Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 71

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) (الإسراء) mp3
رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : " يَوْم نَدْعُو كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ " قَالَ : ( يُدْعَى أَحَدهمْ فَيُعْطَى كِتَابه بِيَمِينِهِ , وَيَمُدّ لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعًا , وَيَبْيَضّ وَجْهه وَيُجْعَل عَلَى رَأْسه تَاج مِنْ لُؤْلُؤ يَتَلَأْلَأ فَيَنْطَلِق إِلَى أَصْحَابه فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اِئْتِنَا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيهمْ فَيَقُول أَبْشِرُوا لِكُلِّ مِنْكُمْ مِثْل هَذَا - قَالَ - وَأَمَّا الْكَافِر فَيَسْوَدّ وَجْهه وَيُمَدّ لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَة آدَم وَيُلْبَس تَاجًا فَيَرَاهُ أَصْحَابه فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ هَذَا ! اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهَذَا . قَالَ : فَيَأْتِيهمْ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَخِّرْهُ . فَيَقُول أَبْعَدَكُمْ اللَّه فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُل مِنْكُمْ مِثْل هَذَا ) . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَنَظِير هَذَا قَوْله : " وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " . وَالْكِتَاب يُسَمَّى إِمَامًا ; لِأَنَّهُ يُرْجَع إِلَيْهِ فِي تَعَرُّف أَعْمَالهمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك : " بِإِمَامِهِمْ " أَيْ بِكِتَابِهِمْ , أَيْ بِكِتَابِ كُلّ إِنْسَان مِنْهُمْ الَّذِي فِيهِ عَمَله ; دَلِيله " فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ " . وَقَالَ اِبْن زَيْد : بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّل عَلَيْهِمْ . أَيْ يُدْعَى كُلّ إِنْسَان بِكِتَابِهِ الَّذِي كَانَ يَتْلُوهُ ; فَيُدْعَى أَهْل التَّوْرَاة بِالتَّوْرَاةِ , وَأَهْل الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ ; فَيُقَال : يَا أْهَل الْقُرْآن , مَاذَا عَمِلْتُمْ , هَلْ اِمْتَثَلْتُمْ أَوَامِره هَلْ اِجْتَنَبْتُمْ نَوَاهِيه ! وَهَكَذَا . وَقَالَ مُجَاهِد : " بِإِمَامِهِمْ " بِنَبِيِّهِمْ , وَالْإِمَام مَنْ يُؤْتَمّ بِهِ . فَيُقَال : هَاتُوا مُتَّبِعِي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , هَاتُوا مُتَّبِعِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , هَاتُوا مُتَّبِعِي الشَّيْطَان , هَاتُوا مُتَّبِعِي الْأَصْنَام . فَيَقُوم أَهْل الْحَقّ فَيَأْخُذُونَ كِتَابهمْ بِأَيْمَانِهِمْ , وَيَقُوم أَهْل الْبَاطِل فَيَأْخُذُونَ كِتَابهمْ بِشِمَالِهِمْ . وَقَالَهُ قَتَادَة . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : بِإِمَامِ عَصْرهمْ . وَرَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : " يَوْم نَدْعُو كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ " فَقَالَ : ( كُلّ يُدْعَى بِإِمَامِ زَمَانهمْ وَكِتَاب رَبّهمْ وَسُنَّة نَبِيّهمْ فَيَقُول هَاتُوا مُتَّبِعِي إِبْرَاهِيم هَاتُوا مُتَّبِعِي مُوسَى هَاتُوا مُتَّبِعِي عِيسَى هَاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّد - عَلَيْهِمْ أَفْضَل الصَّلَوَات وَالسَّلَام - فَيَقُوم أَهْل الْحَقّ فَيَأْخُذُونَ كِتَابهمْ بِأَيْمَانِهِمْ , وَيَقُول : هَاتُوا مُتَّبِعِي الشَّيْطَان هَاتُوا مُتَّبِعِي رُؤَسَاء الضَّلَالَة إِمَام هُدًى وَإِمَام ضَلَالَة ) . وَقَالَ الْحَسَن وَأَبُو الْعَالِيَة : " بِإِمَامِهِمْ " أَيْ بِأَعْمَالِهِمْ . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس . فَيُقَال : أَيْنَ الرَّاضُونَ بِالْمَقْدُورِ , أَيْنَ الصَّابِرُونَ عَنْ الْمَحْذُور . وَقِيلَ : بِمَذَاهِبِهِمْ ; فَيُدْعَوْنَ بِمَنْ كَانُوا يَأْتَمُّونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا : يَا حَنَفِيّ , يَا شَافِعِيّ , يَا مُعْتَزِلِيّ , يَا قَدَرِيّ , وَنَحْوه ; فَيَتَّبِعُونَهُ فِي خَيْر أَوْ شَرّ أَوْ عَلَى حَقّ أَوْ بَاطِل , وَهَذَا مَعْنَى قَوْل أَبِي عُبَيْدَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يُدْعَى أَهْل الصَّدَقَة مِنْ بَاب الصَّدَقَة , وَأَهْل الْجِهَاد مِنْ بَاب الْجِهَاد . .. , الْحَدِيث بِطُولِهِ . أَبُو سَهْل : يُقَال أَيْنَ فُلَان الْمُصَلِّي وَالصَّوَّام , وَعَكْسه الدَّفَّاف وَالنَّمَّام . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : " بِإِمَامِهِمْ " بِأُمَّهَاتِهِمْ . وَإِمَام جَمْع آمّ . قَالَتْ الْحُكَمَاء : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَة أَوْجُه مِنْ الْحِكْمَة ; أَحَدهَا - لِأَجْلِ عِيسَى . وَالثَّانِي - إِظْهَار لِشَرَفِ الْحَسَن وَالْحُسَيْن . وَالثَّالِث - لِئَلَّا يُفْتَضَح أَوْلَاد الزِّنَا .

قُلْت : وَفِي هَذَا الْقَوْل نَظَر ; فَإِنَّ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا جَمَعَ اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْم الْقِيَام يُرْفَع لِكُلِّ غَادِر لِوَاء فَيُقَال هَذِهِ غَدْرَة فُلَان بْن فُلَان ) خَرَّجَهُ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ . فَقَوْله : " هَذِهِ غَدْرَة فُلَان بْن فُلَان " دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّاس يُدْعَوْنَ فِي الْآخِرَة بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّمَا يُدْعَوْنَ بِأَسْمَاءِ أُمَّهَاتهمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَتْرًا عَلَى آبَائِهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .


هَذَا يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ : " بِإِمَامِهِمْ " بِكِتَابِهِمْ وَيُقَوِّيه أَيْضًا قَوْله : " وَكُلّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين " .


الْفَتِيل الَّذِي فِي شَقّ النَّوَاة . وَقَدْ مَضَى فِي [ النِّسَاء ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهذا جزءٌ لطيفٌ .. للإمام العالم، صاحب العلوم والفنون جلال الدين السيوطي - رحمه الله -، سال قلمه حبًّا لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسطَّر هذه الكلمات الرائعات، وجمع هذه الأحاديث المباركات، في فضائل سيدة نساء أهل الجنات، زوج عليٍّ أبي تُراب، وأم الريحانتين الحسن والحسين - رضي الله تعالى عن الجميع -، والتي سمَّاها: «الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة ابنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».

    المدقق/المراجع: حسن الحسيني

    الناشر: جمعية الآل والأصحاب http://www.aal-alashab.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335472

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية في ضوء الكتاب والسنة

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ سعيد القحطاني - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193641

    التحميل:

  • منهج الاستنباط من القرآن الكريم

    تهتم هذه الرسالة بموضوع استخراج الأحكام والفوائد من القرآن الكريم والمنهج الصحيح الذي اتبعه العلماء في ذلك، كما تبين أهم الشروط التي يجب توفرها في من أراد الاستنباط من القرآن، وأهم الشروط في المعنى الذي استخرج من القرآن الكريم.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385695

    التحميل:

  • توضيح المعالم في الجمع بين روايتي حفص وشعبة عن عاصم

    توضيح المعالم في الجمع بين روايتي حفص وشعبة عن عاصم: مذكرة جَمَعَت بين روايتي حفص بن سليمان وشعبة بن عياش عن قراءة عاصم بن أبي النَّـجود الكوفي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2064

    التحميل:

  • توجيهات إسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

    كتاب مختصر يحتوي على توجيهات إسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116963

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة