Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 45

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) (الإسراء) mp3
عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ سُورَة " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب " أَقْبَلَتْ الْعَوْرَاء أُمّ جَمِيل بِنْت حَرْب وَلَهَا وَلْوَلَة وَفِي يَدهَا فِهْر وَهِيَ تَقُول : مُذَمَّمًا عَصَيْنَا وَأَمْره أَبَيْنَا وَدِينه قَلَيْنَا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِد فِي الْمَسْجِد وَمَعَهُ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَقَدْ أَقْبَلَتْ وَأَنَا أَخَاف أَنْ تَرَاك ! قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي ) وَقَرَأَ قُرْآنًا فَاعْتَصَمَ بِهِ كَمَا قَالَ . وَقَرَأَ " وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا " . فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلَمْ تَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا أَبَا بَكْر , أُخْبِرْت أَنَّ صَاحِبك هَجَانِي ! فَقَالَ : لَا وَرَبّ هَذَا الْبَيْت مَا هَجَاك . قَالَ : فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُول : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْش أَنِّي اِبْنَة سَيِّدهَا . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَمَّا نَزَلَتْ " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ " [ الْمَسَد : 1 ] جَاءَتْ اِمْرَأَة أَبِي لَهَب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَقَالَ أَبُو بَكْر : لَوْ تَنَحَّيْت عَنْهَا لِئَلَّا تُسْمِعك مَا يُؤْذِيك , فَإِنَّهَا اِمْرَأَة بَذِيَّة . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنهَا ) فَلَمْ تَرَهُ . فَقَالَتْ لِأَبِي بَكْر : يَا أَبَا بَكْر , هَجَانَا صَاحِبك ! فَقَالَ : وَاَللَّه مَا يَنْطِق بِالشِّعْرِ وَلَا يَقُولهُ . فَقَالَتْ : وَإِنِّي لَمُصَدِّقَة ; فَانْدَفَعَتْ رَاجِعَة . فَقَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : يَا رَسُول اللَّه , أَمَا رَأَتْك ؟ قَالَ : ( لَا مَا زَالَ مَلَك بَيْنِي وَبَيْنهَا يَسْتُرنِي حَتَّى ذَهَبَتْ ) . وَقَالَ كَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَة : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَتِر مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِثَلَاثِ آيَات : الْآيَة الَّتِي فِي الْكَهْف " إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهمْ أَكِنَّة أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانهمْ وَقْرًا " [ الْكَهْف : 57 ] , وَالْآيَة فِي النَّحْل " أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَسَمْعهمْ وَأَبْصَارهمْ " [ النَّحْل : 108 ] , وَالْآيَة الَّتِي فِي الْجَاثِيَة " أَفَرَأَيْت مَنْ اِتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة " [ الْجَاثِيَة : 23 ] الْآيَة . فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَهُنَّ يَسْتَتِر مِنْ الْمُشْرِكِينَ . قَالَ كَعْب رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ : فَحَدَّثْت بِهِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الشَّام , فَأَتَى أَرْض الرُّوم فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا , ثُمَّ خَرَجَ هَارِبًا فَخَرَجُوا فِي طَلَبه فَقَرَأَ بِهِنَّ فَصَارُوا يَكُونُونَ مَعَهُ عَلَى طَرِيقه وَلَا يُبْصِرُونَهُ . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَهَذَا الَّذِي يَرْوُونَهُ عَنْ كَعْب حَدَّثْت بِهِ رَجُلًا مِنْ أَهْل الرَّيّ فَأُسِرَ بِالدَّيْلَمِ , فَمَكَثَ زَمَانًا ثُمَّ خَرَجَ هَارِبًا فَخَرَجُوا فِي طَلَبه فَقَرَأَ بِهِنَّ حَتَّى جَعَلَتْ ثِيَابهنَّ لَتَلْمِس ثِيَابه فَمَا يُبْصِرُونَهُ .

قُلْت : وَيُزَاد إِلَى هَذِهِ الْآي أَوَّل سُورَة يس إِلَى قَوْله " فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ " . فَإِنَّ فِي السِّيرَة فِي هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُقَام عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي فِرَاشه قَالَ : وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ حَفْنَة مِنْ تُرَاب فِي يَده , وَأَخَذَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَبْصَارهمْ عَنْهُ فَلَا يَرَوْنَهُ , فَجَعَلَ يَنْثُر ذَلِكَ التُّرَاب عَلَى رُءُوسهمْ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَات مِنْ يس : " يس . وَالْقُرْآن الْحَكِيم . إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ . عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم . تَنْزِيل الْعَزِيز الرَّحِيم - إِلَى قَوْله - وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفهمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ " [ يس : 6 ] . حَتَّى فَرَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْآيَات , وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُل إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسه تُرَابًا , ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَب .

قُلْت : وَلَقَدْ اُتُّفِقَ لِي بِبِلَادِنَا الْأَنْدَلُس بِحِصْنِ مَنْثُور مِنْ أَعْمَال قُرْطُبَة مِثْل هَذَا . وَذَلِكَ أَنِّي هَرَبْت أَمَام الْعَدُوّ وَانْحَزْت إِلَى نَاحِيَة عَنْهُ , فَلَمْ أَلْبَث أَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِي فَارِسَانِ وَأَنَا فِي فَضَاء مِنْ الْأَرْض قَاعِد لَيْسَ يَسْتُرنِي عَنْهُمَا شَيْء , وَأَنَا أَقْرَأ أَوَّل سُورَة يس وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآن ; فَعَبَرَا عَلَيَّ ثُمَّ رَجَعَا مِنْ حَيْثُ جَاءَا وَأَحَدهمَا يَقُول لِلْآخَرِ : هَذَا دِيَبْلُه ; يَعْنُونَ شَيْطَانًا . وَأَعْمَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَبْصَارهمْ فَلَمْ يَرَوْنِي , وَالْحَمْد لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا عَلَى ذَلِكَ . وَقِيلَ : الْحِجَاب الْمَسْتُور طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ حَتَّى لَا يَفْقَهُوهُ وَلَا يُدْرِكُوا مَا فِيهِ مِنْ الْحِكْمَة ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقَالَ الْحَسَن : أَيْ أَنَّهُمْ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ قِرَاءَتك وَتَغَافُلهمْ عَنْك كَمَنْ بَيْنك وَبَيْنه حِجَاب فِي عَدَم رُؤْيَته لَك حَتَّى كَأَنَّ عَلَى قُلُوبهمْ أَغْطِيَة . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم كَانُوا يُؤْذُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآن , وَهُمْ أَبُو جَهْل وَأَبُو سُفْيَان وَالنَّضْر بْن الْحَارِث وَأُمّ جَمِيل أَمْرَأَة أَبِي لَهَب وَحُوَيْطِب ; فَحَجَبَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبْصَارهمْ عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن , وَكَانُوا يَمُرُّونَ بِهِ وَلَا يَرَوْنَهُ ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره . وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْل الْأَوَّل بِعَيْنِهِ , وَهُوَ الْأَظْهَر فِي الْآيَة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله : " مَسْتُورًا " فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا - أَنَّ الْحِجَاب مَسْتُور عَنْكُمْ لَا تَرَوْنَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْحِجَاب سَاتِر عَنْكُمْ مَا وَرَاءَهُ ; وَيَكُون مَسْتُورًا بِهِ بِمَعْنَى سَاتِر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فوائد مستنبطة من قصة يوسف

    فوائد مستنبطة من قصة يوسف: بعض الفوائد المستنبطة من سورة يوسف - عليه السلام - لما فيها من آيات وعبر منوعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد, وأيضاً فيها من التنقلات من حال إلى حال, ومن محنة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن ذلة ورق إلى عز وملك, ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وإدراك غايات, ومن حزن وترح إلى سرور وفرح, ومن رخاء إلى جدب, ومن جدب إلى رخاء, ومن ضيق إلى سعة، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة, فتبارك من قصها ووضحها وبينها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2136

    التحميل:

  • جامع المسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية

    جامع المسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية : هذا مجموع نفيس يحوي عدداً من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاواه ورسائله التي لم تنشر من قبل استخرجها المحقق من مجاميع مخطوطة في مكتبات عديدة. - تتكون السلسلة من ست مجلدات، وقد أضفنا نسخة مصورة من إصدار دار عالم الفوائد، بتحقيق الشيخ محمد عزيز شمس - أثابه الله - وتحت إشراف العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: محمد عزيز شمس

    الناشر: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272824

    التحميل:

  • الاستشراق

    الاستشراق: كثيرًا ما يتردَّد على ألسنة الخطباء وفي الصحف والمجلات وفي الكتب كلمة (استشراق) وبخاصة عندما يكون الحديث عن الغزو الفكري أو الثقافي وآثاره السيئة، وقد بالَغَ البعضُ في ذم الاستشراق وكل ما يمُتُّ إليه بصلة، بينما يرى البعض أن الاستشراق إنما هو جهد علمي لدراسة الشرق، وبخاصة بعض الذين تتلمذوا على أيدي بعض المستشرقين؛ حيث يرون فيهم المثال في المنهجيـة والإخلاص والدقة وغير ذلك من النعوت المادحة. وقد صدرت كتابات كثيرة تتناول تعريف الاستشراق ونشأته وأهدافه ودوافعه ومناهجه، ولما كانت الموسوعة الوسيطة للأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة رأَت أن يُكتب عن الاستشراق لما له من تأثير في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فقد كانت هذه الصفحات التي تحاول أن تقدم تعريفًا للاستشراق وأهدافه وأثره في العالم الإسلامي في النواحي العقدية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما تتضمن الصفحات الآتية تعريفًا بأبرز المستشرقين ونبذة عن إنتاجهم الفكري.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343849

    التحميل:

  • تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر

    تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر: بيَّن المؤلف في هذا الكتاب عِظَم قدر هذه السورة؛ حيث إنها تسمى سورة التوديع؛ لأنها نزلت آخر سور القرآن، وكانت إنباءً بقرب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ نزولها والنبي - صلى الله يُكثِر من الاستغفار امتثالاً لأمر ربه - جل وعلا -، لذا وجبت العناية بها وتدبر معانيها وكلام أهل العلم في تفسيرها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314993

    التحميل:

  • آداب وأحكام زيارة المدينة المنورة

    هذه الرسالة تبين بعض آداب وأحكام زيارة المدينة المنورة.

    الناشر: دار بلنسية للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/250752

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة