Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 37

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) (الإسراء) mp3
هَذَا نَهْي عَنْ الْخُيَلَاء وَأَمْر بِالتَّوَاضُعِ . وَالْمَرَح : شِدَّة الْفَرَح . وَقِيلَ : التَّكَبُّر فِي الْمَشْي . وَقِيلَ : تَجَاوُز الْإِنْسَان قَدْره . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ الْخُيَلَاء فِي الْمَشْي . وَقِيلَ : هُوَ الْبَطَر وَالْأَشَر . وَقِيلَ : هُوَ النَّشَاط وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة وَلَكِنْهَا مُنْقَسِمَة قِسْمَيْنِ : أَحَدهمَا مَذْمُوم وَالْآخَر مَحْمُود ; فَالتَّكَبُّر وَالْبَطَر وَالْخُيَلَاء وَتَجَاوُز الْإِنْسَان قَدْره مَذْمُوم وَالْفَرَح وَالنَّشَاط مَحْمُود . وَقَدْ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى نَفْسه بِأَحَدِهِمَا ; فَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح ( لَلَّهُ أَفْرَح بِتَوْبَةِ الْعَبْد مِنْ رَجُل . .. ) الْحَدِيث . وَالْكَسَل مَذْمُوم شَرْعًا وَالنَّشَاط ضِدّه . وَقَدْ يَكُون التَّكَبُّر وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَحْمُودًا , وَذَلِكَ عَلَى أَعْدَاء اللَّه وَالظَّلَمَة . أَسْنَدَ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان عَنْ اِبْن جَابِر بْن عَتِيك عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مِنْ الْغَيْرَة مَا يُبْغِض اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يُحِبّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْ الْخُيَلَاء مَا يُحِبّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يُبْغِض اللَّه فَأَمَّا الْغَيْرَة الَّتِي يُحِبّ اللَّه الْغَيْرَة فِي الدِّين وَالْغَيْرَة الَّتِي يُبْغِض اللَّه الْغَيْرَة فِي غَيْر دِينه وَالْخُيَلَاء الَّتِي يُحِبّ اللَّه اِخْتِيَال الرَّجُل بِنَفْسِهِ عِنْد الْقِتَال وَعِنْد الصَّدَقَة وَالِاخْتِيَال الَّذِي يُبْغِض اللَّه الْخُيَلَاء فِي الْبَاطِل ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي مُصَنَّفه وَغَيْره . وَأَنْشَدُوا : وَلَا تَمْشِ فَوْق الْأَرْض إِلَّا تَوَاضُعًا فَكَمْ تَحْتهَا قَوْم هُمُو مِنْك أَرْفَع وَإِنْ كُنْت فِي عِزّ وَحِرْز وَمَنْعَة فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْم هُمُو مِنْك أَمْنَع

إِقْبَال الْإِنْسَان عَلَى الصَّيْد وَنَحْوه تَرَفُّعًا دُون حَاجَة إِلَى ذَلِكَ دَاخِل فِي هَذِهِ الْآيَة , وَفِيهِ تَعْذِيب الْحَيَوَان وَإِجْرَاؤُهُ لِغَيْرِ مَعْنًى . وَأَمَّا الرَّجُل يَسْتَرِيح فِي الْيَوْم النَّادِر وَالسَّاعَة مِنْ يَوْمه , وَيُجِمّ فِيهَا نَفْسه فِي التَّطَرُّح وَالرَّاحَة لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى شُغْل مِنْ الْبِرّ , كَقِرَاءَةِ عِلْم أَوْ صَلَاة , فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَذِهِ الْآيَة .

" مَرَحًا " قِرَاءَة الْجُمْهُور بِفَتْحِ الرَّاء . وَقِرَاءَة فِرْقَة فِيمَا حَكَى يَعْقُوب بِكَسْرِ الرَّاء عَلَى بِنَاء اِسْم الْفَاعِل . وَالْأَوَّل أَبْلَغ , فَإِنَّ قَوْلك : جَاءَ زَيْد رَكْضًا أَبْلَغ مِنْ قَوْلك : جَاءَ زَيْد رَاكِضًا ; فَكَذَلِكَ قَوْلك مَرَحًا . وَالْمَرَح الْمَصْدَر أَبْلَغ مِنْ أَنْ يُقَال مَرِحًا .

اِسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى ذَمّ الرَّقْص وَتَعَاطِيه . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْوَفَاء ابْن عَقِيل : قَدْ نَصَّ الْقُرْآن عَلَى النَّهْي عَنْ الرَّقْص فَقَالَ : " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا " وَذَمّ الْمُخْتَال . وَالرَّقْص أَشَدّ الْمَرَح وَالْبَطَر . أَوَلَسْنَا الَّذِينَ قِسْنَا النَّبِيذ عَلَى الْخَمْر لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْإِطْرَاب وَالسُّكْر , فَمَا بَالنَا لَا نَقِيس الْقَضِيب وَتَلْحِين الشِّعْر مَعَهُ عَلَى الطُّنْبُور وَالْمِزْمَار وَالطَّبْل لِاجْتِمَاعِهِمَا . فَمَا أَقْبَح مِنْ ذِي لِحْيَة , وَكَيْفَ إِذَا كَانَ شَيْبَة , يَرْقُص وَيُصَفِّق عَلَى إِيقَاع الْأَلْحَان وَالْقُضْبَان , وَخُصُوصًا إِنْ كَانَتْ أَصْوَات لِنِسْوَان وَمُرْدَان , وَهَلْ يَحْسُن لِمَنْ بَيْن يَدَيْهِ الْمَوْت وَالسُّؤَال وَالْحَشْر وَالصِّرَاط , ثُمَّ هُوَ إِلَى إِحْدَى الدَّارَيْنِ , يَشْمُس بِالرَّقْصِ شُمُس الْبَهَائِم , وَيُصَفِّق تَصْفِيق النِّسْوَانِ , وَلَقَدْ رَأَيْت مَشَايِخ فِي عُمْرِي مَا بَانَ لَهُمْ سِنّ مِنْ التَّبَسُّم فَضْلًا عَنْ الضَّحِك مَعَ إِدْمَان مُخَالَطَتِي لَهُمْ وَقَالَ أَبُو الْفَرَج اِبْن الْجَوْزِيّ رَحِمَهُ اللَّه : وَلَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْض الْمَشَايِخ عَنْ الْإِمَام الْغَزَالِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الرَّقْص حَمَاقَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ لَا تَزُول إِلَّا بِاللَّعِبِ . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَاب مَزِيد بَيَان فِي [ الْكَهْف ] وَغَيْرهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .



يَعْنِي لَنْ تَتَوَلَّج بَاطِنهَا فَتَعْلَم مَا فِيهَا وَيُقَال : خَرَقَ الثَّوْب أَيْ شَقَّهُ , وَخَرَقَ الْأَرْض قَطَعَهَا . وَالْخَرْق : الْوَاسِع مِنْ الْأَرْض . أَيْ لَنْ تَخْرِق الْأَرْض بِكِبْرِك وَمَشْيك عَلَيْهَا . وَالْمُرَاد بِخَرْقِ الْأَرْض هُنَا نَقْبهَا لَا قَطْعهَا بِالْمَسَافَةِ ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ لَنْ تَقْطَعهَا . النَّحَّاس : وَهَذَا أَبْيَن ; لِأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْخَرْق وَهِيَ الصَّحْرَاء الْوَاسِعَة . وَيُقَال : فُلَان أَخْرَق مِنْ فُلَان , أَيْ أَكْثَر سَفَرًا وَعِزَّة وَمَنَعَة . وَيُرْوَى أَنَّ سَبَأ دَوَّخَ الْأَرْض بِأَجْنَادِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا وَسَهْلًا وَجَبَلًا , وَقَتَلَ سَادَة وَسَبَى - وَبِهِ سُمِّيَ سَبَأ - وَدَانَ لَهُ الْخَلْق , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اِنْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابه ثَلَاثَة أَيَّام ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي لَمَّا نِلْت مَا لَمْ يَنَلْ أَحَد رَأَيْت الِابْتِدَاء بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَم , فَلَمْ أَرَ أَوْقَع فِي ذَلِكَ مِنْ السُّجُود لِلشَّمْسِ إِذَا أَشْرَقَتْ , فَسَجَدُوا لَهَا , وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل عِبَادَة الشَّمْس ; فَهَذِهِ عَاقِبَة الْخُيَلَاء وَالتَّكَبُّر وَالْمَرَح ; نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .



أَيْ لَنْ تُسَاوِي الْجِبَال بِطُولِك وَلَا تَطَاوُلك . " وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا " بِعَظَمَتِك , أَيْ بِقُدْرَتِك لَا تَبْلُغ هَذَا الْمَبْلَغ , بَلْ أَنْتَ عَبْد ذَلِيل , مُحَاط بِك مِنْ تَحْتك وَمِنْ فَوْقك , وَالْمُحَاط مَحْصُور ضَعِيف , فَلَا يَلِيق بِك التَّكَبُّر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح ثلاثة الأصول [ آل الشيخ ]

    شرح ثلاثة الأصول : سلسلة مفرغة من الدروس التي ألقاها فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - والثلاثة الأصول وأدلتها هي رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285590

    التحميل:

  • نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة

    نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة تبين مفهوم التوحيد وأدلته وأنواعه وثمراته، ومفهوم الشرك وأدلة إبطالِه، وبيان الشفاعة المنفية والمثبتة، وأسباب ووسائل الشرك وأنواعه وأقسامه، وأضراره وآثاره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1941

    التحميل:

  • الدعاء [ مفهومه - أحكامه - أخطاء تقع فيه ]

    الدعاء : يحتوي هذا الكتاب على المباحث الآتية: تعريف الدعاء، إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم، نوعا الدعاء والعلاقة بينهما، فضائل الدعاء، شروط الدعاء، آداب الدعاء، أوقات، وأماكن، وأحوال، وأوضاع يستجاب فيها الدعاء، أخطاء في الدعاء، أسباب إجابة الدعاء، مسألة في إجابة الدعاء من عدمها، الحِكَمُ من تأخر إجابة الدعاء، نماذج لأدعية قرآنية، نماذج لأدعية نبوية.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172558

    التحميل:

  • كيف تطيل عمرك الإنتاجي؟

    كيف تطيل عمرك الإنتاجي؟ : يتناول هذا الكتاب باختصار معظم الأعمال الصالحة التي ثوابها يضيف لك عمراً إضافياً، ليكون عمرك الإنتاجي من الحسنات أكبر من عمرك الزمني. والكتاب بمثابة مجهر يكشف لأنظارنا أهمية جديدة للعديد من الأحاديث التي نقرأها ونمر عليها أحياناً مروراً دون تدبر. جعل الكتاب في ثلاثة فصول: - الفصل الأول: ويشتمل على: أهمية إطالة العمر ومفهومها. - الفصل الثاني: الأعمال المطيلة للأعمار وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: إطالة العمر بالأخلاق الفاضلة. المبحث الثاني: إطالة العمر بالأعمال ذات الأجور المضاعفة. المبحث الثالث: إطالة العمر بالأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات. المبحث الرابع: إطالة العمر باستغلال الوقت. - الفصل الثالث: كيفية المحافظة على العمر الإنتاجي من الحسنات. وقد وثقت مسائل الكتاب بعزوها إلى مظانها من كتب العلم، وحرص عدم ذكر إلا الأحاديث الصحيحة أو الحسنة وتخريجها من مصادرها. تقديم: الشيخ صالح بن غانم السدلان - الشيخ عبد الرحيم بن إبراهيم الهاشم.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291304

    التحميل:

  • الخطب المنبرية في المناسبات العصرية

    الخطب المنبرية في المناسبات العصرية : مجموعة من الخطب التي ألقاها فضيلة العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله - وهي سلسلة مكونة من 4 مجلدات.

    الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205551

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة