِي فَرْوَة وَمَا وَلَدَ . وَقَالَ : ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ مِنْ الْمَلَائِكَة أَتَوْا رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالُوا : وَصَبٌ بِأَرْضِنَا . فَقَالَ : خُذُوا تُرْبَة مِنْ أَرْضكُمْ فَامْسَحُوا نَوَاصِيكُمْ . أَوْ قَالَ : نُوصِيكُمْ رُقْيَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَفْلَحَ مَنْ كَتَمَهَا أَبَدًا أَوْ أَخَذَ عَلَيْهَا صَفَدًا . ثُمَّ تَكْتُب فَاتِحَة الْكِتَاب وَأَرْبَع آيَات مِنْ أَوَّل [ الْبَقَرَة ] , وَالْآيَة الَّتِي فِيهَا تَصْرِيف الرِّيَاح وَآيَة الْكُرْسِيّ وَالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدهَا , وَخَوَاتِيم سُورَة [ الْبَقَرَة ] مِنْ مَوْضِع " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض " [ الْبَقَرَة : 284 ] إِلَى آخِرهَا , وَعَشْرًا مِنْ أَوَّل [ آل عِمْرَان ] وَعَشْرًا مِنْ آخِرهَا , وَأَوَّل آيَة مِنْ [ النِّسَاء ] , وَأَوَّل آيَة مِنْ [ الْمَائِدَة ] , وَأَوَّل آيَة مِنْ [ الْأَنْعَام ] , وَأَوَّل آيَة مِنْ [ الْأَعْرَاف ] , وَالْآيَة الَّتِي فِي [ الْأَعْرَاف ] " إِنَّ رَبّكُمْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض " [ الْأَعْرَاف : 54 ] حَتَّى تَخْتِم الْآيَة ; وَالْآيَة الَّتِي فِي [ يُونُس ] مِنْ مَوْضِع " قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر إِنَّ اللَّه سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّه لَا يُصْلِح عَمَل الْمُفْسِدِينَ " [ يُونُس : 81 ] . وَالْآيَة الَّتِي فِي [ طَه ] " وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينك تَلْقَف مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحِر وَلَا يُفْلِح السَّاحِر حَيْثُ أَتَى " [ طَه : 69 ] , وَعَشْرًا مِنْ أَوَّل [ الصَّافَّات ] , و " قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد " [ الْإِخْلَاص : 1 ] , وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ . تُكْتَب فِي إِنَاء نَظِيف ثُمَّ تُغْسَل ثَلَاث مَرَّات بِمَاءٍ نَظِيف ثُمَّ يَحْثُو مِنْهُ الْوَجَع ثَلَاث حَثَوَات ثُمَّ يَتَوَضَّأ مِنْهُ كَوُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ وَيَتَوَضَّأ قَبْل وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ حَتَّى يَكُون عَلَى طُهْر قَبْل أَنْ يَتَوَضَّأ بِهِ ثُمَّ يَصُبّ عَلَى رَأْسه وَصَدْره وَظَهْره وَلَا يَسْتَنْجِي بِهِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَشْفِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; يَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاثَة أَيَّام , قَدْر مَا يَكْتُب فِي كُلّ يَوْم كِتَابًا . فِي رِوَايَة : وَمِنْ شَرّ أَبِي قِتْرَة وَمَا وَلَدَ . وَقَالَ : ( فَامْسَحُوا نَوَاصِيكُمْ ) وَلَمْ يَشُكّ . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْفُث عَلَى نَفْسه فِي الْمَرَض الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْت أَنْفُث عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَمْسَح بِيَدِ نَفْسه لِبَرَكَتِهَا . فَسَأَلْت الزُّهْرِيّ كَيْفَ كَانَ يَنْفُث ؟ قَالَ : كَانَ يَنْفُث عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَح بِهِمَا وَجْهه . وَرَوَى مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اِشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسه الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَتَفَلَ أَوْ نَفَثَ . قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ : قَالَ اللُّغَوِيُّونَ تَفْسِير " نَفَثَ " نَفَخَ نَفْخًا لَيْسَ مَعَهُ رِيق . وَمَعْنَى " تَفَلَ " نَفَخَ نَفْخًا مَعَهُ رِيق . قَالَ الشَّاعِر : فَإِنْ يَبْرَأ فَلَمْ أُنْفِث عَلَيْهِ وَإِنْ يَفْقِد فَحَقّ لَهُ الْفُقُود وَقَالَ ذُو الرُّمَّة : وَمِنْ جَوْف مَاء عَرْمَض الْحَوْل فَوْقه مَتَى يَحْسُ مِنْهُ مَائِح الْقَوْم يَتْفُل أَرَادَ يَنْفُخ بِرِيقٍ . وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي النَّفْث فِي سُورَة [ الْفَلَق ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

رَوَى اِبْن مَسْعُود أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَه الرُّقَى إِلَّا بِالْمُعَوِّذَاتِ . قَالَ الطَّبَرِيّ : وَهَذَا حَدِيث لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِمِثْلِهِ فِي الدِّين ; إِذْ فِي نَقَلَته مَنْ لَا يُعْرَف . وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ إِمَّا غَلَطًا وَإِمَّا مَنْسُوخًا ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْفَاتِحَة ( مَا أَدْرَاك أَنَّهَا رُقْيَة ) . وَإِذَا جَازَ الرَّقْي بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَهُمَا سُورَتَانِ مِنْ الْقُرْآن كَانَتْ الرُّقْيَة بِسَائِرِ الْقُرْآن مِثْلهمَا فِي الْجَوَاز إِذْ كُلّه قُرْآن . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( شِفَاء أُمَّتِي فِي ثَلَاث آيَة مِنْ كِتَاب اللَّه أَوْ لَعْقَة مِنْ عَسَل أَوْ شَرْطَة مِنْ مِحْجَم ) . وَقَالَ رَجَاء الْغَنَوِيّ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بِالْقُرْآنِ فَلَا شِفَاء لَهُ .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي النُّشْرَة , وَهِيَ أَنْ يَكْتُب شَيْئًا مِنْ أَسْمَاء اللَّه أَوْ مِنْ الْقُرْآن ثُمَّ يَغْسِلهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَمْسَح بِهِ الْمَرِيض أَوْ يَسْقِيه , فَأَجَازَهَا سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . قِيلَ لَهُ : الرَّجُل يُؤْخَذ عَنْ اِمْرَأَته أَيُحَلُّ عَنْهُ وَيُنْشَر ؟ قَالَ : لَا بَأْس بِهِ , وَمَا يَنْفَع لَمْ يَنْهَ عَنْهُ . وَلَمْ يَرَ مُجَاهِد أَنْ تُكْتَب آيَات مِنْ الْقُرْآن ثُمَّ تُغْسَل ثُمَّ يُسْقَاهُ صَاحِب الْفَزَع . وَكَانَتْ عَائِشَة تَقْرَأ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي إِنَاء ثُمَّ تَأْمُر أَنْ يُصَبّ عَلَى الْمَرِيض . وَقَالَ الْمَازِرِيّ أَبُو عَبْد اللَّه : النُّشْرَة أَمْر مَعْرُوف عِنْد أَهْل التَّعْزِيم ; وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَنْشُر عَنْ صَاحِبهَا أَيْ تَحُلّ . وَمَنَعَهَا الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , قَالَ النَّخَعِيّ : أَخَاف أَنْ يُصِيبهُ بَلَاء ; وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ مَا يَجِيء بِهِ الْقُرْآن فَهُوَ إِلَى أَنْ يُعْقِب بَلَاء أَقْرَب مِنْهُ إِلَى أَنْ يُفِيد شِفَاء . وَقَالَ الْحَسَن : سَأَلْت أَنَسًا فَقَالَ : ذَكَرُوا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَان . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النُّشْرَة فَقَالَ : ( مِنْ عَمَل الشَّيْطَان ) . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ . وَهَذِهِ آثَار لَيِّنَة وَلَهَا وُجُوه مُحْتَمِلَة , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ خَارِجَة عَمَّا فِي كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام , وَعَنْ الْمُدَاوَاة الْمَعْرُوفَة . وَالنُّشْرَة مِنْ جِنْس الطِّبّ فَهِيَ غُسَالَة شَيْء لَهُ فَضْل , فَهِيَ كَوُضُوءِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا بَأْس بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْك وَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَع أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ ) .

قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَا النَّصّ فِي النُّشْرَة مَرْفُوعًا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا مِنْ كِتَاب اللَّه فَلْيُعْتَمَدْ عَلَيْهِ .

قَالَ مَالِك : لَا بَأْس بِتَعْلِيقِ الْكُتُب الَّتِي فِيهَا أَسْمَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَعْنَاق الْمَرْضَى عَلَى وَجْه التَّبَرُّك بِهَا إِذَا لَمْ يُرِدْ مُعَلِّقهَا بِتَعْلِيقِهَا مُدَافَعَة الْعَيْن . وَهَذَا مَعْنَاهُ قَبْل أَنْ يَنْزِل بِهِ شَيْء مِنْ الْعَيْن . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم , لَا يَجُوز عِنْدهمْ أَنْ يُعَلَّق عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْبَهَائِم أَوْ بَنِي آدَم شَيْء مِنْ الْعَلَائِق خَوْف نُزُول الْعَيْن , وَكُلّ مَا يُعَلَّق بَعْد نُزُول الْبَلَاء مِنْ أَسْمَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَكِتَابه رَجَاء الْفَرَج وَالْبُرْء مِنْ اللَّه تَعَالَى , فَهُوَ كَالرُّقَى الْمُبَاح الَّذِي وَرَدَتْ السُّنَّة بِإِبَاحَتِهِ مِنْ الْعَيْن وَغَيْرهَا . وَقَدْ رَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا فَزِعَ أَحَدكُمْ فِي نَوْمه فَلْيَقُلْ أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّة مِنْ غَضَبه وَسُوء عِقَابه وَمِنْ شَرّ الشَّيَاطِين وَأَنْ يَحْضُرُونَ ) . وَكَانَ عَبْد اللَّه يُعَلِّمهَا وَلَده مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ , وَمَنْ لَمْ يُدْرِك كَتَبَهَا وَعَلَّقَهَا عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ ) . وَرَأَى اِبْن مَسْعُود عَلَى أُمّ وَلَده تَمِيمَة مَرْبُوطَة فَجَبَذَهَا جَبْذًا شَدِيدًا فَقَطَعَهَا وَقَالَ : إِنَّ آل اِبْن مَسْعُود لَأَغْنِيَاء عَنْ الشِّرْك , ثُمَّ قَالَ : إِنَّ التَّمَائِم وَالرُّقَى وَالتِّوَلَة مِنْ الشِّرْك . قِيلَ : مَا التِّوَلَة ؟ قَالَ : مَا تَحَبَّبَتْ بِهِ لِزَوْجِهَا . وَرُوِيَ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَة فَلَا أَتَمَّ اللَّه لَهُ وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَة فَلَا وَدَعَ اللَّه لَهُ قَلْبًا ) . قَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد : التَّمِيمَة قِلَادَة فِيهَا عُوَذ , وَالْوَدَعَة خَرَز . وَقَالَ أَبُو عُمَر : التَّمِيمَة فِي كَلَام الْعَرَب الْقِلَادَة , وَمَعْنَاهُ عِنْد أَهْل الْعِلْم مَا عَلَّقَ فِي الْأَعْنَاق مِنْ الْقَلَائِد خَشْيَة الْعَيْن أَوْ غَيْرهَا أَنْ تَنْزِل أَوْ لَا تَنْزِل قَبْل أَنْ تَنْزِل . فَلَا أَتَمَّ اللَّه عَلَيْهِ صِحَّته وَعَافِيَته , وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَة - وَهِيَ مِثْلهَا فِي الْمَعْنَى - فَلَا وَدَعَ اللَّه لَهُ ; أَيْ فَلَا بَارَكَ اللَّه لَهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَهَذَا كُلّه تَحْذِير مِمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَصْنَعُونَهُ مِنْ تَعْلِيق التَّمَائِم وَالْقَلَائِد , وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا تَقِيهِمْ وَتَصْرِف عَنْهُمْ الْبَلَاء , وَذَلِكَ لَا يَصْرِفهُ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَهُوَ الْمُعَافِي وَالْمُبْتَلِي , لَا شَرِيك لَهُ . فَنَهَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي جَاهِلِيَّتهمْ . وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ : مَا تَعَلَّقَ بَعْد نُزُول الْبَلَاء فَلَيْسَ مِنْ التَّمَائِم . وَقَدْ كَرِهَ بَعْض أَهْل الْعِلْم تَعْلِيق التَّمِيمَة عَلَى كُلّ حَال قَبْل نُزُول الْبَلَاء وَبَعْده . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ فِي الْأَثَر وَالنَّظَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود يَجُوز أَنْ يُرِيد بِمَا كُرِهَ تَعْلِيقه غَيْر الْقُرْآن أَشْيَاء مَأْخُوذَة عَنْ الْعَرَّافِينَ وَالْكُهَّان ; إِذْ الِاسْتِشْفَاء بِالْقُرْآنِ مُعَلَّقًا وَغَيْر مُعَلَّق لَا يَكُون شِرْكًا , وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ ) فَمَنْ عَلَّقَ الْقُرْآن يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّاهُ اللَّه وَلَا يَكِلهُ إِلَى غَيْره ; لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَرْغُوب إِلَيْهِ وَالْمُتَوَكَّل عَلَيْهِ فِي الِاسْتِشْفَاء بِالْقُرْآنِ . وَسُئِلَ اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ التَّعْوِيذ أَيُعَلَّقُ ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ فِي قَصَبَة أَوْ رُقْعَة يُحْرَز فَلَا بَأْس بِهِ . وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَكْتُوب قُرْآن . وَعَنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعَلِّق الرَّجُل الشَّيْء مِنْ كِتَاب اللَّه إِذَا وَضَعَهُ عِنْد الْجِمَاع وَعِنْد الْغَائِط . وَرَخَّصَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ فِي التَّعْوِيذ يُعَلَّق عَلَى الصِّبْيَان . وَكَانَ اِبْن سِيرِينَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنْ الْقُرْآن يُعَلِّقهُ الْإِنْسَان .


تَفْرِيج الْكُرُوب وَتَطْهِير الْعُيُوب وَتَكْفِير الذُّنُوب مَعَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ تَعَالَى مِنْ الثَّوَاب فِي تِلَاوَته ; كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَاب اللَّه فَلَهُ بِهِ حَسَنَة وَالْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا لَا أَقُول الم حَرْف بَلْ أَلِف حَرْف وَلَام حَرْف وَمِيم حَرْف ) . قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب . وَقَدْ تَقَدَّمَ .


لِتَكْذِيبِهِمْ . قَالَ قَتَادَة : مَا جَالَسَ أَحَد الْقُرْآن إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَان , ثُمَّ قَرَأَ " وَنُنَزِّل مِنْ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ " الْآيَة . وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله : " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانهمْ وَقْر وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى " [ فُصِّلَتْ : 44 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإصابة في فضائل وحقوق الصحابة رضي الله عنهم

    الإصابة في فضائل وحقوق الصحابة رضي الله عنهم: نبذة عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيامًا بحقهم ونصحًا للأمة بشأنهم وإشادة بفضائلهم وهداية لمن لبس عليه في أمرهم متضمنة التعريف بهم، وبيان منزلتهم وفضلهم وفضائلهم ومناقبهم، وحقهم على الأمة، وعقيدة أهل السنة والجماعة فيهم.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330349

    التحميل:

  • حقوق المرأة في ظل المتغيرات المعاصرة

    حقوق المرأة في ظل المتغيرات المعاصرة : رسالة قيمة لتحصين المرأة المسلمة من سيل الشبهات التي تثار حول حقوقها المهددة في الإسلام ، وبيان الحيل والمكائد التي يحوكها أعداؤها المدعون تحريرها بغية استرقاقها والتمتع بها .

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/52432

    التحميل:

  • الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

    الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف: في هذا البحث تحدث المصنف - حفظه الله - عن الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف، وقد اشتمل الكتاب على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول. ففي المقدمة خطبة البحث، وخطته، وطرف من أهميته في تميِّز هذه الأمة وخصوصية دينها الإسلام بالعدل والوسطية من خلال منهاج السنة والاستقامة التي أبانها لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي التمهيد تحديد لحقيقة مصطلحات البحث، ثم جاء الفصل الأول: في تاريخ التطرف والغلو الديني، ثم جاء الفصل الثاني: في نشأة التطرف والغلو في الدين عند المسلمين, تأثرا بمن قبلهم من الأمم والديانات، ثم جاء الفصل الثالث: في التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116851

    التحميل:

  • حد الثوب والأزرة وتحريم الإسبال ولباس الشهرة

    حد الثوب والأزرة : رسالة قيمة مفيدة وافية في موضوعها، وقد جاءت في وقت تمس الحاجة إليها فيه، حيث برزت مظاهر غريبة في اللباس بين إفراط وتفريط في شأن اللباس إسبالاً وتقصيراً. - قدم لها فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - أثابه الله -.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169018

    التحميل:

  • الخطب المنبرية

    الخطب المنبرية : مجموعة من الخطب ألقاها الشيخ - أثابه الله - في المسجد النبوي الشريف.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203874

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة