Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 81

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) (الإسراء) mp3
رَوَى الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة عَام الْفَتْح وَحَوْل الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا , فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْعَنهَا بِمِخْصَرَةٍ فِي يَده - وَرُبَّمَا قَالَ بِعُودٍ - وَيَقُول : ( جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا . جَاءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد ) لَفْظ التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَكَذَا فِي حَدِيث مُسْلِم ( نُصُبًا ) . وَفِي رِوَايَة ( صَنَمًا ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّمَا كَانَتْ بِهَذَا الْعَدَد لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ فِي يَوْم صَنَمًا وَيَخُصُّونَ أَعْظَمهَا بِيَوْمَيْنِ . وَقَوْله : ( فَجَعَلَ يَطْعَنهَا بِعُودٍ فِي يَده ) يُقَال إِنَّهَا كَانَتْ مُثَبَّتَة بِالرَّصَاصِ وَأَنَّهُ كُلَّمَا طَعَنَ مِنْهَا صَنَمًا فِي وَجْهه خَرَّ لِقَفَاهُ , أَوْ فِي قَفَاهُ خَرَّ لِوَجْهِهِ . وَكَانَ يَقُول : ( جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا ) حَكَاهُ أَبُو عُمَر وَالْقَاضِي عِيَاض . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : فَمَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَم إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ , ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَكُسِرَتْ .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى كَسْر نُصُب الْمُشْرِكِينَ وَجَمِيع الْأَوْثَان إِذَا غُلِبَ عَلَيْهِمْ , وَيَدْخُل بِالْمَعْنَى كَسْر آلَة الْبَاطِل كُلّه , وَمَا لَا يَصْلُح إِلَّا لِمَعْصِيَةِ اللَّه كَالطَّنَابِيرِ وَالْعِيدَانِ وَالْمَزَامِير الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا اللَّهْو بِهَا عَنْ ذِكْر اللَّه تَعَالَى . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَفِي مَعْنَى الْأَصْنَام الصُّوَر الْمُتَّخَذَة مِنْ الْمَدَر وَالْخَشَب وَشَبَههَا , وَكُلّ مَا يَتَّخِذهُ النَّاس مِمَّا لَا مَنْفَعَة فِيهِ إِلَّا اللَّهْو الْمَنْهِيّ عَنْهُ . وَلَا يَجُوز بَيْع شَيْء مِنْهُ إِلَّا الْأَصْنَام الَّتِي تَكُون مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَالرَّصَاص , إِذَا غُيِّرَتْ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ وَصَارَتْ نُقَرًا أَوْ قِطَعًا فَيَجُوز بَيْعهَا وَالشِّرَاء بِهَا . قَالَ الْمُهَلِّب : وَمَا كُسِرَ مِنْ آلَات الْبَاطِل وَكَانَ فِي حَبْسهَا بَعْد كَسْرهَا مَنْفَعَة فَصَاحِبهَا أَوْلَى بِهَا مَكْسُورَة ; إِلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَام حَرْقهَا بِالنَّارِ عَلَى مَعْنَى التَّشْدِيد وَالْعُقُوبَة فِي الْمَال . وَقَدْ تَقَدَّمَ حَرْق اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَدْ هَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيقِ دُور مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ صَلَاة الْجَمَاعَة . وَهَذَا أَصْل فِي الْعُقُوبَة فِي الْمَال مَعَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي النَّاقَة الَّتِي لَعَنَتْهَا صَاحِبَتهَا : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَة ) فَأَزَالَ مُلْكهَا عَنْهَا تَأْدِيبًا لِصَاحِبَتِهَا , وَعُقُوبَة لَهَا فِيمَا دَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا دَعَتْ بِهِ . وَقَدْ أَرَاقَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَبَنًا شِيبَ بِمَاءٍ عَلَى صَاحِبه .

مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِير الْآيَة يُنْظَر إِلَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه لَيَنْزِلَنَّ عِيسَى ابْن مَرْيَم حَكَمًا عَادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيب وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِير وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَة وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاص فَلَا يَسْعَى عَلَيْهَا ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ الصَّحِيحَانِ . وَمِنْ هَذَا الْبَاب هَتْك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتْر الَّذِي فِيهِ الصُّوَر , وَذَلِكَ أَيْضًا دَلِيل عَلَى إِفْسَاد الصُّوَر وَآلَات الْمَلَاهِي كَمَا ذَكَرْنَا . وَهَذَا كُلّه يُوجِب الْمَنْع مِنْ اِتِّخَاذهَا وَيُوجِب التَّغْيِير عَلَى صَاحِبهَا . إِنَّ أَصْحَاب هَذِهِ الصُّوَر يُعَذَّبُونَ يَوْم الْقِيَامَة وَيُقَال لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ; وَحَسْبك ! وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي [ النَّمْل ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَوْله تَعَالَى : " وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ " أَيْ الْإِسْلَام . وَقِيلَ : الْقُرْآن ; قَالَ مُجَاهِد . وَقِيلَ : الْجِهَاد . " وَزَهَقَ الْبَاطِل " قِيلَ الشِّرْك . وَقِيلَ الشَّيْطَان ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَالصَّوَاب تَعْمِيم اللَّفْظ بِالْغَايَةِ الْمُمْكِنَة , فَيَكُون التَّفْسِير جَاءَ الشَّرْع بِجَمِيعِ مَا اِنْطَوَى فِيهِ . " وَزَهَقَ الْبَاطِل " : بَطَلَ الْبَاطِل . وَمِنْ هَذَا زُهُوق النَّفْس وَهُوَ بُطْلَانهَا . يُقَال زَهَقَتْ نَفْسه تَزْهَق زُهُوقًا , وَأَزْهَقْتهَا .



أَيْ لَا بَقَاء لَهُ وَالْحَقّ الَّذِي يَثْبُت .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإيمان بالقضاء والقدر

    الإيمان بالقضاء والقدر : اشتمل هذا البحث على مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة. الباب الأول: الاعتقاد الحق في القدر. الباب الثاني: مسائل وإشكالات حول القدر. الباب الثالث: الانحراف في القدر.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172704

    التحميل:

  • الكتاب [ كتاب سيبويه ]

    الكتاب: للعلامة الكبير سيبويه - رحمه الله - كتاب في علم النحو، تلقاه العلماء بالقبول، وكثر الثناء عليه، ووممن أثنى عليه: 1- محمد بن سلام - ت 231 - « كان سيبويه النحوي غاية الخلق، وكتابه في النحو هو الإمام فيه ». 2- أبو عثمان بكر بن محمد المازني - ت 249 - « من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي ». 3- أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافى - ت 368 - قال في كتابه أخبار النحويين والبصريين « وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله، ولم يلحق به من بعده ».

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2475

    التحميل:

  • على قمم الجبال

    على قمم الجبال: فهذه رحلة مع أقوام من الصالحين .. الذين تنافسوا في الطاعات .. وتسابقوا إلى الخيرات .. نعم .. مع الذين سارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنات .. هذه أخبار أقوام .. لم يتهيبوا صعود الجبال .. بل نزعوا عن أعناقهم الأغلال .. واشتاقوا إلى الكريم المتعال .. هم نساء ورجال .. علو إلى قمم الجبال .. ما حجبتهم عن ربهم لذة .. ولا اشتغلوا عن دينهم بشهوة .. فأحبهم ربهم وأدناهم .. وأعلى مكانهم وأعطاهم.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336208

    التحميل:

  • اعتقاد الأئمة الأربعة

    اعتقاد الأئمة الأربعة: في هذه الرسالة بيان اعتقاد الأئمة الأربعة - أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد بن حنبل - رحمهم الله -، وأن عقيدتهم هي ما نطق به الكتاب والسُّنَّة وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وليس بين هؤلاء الأئمة ولله الحمد نزاع في أصول الدين بل هم متفقون على الإيمان بصفات الرب وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بد فيه من تصديق القلب واللسان، بل كانوا ينكرون على أهل الكلام من جهمية وغيرهم ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية والمذاهب الكلامية.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334065

    التحميل:

  • فقه الاستشارة

    فقه الاستشارة: فمن خلال مُعايَشتي للقرآن الكريم، والوقوف مع آياته، والتفكُّر بما فيه من دروس ومعالم، وقفتُ أمام موضوع تكرَّر ذكره في القرآن الكريم، أمرًا وخبرًا وممارسةً، وذلكم هو موضوع المشاورة والشورى. وقد قمتُ بحصر المواضع التي ورد فيها هذا الأمر، ثم تأمَّلتُ فيها، ورجعتُ إلى كلام المُفسِّرين وغيرهم، ومن ثَمَّ رأيتُ أن الموضوع مناسب لأَن يُفرَد برسالة تكون زادًا للدعاة وطلاب العلم، وبخاصة مع الحاجة الماسة لذلك.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337576

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة