Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإسراء - الآية 15

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (15) (الإسراء) mp3
أَيْ إِنَّمَا كُلّ أَحَد يُحَاسَب عَنْ نَفْسه لَا عَنْ غَيْره ; فَمَنْ اِهْتَدَى فَثَوَاب اِهْتِدَائِهِ لَهُ , وَمَنْ ضَلَّ فَعِقَاب كُفْره عَلَيْهِ .



تَقَدَّمَ فِي [ الْأَنْعَام ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ لِأَهْلِ مَكَّة : اِتَّبِعُونِ وَاكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وَعَلَيَّ أَوْزَاركُمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ; أَيْ إِنَّ الْوَلِيد لَا يَحْمِل آثَامكُمْ وَإِنَّمَا إِثْم كُلّ وَاحِد عَلَيْهِ . يُقَال : وَزَرَ يَزِر وِزْرًا , وَوِزْرَة , أَيْ أَثِمَ . وَالْوِزْر : الثِّقَل الْمُثَقَّل وَالْجَمْع أَوْزَار ; وَمِنْهُ " يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ عَلَى ظُهُورهمْ " [ الْأَنْعَام : 31 ] أَيْ أَثْقَال ذُنُوبهمْ . وَقَدْ وَزَرَ إِذَا حَمَلَ فَهُوَ وَازِر ; وَمِنْهُ وَزِير السُّلْطَان الَّذِي يَحْمِل ثِقَل دَوْلَته . وَالْهَاء فِي قَوْله كِنَايَة عَنْ النَّفْس , أَيْ لَا تُؤْخَذ نَفْس آثِمَة بِإِثْمِ أُخْرَى , حَتَّى أَنَّ الْوَالِدَة تَلْقَى وَلَدهَا يَوْم الْقِيَامَة فَتَقُول : يَا بُنَيّ أَلَمْ يَكُنْ حِجْرِي لَك وِطَاء , أَلَمْ يَكُنْ ثَدْيِي لَك سِقَاء , أَلَمْ يَكُنْ بَطْنِي لَك وِعَاء , فَيَقُول : بَلَى يَا أُمَّهْ فَتَقُول : يَا بُنَيّ فَإِنَّ ذُنُوبِي أَثْقَلَتْنِي فَاحْمِلْ عَنِّي مِنْهَا ذَنْبًا وَاحِدًا فَيَقُول : إِلَيْك عَنِّي يَا أُمَّهْ فَإِنِّي بِذَنْبِي عَنْك الْيَوْم مَشْغُول .

مَسْأَلَة : نَزَعَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بِهَذِهِ الْآيَة فِي الرَّدّ عَلَى اِبْن عُمَر حَيْثُ قَالَ : إِنَّ الْمَيِّت لَيُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنَّمَا حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ تَسْمَعهُ , وَأَنَّهُ مُعَارِض لِلْآيَةِ . وَلَا وَجْه لِإِنْكَارِهَا , فَإِنَّ الرُّوَاة لِهَذَا الْمَعْنَى كَثِير , كَعُمَر وَابْنه وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَقَيْلَة بِنْت مَخْرَمَة , وَهُمْ جَازِمُونَ بِالرِّوَايَةِ ; فَلَا وَجْه لِتَخْطِئَتِهِمْ . وَلَا مُعَارَضَة بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث ; فَإِنَّ الْحَدِيث مَحْمَله عَلَى مَا إِذَا كَانَ النَّوْح مِنْ وَصِيَّة الْمَيِّت وَسُنَّته , كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ , حَتَّى قَالَ طَرَفَة : إِذَا مِتّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا بِنْت مَعْبَد وَقَالَ : إِلَى الْحَوْل ثُمَّ اِسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدْ اِعْتَذَرَ وَإِلَى هَذَا نَحَا الْبُخَارِيّ . وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم مِنْهُمْ دَاوُد إِلَى اِعْتِقَاد ظَاهِر الْحَدِيث , وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَذَّب بِنَوْحِهِمْ ; لِأَنَّهُ أَهْمَلَ نَهْيهمْ عَنْهُ قَبْل مَوْته وَتَأْدِيبهمْ بِذَلِكَ , فَيُعَذَّب بِتَفْرِيطِهِ فِي ذَلِكَ ; وَبِتَرْكِ مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ مِنْ قَوْله : " قُوا أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا " [ التَّحْرِيم : 6 ] لَا بِذَنْبِ غَيْره , وَاَللَّه أَعْلَم .


أَيْ لَمْ نَتْرُك الْخَلْق سُدًى , بَلْ أَرْسَلْنَا الرُّسُل . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَحْكَام لَا تَثْبُت إِلَّا بِالشَّرْعِ , خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْل يُقَبِّح وَيُحَسِّن وَيُبِيح وَيَحْظُر . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة الْقَوْل فِيهِ . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ هَذَا فِي حُكْم الدُّنْيَا ; أَيْ إِنَّ اللَّه لَا يُهْلِك أُمَّة بِعَذَابٍ إِلَّا بَعْد الرِّسَالَة إِلَيْهِمْ وَالْإِنْذَار . وَقَالَتْ فِرْقَة : هَذَا عَامّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا " [ الْمُلْك : 8 ] . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي يُعْطِيه النَّظَر أَنَّ بَعْثه آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِالتَّوْحِيدِ وَبَثّ الْمُعْتَقِدَات فِي بَنِيهِ مَعَ نَصْب الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَى الصَّانِع مَعَ سَلَامَة الْفِطَر تُوجِب عَلَى كُلّ أَحَد مِنْ الْعَالَم الْإِيمَان وَاتِّبَاع شَرِيعَة اللَّه , ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ فِي زَمَن نُوح عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد غَرَق الْكُفَّار . وَهَذِهِ الْآيَة أَيْضًا يُعْطِي اِحْتِمَال أَلْفَاظهَا نَحْو هَذَا فِي الَّذِينَ لَمْ تَصِلهُمْ رِسَالَة , وَهُمْ أَهْل الْفَتَرَات الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودهمْ بَعْض أَهْل الْعِلْم . وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَبْعَث إِلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة وَإِلَى الْمَجَانِين وَالْأَطْفَال فَحَدِيث لَمْ يَصِحّ , وَلَا يَقْتَضِي مَا تُعْطِيه الشَّرِيعَة مِنْ أَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ دَار تَكْلِيف . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَث يَوْم الْقِيَامَة رَسُولًا إِلَى أَهْل الْفَتْرَة وَالْأَبْكَم وَالْأَخْرَس وَالْأَصَمّ ; فَيُطِيعهُ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُرِيد أَنْ يُطِيعهُ فِي الدُّنْيَا , وَتَلَا الْآيَة ; رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , ذَكَرَهُ النَّحَّاس .

قُلْت : هَذَا مَوْقُوف , وَسَيَأْتِي مَرْفُوعًا فِي آخِر سُورَة [ طَه ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; وَلَا يَصِحّ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ قَوْم فِي أَنَّ أَهْل الْجَزَائِر إِذَا سَمِعُوا بِالْإِسْلَامِ وَآمَنُوا فَلَا تَكْلِيف عَلَيْهِمْ فِيمَا مَضَى ; وَهَذَا صَحِيح , وَمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ الدَّعْوَة فَهُوَ غَيْر مُسْتَحِقّ لِلْعَذَابِ مِنْ جِهَة الْعَقْل , وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وثلث لطعامك

    وثلث لطعامك: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعًا منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عونًا على طاعته. ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها. وهذا هو الجزء «الثامن عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «وثلثٌ لطعامك»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229618

    التحميل:

  • التعليقات المختصرة على متن الطحاوية

    التعليقات المختصرة على متن الطحاوية: تعليقات للشيخ الفوزان على العقيدة الطحاوية حتى يتبين مخالفاتُ بعض الشّراح لها من المتقدمين والمتأخرين، وعدمِ موافقتهم للطحاوي - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1906

    التحميل:

  • خطبة عرفة لعام 1427 هجريًّا

    خطبة ألقاها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله - ، في مسجد نمرة يوم 29/ديسمبر/ 2006 م الموافق 9 من ذي الحجة عام 1427 هـ، قام بتفريغ الخطبة الأخ سالم الجزائري - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2386

    التحميل:

  • البدهيات في القرآن الكريم: دراسة نظرية

    البدهيات في القرآن الكريم: دراسة نظرية: قال المصنف - حفظه الله -: «في القرآن آيات قريبة المعنى ظاهرة الدلالة؛ بل إن وضوح معناها وظهوره كان لدرجة أن لا يخفى على أحد؛ بل إن المتأمِّل ليقفُ متسائلاً عن الحكمة في ذكرها على هذه الدرجة من الوضوح، وآيات أخرى من هذا النوع تذكر قضيةً لا يختلف فيها اثنان؛ بل هي أمرٌ بدَهيٌّ يُدركه الإنسانُ من فوره ... وقد اجتمع لديَّ مجموعة من هذا النوع من الآيات التي رأيت أن دلالتها على المقصود أمرٌ بدهي، فنظرتُ فيها وفي كلام أهل التفسير والبلاغة عنها، وحاولتُ تحديد أنواعها، وأقسامها، وضرب الأمثلة لكل نوعٍ منها وذكر أقوال المفسرين في بيان الحكمة فيها ووجه بلاغتها، وهي على كلٍّ خطوة في طريق طويل وجديد».

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364117

    التحميل:

  • فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة

    فضل أهل البيت: مَن هم أهل البيت؟، مُجمل عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أهل البيت، فضائل أهل البيت في القرآن الكريم، فضائل أهل البيت في السنَّة المطهَّرة، علوُّ مكانة أهل البيت عند الصحابة وتابعيهم بإحسان، مقارنة بين عقيدة أهل السُّنَّة وعقيدة غيرهم في أهل البيت، تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2125

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة