Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 33

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا (33) (الإسراء) mp3
الْأَلِف وَاللَّام فِي " النَّفْس " لِتَعْرِيفِ الْجِنْس ; كَقَوْلِهِمْ : أَهْلَكَ النَّاس حُبّ الدِّرْهَم وَالدِّينَار . وَمِثْله " إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا " [ الْمَعَارِج : 19 ] أَلَا تَرَى قَوْله سُبْحَانه : " إِلَّا الْمُصَلِّينَ " ؟ وَكَذَلِكَ قَوْله : " وَالْعَصْر . إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر " [ الْعَصْر : 1 - 2 ] لِأَنَّهُ قَالَ : " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا " وَهَذِهِ الْآيَة نَهْي عَنْ قَتْل النَّفْس الْمُحَرَّمَة , مُؤْمِنَة كَانَتْ أَوْ مُعَاهَدَة إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي يُوجِب قَتْلهَا . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَدْ عَصَمَ مَاله وَنَفْسه إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابهمْ عَلَى اللَّه ) . وَهَذَا الْحَقّ أُمُور : مِنْهَا مَنْع الزَّكَاة وَتَرْك الصَّلَاة ; وَقَدْ قَاتَلَ الصِّدِّيق مَانِعِي الزَّكَاة . وَفِي التَّنْزِيل " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتَوْا الزَّكَاة فَخَلُّوا سَبِيلهمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] وَهَذَا بَيِّنٌ . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثَّيِّب الزَّانِي وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَر مِنْهُمَا ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَل عَمَل قَوْم لُوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ ) . . وَفِي التَّنْزِيل : " إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا " [ الْمَائِدَة : 33 ] الْآيَة . وَقَالَ : " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا " [ الْحُجُرَات : 9 ] الْآيَة . وَكَذَلِكَ مَنْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفَ إِمَام جَمَاعَتهمْ وَفَرَّقَ كَلِمَتهمْ وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا بِانْتِهَابِ الْأَهْل وَالْمَال وَالْبَغْي عَلَى السُّلْطَان وَالِامْتِنَاع مِنْ حُكْمه يُقْتَل . فَهَذَا مَعْنَى قَوْله : " إِلَّا بِالْحَقِّ " . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْده وَلَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْر كُنْهه حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة ) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْل الذِّمَّة لَمْ يَجِد رِيح الْجَنَّة وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ عَامًا ) . فِي الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث ( وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة أَرْبَعِينَ عَامًا ) . خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص .


أَيْ بِغَيْرِ سَبَب يُوجِب الْقَتْل .



أَيْ لِمُسْتَحِقِّ دَمه . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : الْوَلِيّ يَجِب أَنْ يَكُون ذَكَرًا ; لِأَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِالْوِلَايَةِ بِلَفْظِ التَّذْكِير . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق فِي قَوْله تَعَالَى : " فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ " مَا يَدُلّ عَلَى خُرُوج الْمَرْأَة عَنْ مُطْلَق لَفْظ الْوَلِيّ , فَلَا جَرَمَ , لَيْسَ لِلنِّسَاءِ حَقّ فِي الْقِصَاص لِذَلِكَ وَلَا أَثَر لِعَفْوِهَا , وَلَيْسَ لَهَا الِاسْتِيفَاء . وَقَالَ الْمُخَالِف : إِنَّ الْمُرَاد هَاهُنَا بِالْوَلِيِّ الْوَارِث ; وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض " [ التَّوْبَة : 71 ] , وَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتهمْ مِنْ شَيْء " , [ الْأَنْفَال : 72 ] , وَقَالَ : " وَأُولُوا الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه " [ الْأَنْفَال : 75 ] فَاقْتَضَى ذَلِكَ إِثْبَات الْقَوَد لِسَائِرِ الْوَرَثَة ; وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْوَلِيّ فِي ظَاهِره عَلَى التَّذْكِير وَهُوَ وَاحِد , كَأَنَّ مَا كَانَ بِمَعْنَى الْجِنْس يَسْتَوِي الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث فِيهِ , وَتَتِمَّته فِي كُتُب الْخِلَاف .



أَيْ تَسْلِيطًا إِنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا , وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا وَالضَّحَّاك وَأَشْهَب وَالشَّافِعِيّ . وَقَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : السُّلْطَان أَمْر اللَّه . اِبْن عَبَّاس : السُّلْطَان الْحُجَّة . وَقِيلَ : السُّلْطَان طَلَبه حَتَّى يُدْفَع إِلَيْهِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة , وَأَوْضَحهَا قَوْل مَالِك : إِنَّهُ أَمْر اللَّه . ثُمَّ إِنَّ أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقَع نَصًّا فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ ; فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة : الْقَتْل خَاصَّة . وَقَالَ أَشْهَب : الْخِيرَة ; كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة [ الْبَقَرَة ] هَذَا الْمَعْنَى .



فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : لَا يُقْتَل غَيْر قَاتِله ; قَالَهُ الْحَسَن وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر . الثَّانِي : لَا يُقْتَل بَدَل وَلِيّه اِثْنَيْنِ كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ . الثَّالِث : لَا يُمَثَّل بِالْقَاتِلِ ; قَالَهُ طَلْق بْن حَبِيب , وَكُلّه مُرَاد لِأَنَّهُ إِسْرَاف مَنْهِيّ عَنْهُ . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْبَقَرَة ] الْقَوْل فِي هَذَا مُسْتَوْفًى . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " يُسْرِف " بِالْيَاءِ , يُرِيد الْوَلِيّ , وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " تُسْرِف " بِالتَّاءِ مِنْ فَوْق , وَهِيَ قِرَاءَة حُذَيْفَة . وَرَوَى الْعَلَاء بْن عَبْد الْكَرِيم عَنْ مُجَاهِد قَالَ : هُوَ لِلْقَاتِلِ الْأَوَّل , وَالْمَعْنَى عِنْدنَا فَلَا تُسْرِف أَيّهَا الْقَاتِل . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : هُوَ عَلَى مَعْنَى الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَئِمَّة مِنْ بَعْده . أَيْ لَا تَقْتُلُوا غَيْر الْقَاتِل . وَفِي حَرْف أُبَيّ " فَلَا تُسْرِفُوا فِي الْقَتْل " .


أَيْ مُعَانًا , يَعْنِي الْوَلِيّ . فَإِنْ قِيلَ : وَكَمْ مِنْ وَلِيّ مَخْذُول لَا يَصِل إِلَى حَقّه . قُلْنَا : الْمَعُونَة تَكُون بِظُهُورِ الْحُجَّة تَارَة وَبِاسْتِيفَائِهَا أُخْرَى , وَبِمَجْمُوعِهِمَا ثَالِثَة , فَأَيّهَا كَانَ فَهُوَ نَصْر مِنْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى . وَرَوَى اِبْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِنَّ الْمَقْتُول كَانَ مَنْصُورًا . النَّحَّاس : وَمَعْنَى قَوْله إِنَّ اللَّه نَصَرَهُ بِوَلِيِّهِ . وَرُوِيَ أَنَّهُ فِي قِرَاءَة أُبَيّ " فَلَا تُسْرِفُوا فِي الْقَتْل إِنَّ وَلِيّ الْمَقْتُول كَانَ مَنْصُورًا " . قَالَ النَّحَّاس : الْأَبْيَن بِالْيَاءِ وَيَكُون لِلْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال : لَا يُسْرِف إِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُل , فَهَذَا لِلْوَلِيِّ . وَقَدْ يَجُوز بِالتَّاءِ وَيَكُون لِلْوَلِيِّ أَيْضًا , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاج فِيهِ إِلَى تَحْوِيل الْمُخَاطَبَة . قَالَ الضَّحَّاك : هَذَا أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن فِي شَأْن الْقَتْل , وَهِيَ مَكِّيَّة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • العلم فضله وآدابه ووسائله

    العلم فضله وآدابه ووسائله: رسالة في بيان المراد بالعلم وذكر حكمه وأهمية العلم الذي يحتاج إلى تعلمه وكيفية التعلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1955

    التحميل:

  • لماذا تدخن؟

    لماذا تدخن؟: فإن التدخين وباءٌ خطير، وشر مستطير، وبلاء مدمر، أضرارُه جسيمةٌ، وعواقبه وخيمة، وبيعه وترويجه جريمةٌ أيما جريمة، وقد وقع في شَرَكِهِ فئام من الناس، فغدا بألبابهم، واستولى على قلوبهم، فعزَّ عليهم تركُه، وصعب في نفوسهم أن يتخلصوا من أسْره، وفي هذه الرسالة حث للمدخنين على تركه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172575

    التحميل:

  • شرح منظومة القواعد الفقهية

    شرح منظومة القواعد الفقهية: شرح لمنظومة القواعد الفقهية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1950

    التحميل:

  • المختار في أصول السنة

    المختار في أصول السنة: فقد كان لأئمة السنة وعلماء الأمة جهود كثيرة وأنشطة كبيرة في سبيل نشر العقيدة وتثبيتها وتصحيحها، والذبِّ عنها وإبطال كل ما يُخالفها ويضادُّها من أقوالٍ كاسِدة، وآراء فاسدة، وانحرافاتٍ بعيدةٍ باطلة. وهذا الكتاب «المختار في أصول السنة» هو عقدٌ في ذلك النظم المبارك، ولبنةٌ في هذا البناء المشيد، ألَّفه الإمام أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا الحنبلي البغدادي المتوفى سنة 471 هـ - رحمه الله تعالى -، أكثره تلخيص لكتاب الشريعة للآجري، وكتاب التوحيد من صحيح البخاري، وكتاب تأويل مشكل الحديث لابن قتيبة، مع إضافاتٍ علميةٍ وفوائد مهمة، يذكرها المؤلف - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348309

    التحميل:

  • أحاديث معلّة ظاهرها الصحة

    أحاديث معلّة ظاهرها الصحة: قال الشيخ - رحمه الله -: «فإني في بحث «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» كانت تمرُّ بي أحاديثُ ظاهرُها الصحةُ، فأجدُها في كتابٍ آخر مُعلَّة، وربما يطَّلِع عليها باحثٌ من الإخوة الباحثين، فيظنُّ أنها مما يلزمني إخراجُه، فأفردتُ لها دفترًا حتى اجتمعَ لديَّ نحوُ أربعمائة حديثٍ، فرأيتُ إخراجَها حتي يتمَّ الانتفاعُ بها كما تمَّ بـ «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، أسأل الله أن ينفعَ بها، وأن يجعل العملَ خالصًا لوجهه الكريم. وغالبُ هذه الفوائد من كتب أهل العلم، كما ستراها - إن شاء الله -، فليس لي إلا الجمعُ، والحمدُ لله الذي وفَّقني لذلك».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380512

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة