Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 24

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) (الإسراء) mp3
هَذِهِ اِسْتِعَارَة فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة بِهِمَا وَالتَّذَلُّل لَهُمَا تَذَلُّل الرَّعِيَّة لِلْأَمِيرِ وَالْعَبِيد لِلسَّادَةِ ; كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَضَرَبَ خَفْض الْجَنَاح وَنَصْبه مَثَلًا لِجَنَاحِ الطَّائِر حِين يَنْتَصِب بِجَنَاحِهِ لِوَلَدِهِ . وَالذُّلّ : هُوَ اللِّين . وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِضَمِّ الذَّال , مَنْ ذَلَّ يَذِلّ ذُلًّا وَذِلَّة وَمَذَلَّة فَهُوَ ذَالّ وَذَلِيل . وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن عَبَّاس وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر " الذِّلّ " بِكَسْرِ الذَّال , وَرُوِيَتْ عَنْ عَاصِم ; مِنْ قَوْلهمْ : دَابَّة ذَلُول بَيِّنَة الذِّلّ . وَالذِّلّ فِي الدَّوَابّ الْمُنْقَاد السَّهْل دُون الصَّعْب . فَيَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَة أَنْ يَجْعَل الْإِنْسَان نَفْسه مَعَ أَبَوَيْهِ فِي خَيْر ذِلَّة , فِي أَقْوَاله وَسَكَنَاته وَنَظَره , وَلَا يُحِدّ إِلَيْهِمَا بَصَره فَإِنَّ تِلْكَ هِيَ نَظْرَة الْغَاضِب .

الْخِطَاب فِي هَذِهِ الْآيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بِهِ أُمَّته ; إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَبَوَانِ . وَلَمْ يُذْكَر الذُّلّ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَاخْفِضْ جَنَاحك لِمَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " [ الشُّعَرَاء : 215 ] وَذَكَرَهُ هُنَا بِحَسَبِ عِظَم الْحَقّ وَتَأْكِيده . و " مِنْ " فِي قَوْله : " مِنْ الرَّحْمَة " لِبَيَانِ الْجِنْس , أَيْ إِنَّ هَذَا الْخَفْض يَكُون مِنْ الرَّحْمَة الْمُسْتَكِنَّة فِي النَّفْس , لَا بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ اِسْتِعْمَالًا . وَيَصِحّ أَنْ يَكُون لِانْتِهَاءِ الْغَايَة ,



أَمَرَ تَعَالَى عِبَاده بِالتَّرَحُّمِ عَلَى آبَائِهِمْ وَالدُّعَاء لَهُمْ , وَأَنْ تَرْحَمهُمَا كَمَا رَحِمَاك وَتَرْفُق بِهِمَا كَمَا رَفَقَا بِك ; إِذْ وَلِيَاك صَغِيرًا جَاهِلًا مُحْتَاجًا فَآثَرَاك عَلَى أَنْفُسهمَا , وَأَسْهَرَا لَيْلهمَا , وَجَاعَا وَأَشْبَعَاك , وَتَعَرَّيَا وَكَسَوَاك , فَلَا تَجْزِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَبْلُغَا مِنْ الْكِبَر الْحَدّ الَّذِي كُنْت فِيهِ مِنْ الصِّغَر , فَتَلِي مِنْهُمَا مَا وَلِيَا مِنْك , وَيَكُون لَهُمَا حِينَئِذٍ فَضْل التَّقَدُّم . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيه فَيُعْتِقهُ ) . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة [ مَرْيَم ] الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث . وَالْآيَة " وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا " نَزَلَتْ فِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَإِنَّهُ أَسْلَمَ , فَأَلْقَتْ أُمّه نَفْسهَا فِي الرَّمْضَاء مُتَجَرِّدَة , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِسَعْدٍ فَقَالَ : لِتَمُتْ , فَنَزَلَتْ الْآيَة


خَصَّ التَّرْبِيَة بِالذِّكْرِ لِيَتَذَكَّر الْعَبْد شَفَقَة الْأَبَوَيْنِ وَتَعَبهُمَا فِي التَّرْبِيَة , فَيَزِيدهُ ذَلِكَ إِشْفَاقًا لَهُمَا وَحَنَانًا عَلَيْهِمَا , وَهَذَا كُلّه فِي الْأَبَوَيْنِ الْمُؤْمِنَيْنِ . وَقَدْ نَهَى الْقُرْآن عَنْ الِاسْتِغْفَار لِلْمُشْرِكِينَ الْأَمْوَات وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى , كَمَا تَقَدَّمَ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة أَنَّ هَذَا كُلّه مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - إِلَى قَوْله - أَصْحَاب الْجَحِيم " [ التَّوْبَة : 113 ] فَإِذَا كَانَ وَالِدَا الْمُسْلِم ذِمِّيَّيْنِ اِسْتَعْمَلَ مَعَهُمَا مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ هَاهُنَا ; إِلَّا التَّرَحُّم لَهُمَا بَعْد مَوْتهمَا عَلَى الْكُفْر ; لِأَنَّ هَذَا وَحْده نُسِخَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة . وَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا مَوْضِع نَسْخ , فَهُوَ دُعَاء بِالرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّة لِلْأَبَوَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ مَا دَامَا حَيَّيْنِ , كَمَا تَقَدَّمَ . أَوْ يَكُون عُمُوم هَذِهِ الْآيَة خُصَّ بِتِلْكَ , لَا رَحْمَة الْآخِرَة , لَا سِيَّمَا وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْله : " وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا " نَزَلَتْ فِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَإِنَّهُ أَسْلَمَ , فَأَلْقَتْ أُمّه نَفْسهَا فِي الرَّمْضَاء مُتَجَرِّدَة , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِسَعْدٍ فَقَالَ : لِتَمُتْ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقِيلَ : الْآيَة خَاصَّة فِي الدُّعَاء لِلْأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ . وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ عُمُوم كَمَا ذَكَرْنَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَمْسَى مُرْضِيًا لِوَالِدَيْهِ وَأَصْبَحَ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنْ الْجَنَّة وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا . وَمَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّار وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا ) فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , وَإِنْ ظَلَمَاهُ ؟ قَالَ : ( وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ ) . وَقَدْ رُوِّينَا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أَبِي أَخَذَ مَالِي . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ : ( فَأْتِنِي بِأَبِيك ) فَنَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك إِذَا جَاءَك الشَّيْخ فَاسْأَلْهُ عَنْ شَيْء قَالَهُ فِي نَفْسه مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ ) فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَال اِبْنك يَشْكُوك أَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذ مَاله ) ؟ فَقَالَ : سَلْهُ يَا رَسُول اللَّه , هَلْ أُنْفِقهُ إِلَّا عَلَى إِحْدَى عَمَّاته أَوْ خَالَاته أَوْ عَلَى نَفْسِي ! فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيه , دَعْنَا مِنْ هَذَا أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْء قُلْته فِي نَفْسك مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاك ) ؟ فَقَالَ الشَّيْخ : وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه , مَا زَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَزِيدنَا بِك يَقِينًا , لَقَدْ قُلْت فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ . قَالَ : ( قُلْ وَأَنَا أَسْمَع ) قَالَ قُلْت : غَذَوْتُك مَوْلُودًا وَمُنْتُك يَافِعًا تَعِلّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْك وَتَنْهَل إِذَا لَيْلَة ضَافَتْك بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ لِسُقْمِك إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَل كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوق دُونك بِاَلَّذِي طُرِقْت بِهِ دُونِي فَعَيْنِي تَهْمُل تَخَاف الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْك وَإِنَّهَا لَتَعْلَم أَنَّ الْمَوْت وَقْت مُؤَجَّل فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنّ وَالْغَايَة الَّتِي إِلَيْهَا مَدَى مَا كُنْت فِيك أُؤَمِّل جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَة وَفَظَاظَة كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِم الْمُتَفَضِّل فَلَيْتَك إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقّ أُبُوَّتِي فَعَلْتَ كَمَا الْجَار الْمُصَاقِب يَفْعَل فَأَوْلَيْتنِي حَقّ الْجِوَار وَلَمْ تَكُنْ عَلَيَّ بِمَالٍ دُون مَالِك تَبْخَل قَالَ : فَحِينَئِذٍ أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَلَابِيب اِبْنه وَقَالَ : ( أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك ) . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : اللَّخْمِيّ لَا يَرْوِي - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيث - عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر بِهَذَا التَّمَام وَالشِّعْر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ; وَتَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْد اللَّه بْن خَلَصَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • عيون الأثر في المغازي والسير

    عيون الأثر في المغازي والسير: كتاب يحتوي على بيان غزوات وسرايا النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141384

    التحميل:

  • تنبيهات على أحكام تختص بالمؤمنات

    تنبيهات على أحكام تختص بالمؤمنات: يحتوي على بعض الأحكام التي ينبغي أن تحرص كل امرأة على معرفتها، مثل: أحكام تختص بالتزيين الجسمي للمرأة‏، والحيض والاستحاضة والنفاس‏، واللباس والحجاب‏، والصلاة والصيام‏، والحج والعمرة، مع بيان بعض الأحكام التي تختص بالزوجية وبإنهائها‏.‏

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57886

    التحميل:

  • من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية رضي الله عنه

    من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية رضي الله عنه : هذه الرسالة تحتوي على حديث عن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - مشتملٌ على ذكر بعض أقوال المنصفين فيه، وذكر بعض أقوال السلف في خطورة الطعن فيه - رضي الله عنه -، ومنها قول أبو توبة الحلبي: { إن معاوية بن أبي سفيان ستر لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن كشف الستر اجترأ على ما وراءه }.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/30585

    التحميل:

  • العصبية القبلية من المنظور الإسلامي

    العصبية القبلية : هذه الكتاب مقسم إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة: فبين - المؤلف - في المقدمة دعوة الإسلام إلى الاعتصام بحبل الله، والتوحد والاجتماع على الخير، وأن معيار العقيدة هو المعيار الأساس للعلاقة الإنسانية، وأوضح في الفصل الأول: مفهوم العصبية القبلية ومظاهرها في الجاهلية، وفي الفصل الثاني: بيان العصبية الجاهلية المعاصرة ومظاهرها، وفي الثالث: تناول فيه معالجة الإسلام للعصبيات، وبين بعدها المبادئ التي رسخها في نفوس المسلمين، وضمن الخاتمة مهمات النتائج التي توصل إليها، والتوصيات. - قدم لها: فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وفضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، والأديب عبد الله بن محمد بن خميس - حفظهم الله -.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166708

    التحميل:

  • تفسير ابن كثير [ تفسير القرآن العظيم ]

    تفسير ابن كثير: تحتوي هذه الصفحة على نسخة وورد، ومصورة pdf، والكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - والذي يعتبر من أفيد كتب التفسير بالرواية، حيث يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالأحاديث المشهورة في دواوين المحدثين بأسانيدها، ويتكلم على أسانيدها جرحاً وتعديلاً، فبين ما فيها من غرابة أو نكارة أو شذوذ غالباً، ثم يذكر آثار الصحابة والتابعين. قال السيوطي فيه: « لم يُؤلَّف على نمطه مثلُه ». • ونبشر الزوار الكرام بأنه قد تم ترجمة الكتاب وبعض مختصراته إلى عدة لغات عالمية وقد أضفنا بعضاً منها في موقعنا islamhouse.com

    المدقق/المراجع: جماعة من المراجعين

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net - دار طيبة للنشر والتوزيع - دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2458

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة