Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 64

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) (الإسراء) mp3
أَيْ اِسْتَزِلَّ وَاسْتَخِفَّ . وَأَصْله الْقَطْع , وَمِنْهُ تَفَزَّزَ الثَّوْب إِذَا اِنْقَطَعَ . وَالْمَعْنَى اِسْتَزِلَّهُ بِقَطْعِك إِيَّاهُ عَنْ الْحَقّ . وَاسْتَفَزَّهُ الْخَوْف أَيْ اِسْتَخَفَّهُ . وَقَعَدَ مُسْتَوْفِزًا أَيْ غَيْر مُطْمَئِنّ . " وَاسْتَفْزِزْ " أَمْر تَعْجِيز , أَيْ أَنْتَ لَا تَقْدِر عَلَى إِضْلَال أَحَد , وَلَيْسَ لَك عَلَى أَحَد سُلْطَان فَافْعَلْ مَا شِئْت .


وَصَوْته كُلّ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . مُجَاهِد : الْغِنَاء وَالْمَزَامِير وَاللَّهْو . الضَّحَّاك : صَوْت الْمِزْمَار . وَكَانَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَسْكَنَ أَوْلَاد هَابِيل أَعْلَى الْجَبَل , وَوَلَد قَابِيل أَسْفَله , وَفِيهِمْ بَنَات حِسَان , فَزَمَّرَ اللَّعِين فَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ اِنْحَدَرُوا فَزَنَوْا ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . وَقِيلَ : " بِصَوْتِك " بِوَسْوَسَتِك .

فِي الْآيَة مَا يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم الْمَزَامِير وَالْغِنَاء وَاللَّهْو ; لِقَوْلِهِ : " وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اِسْتَطَعْت مِنْهُمْ بِصَوْتِك وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ " عَلَى قَوْل مُجَاهِد . وَمَا كَانَ مِنْ صَوْت الشَّيْطَان أَوْ فِعْله وَمَا يَسْتَحْسِنهُ فَوَاجِب التَّنَزُّه عَنْهُ . وَرَوَى نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سَمِعَ صَوْت زَمَّارَة فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ , وَعَدَلَ رَاحِلَته عَنْ الطَّرِيق وَهُوَ يَقُول : يَا نَافِع ! أَتَسْمَعُ ؟ فَأَقُول نَعَمْ ; فَمَضَى حَتَّى قُلْت لَهُ لَا , فَوَضَعَ يَدَيْهِ وَأَعَادَ رَاحِلَته إِلَى الطَّرِيق وَقَالَ : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ صَوْت زَمَّارَة رَاعٍ فَصَنَعَ مِثْل هَذَا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِذَا كَانَ هَذَا فِعْلهمْ فِي حَقّ صَوْت لَا يَخْرُج عَنْ الِاعْتِدَال , فَكَيْفَ بِغِنَاءِ أَهْل هَذَا الزَّمَان وَزَمْرهمْ . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي سُورَة [ لُقْمَان ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .



أَصْل الْإِجْلَاب السَّوْق بِجَلَبَةٍ مِنْ السَّائِق ; يُقَال : أَجْلَبَ إِجْلَابًا . وَالْجَلَب وَالْجَلَبَة : الْأَصْوَات ; تَقُول مِنْهُ : جَلَّبُوا بِالتَّشْدِيدِ . وَجَلَبَ الشَّيْء يَجْلِبهُ وَيَجْلُبهُ جَلْبًا وَجَلَبًا . وَجَلَبْت الشَّيْء إِلَى نَفْسِي وَاجْتَلَبْته بِمَعْنًى . وَأَجْلَبَ عَلَى الْعَدُوّ إِجْلَابًا ; أَيْ جَمَّعَ عَلَيْهِمْ . فَالْمَعْنَى أَجْمِعْ عَلَيْهِمْ كُلّ مَا تَقْدِر عَلَيْهِ مِنْ مَكَايِدك وَقَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ : يُرِيد كُلّ رَاكِب وَمَاشٍ فِي مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة : إِنَّ لَهُ خَيْلًا وَرَجْلًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس . فَمَا كَانَ مِنْ رَاكِب وَمَاشٍ يُقَاتِل فِي مَعْصِيَة اللَّه فَهُوَ مِنْ خَيْل إِبْلِيس وَرَجَّالَته . وَرَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُلّ خَيْل سَارَتْ فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَكُلّ رِجْل مَشَتْ فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَكُلّ مَال أُصِيبَ مِنْ حَرَام , وَكُلّ وَلَد بَغِيَّة فَهُوَ لِلشَّيْطَانِ . وَالرَّجْل جَمْع رَاجِل ; مِثْل صَحْب وَصَاحِب . وَقَرَأَ حَفْص " وَرَجِلك " بِكَسْرِ الْجِيم وَهُمَا لُغَتَانِ ; يُقَال : رَجِل وَرَجْل بِمَعْنَى رَاجِل . وَقَرَأَ عِكْرِمَة وَقَتَادَة " وَرِجِالك " عَلَى الْجَمْع .



أَيْ اِجْعَلْ لِنَفْسِك شَرِكَة فِي ذَلِكَ . فَشَرِكَته فِي الْأَمْوَال إِنْفَاقهَا فِي مَعْصِيَة اللَّه ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي أَصَابُوهَا مِنْ غَيْر حِلّهَا ; قَالَهُ مُجَاهِد . اِبْن عَبَّاس : مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنْ الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَام . وَقَالَهُ قَتَادَة . الضَّحَّاك : مَا كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ . وَالْأَوْلَاد قِيلَ : هُمْ أَوْلَاد الزِّنَا , قَالَهُ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس . وَعَنْهُ أَيْضًا هُوَ مَا قَتَلُوا مِنْ أَوْلَادهمْ وَأَتَوْا فِيهِمْ مِنْ الْجَرَائِم . وَعَنْهُ أَيْضًا : هُوَ تَسْمِيَتهمْ عَبْد الْحَارِث وَعَبْد الْعُزَّى وَعَبْد اللَّات وَعَبْد الشَّمْس وَنَحْوه . وَقِيلَ : هُوَ صِبْغَة أَوْلَادهمْ فِي الْكُفْر حَتَّى هَوَّدُوهُمْ وَنَصَّرُوهُمْ , كَصُنْعِ النَّصَارَى بِأَوْلَادِهِمْ بِالْغَمْسِ فِي الْمَاء الَّذِي لَهُمْ ; قَالَ قَتَادَة . وَقَوْل خَامِس - رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِذَا جَامَعَ الرَّجُل وَلَمْ يُسَمِّ اِنْطَوَى الْجَانّ عَلَى إِحْلِيله فَجَامَعَ مَعَهُ , فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " لَمْ يَطْمِثهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ " وَسَيَأْتِي . وَرَوَى مِنْ حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِيكُمْ مُغَرِّبِينَ ) قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا الْمُغَرِّبُونَ ؟ قَالَ : ( الَّذِينَ يَشْتَرِك فِيهِمْ الْجِنّ ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول . قَالَ الْهَرَوِيّ : سُمُّوا مُغَرِّبِينَ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِمْ عِرْق غَرِيب . قَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : فَلِلْجِنِّ مُسَامَاة بِابْنِ آدَم فِي الْأُمُور وَالِاخْتِلَاط ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَزَوَّج فِيهِمْ , وَكَانَتْ بِلْقِيس مَلِكَة سَبَأ أَحَد أَبَوَيْهَا مِنْ الْجِنّ . وَسَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


أَيْ مَنِّهِمْ الْأَمَانِيّ الْكَاذِبَة , وَأَنَّهُ لَا قِيَامَة وَلَا حِسَاب , وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ حِسَاب وَجَنَّة وَنَار فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْجَنَّةِ مِنْ غَيْركُمْ . يُقَوِّيه قَوْله تَعَالَى : " يَعِدهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدهُمْ الشَّيْطَان إِلَّا غُرُورًا " أَيْ بَاطِلًا . وَقِيلَ " وَعِدْهُمْ " أَيْ عِدْهُمْ النُّصْرَة عَلَى مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ . وَهَذَا الْأَمْر لِلشَّيْطَانِ تَهَدُّد وَوَعِيد لَهُ . وَقِيلَ : اِسْتِخْفَاف بِهِ وَبِمَنْ اِتَّبَعَهُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الدروس المهمة لعامة الأمة

    الدروس المهمة لعامة الأمة: هذه الرسالة على صغر حجمها جمع المؤلف - رحمه الله - بين دفتيها سائر العلوم الشرعية من أحكام الفقه الأكبر والفقه الأصغر، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الأخلاق الشرعية والآداب الإسلامية، وختم هذه الرسالة بالتحذير من الشرك وأنواع المعاصي، فأتت الرسالة بما ينبغي أن يكون عليه المسلم عقيدة وعبادةً، وسلوكا ومنهجا، فهذه الرسالة اسم على مسمى فهي بحق الدروس المهمة لعامة الأمة.؛ لذا قام العديد من المشايخ بشرح هذه الرسالة اللطيفة، ومن هذه الشروح شرح الشيخ محمد بن علي العرفج - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66738

    التحميل:

  • الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية

    الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية: قال المؤلف - رحمه الله -: «فهذه رسالة مشتملة على المسائل المهمة في علم الكلام، قريبة المأخذ للأفهام، جعلتُها على طريق السؤال والجواب، وتساهلتُ في عباراتها تسهيلاً للطلاب».

    الناشر: موقع المكتبة الوقفية http://www.waqfeya.com - موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/354391

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الورع ]

    أعمال القلوب [ الورع ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الورع عملٌ عظيمٌ من أعمال القلوب وعمود من أعمدة الدين، فهو الذي يُطهِّر القلبَ من الأدران، ويُصفِّي النفسَ من الزَّبَد، وهو ثمرة شجرة الإيمان ... وسنتطرَّق في هذا الكتيب العاشر لبيان معنى الورع، وحقيقته، وبعضًا من ثمراته وفوائده، وكيف نكسبه ونتحلَّى به».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355755

    التحميل:

  • رسائل في العقيدة

    رسائل في العقيدة: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن علم العقيدة أشرف العلوم، وأجلها قدرًا، وإن تعلُّم العقيدة، والدعوة إليها لأهم المهمات، وأوجب الواجبات، فلا صلاح ولا عز ولا فلاح للأفراد والجماعات إلا بفهم العقيدة الصحيحة وتحقيقها .. وهذا الكتاب مشتمل على الرسائل التالية: 1- مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة [ المفهوم والخصائص ]. 2- الإيمان بالله. 3- لا إله إلا الله: معناها - أركانها - فضائلها - شروطها. 4- توحيد الربوبية. 5- توحيد الألوهية. 6- توحيد الأسماء والصفات. 7- الإيمان بالملائكة. 8- الإيمان بالكتب. 9- الإيمان بالرسل. 10- خلاصة الإيمان باليوم الآخر. 11- مختصر الإيمان بالقضاء والقدر. 12- مسائل في المحبة والخوف والرجاء. 13- نبذة مختصرة في الشفاعة والشرك والتمائم والتبرك. 14- السحر بين الماضي والحاضر. 15- الطِّيرة. 16- الإيمان: حقيقته وما يتعلق به من مسائل. 17- معالم في الصحبة والآل. 18- الإمامة والخلافة».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355726

    التحميل:

  • عيش السعداء

    عيش السعداء: كل الناس يسعون إلى تحقيق السعادة، ولكن قليلٌ منهم من ينالها، وهم من يسعدون بطاعة ربهم، واتباع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، فيفوزون بجنة الرحمن - سبحانه وتعالى -.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336157

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة