Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 91

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) (النحل) mp3
لَفْظ عَامّ لِجَمِيعِ مَا يُعْقَد بِاللِّسَانِ وَيَلْتَزِمهُ الْإِنْسَان بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهَا : اِفْعَلُوا كَذَا , وَانْتَهُوا عَنْ كَذَا ; فَعَطَفَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِير . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَيْعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَام . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي اِلْتِزَام الْحِلْف الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَجَاءَ الْإِسْلَام بِالْوَفَاءِ ; قَالَهُ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَابْن زَيْد . وَالْعُمُوم يَتَنَاوَل كُلّ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ . رَوَى الصَّحِيح عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام وَأَيّمَا حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة ) يَعْنِي فِي نُصْرَة الْحَقّ وَالْقِيَام بِهِ وَالْمُوَاسَاة . وَهَذَا كَنَحْوِ حِلْف الْفُضُول الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : اِجْتَمَعَتْ قَبَائِل مِنْ قُرَيْش فِي دَار عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان لِشَرَفِهِ وَنَسَبه , فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَلَّا يَجِدُوا بِمَكَّة مَظْلُومًا مِنْ أَهْلهَا أَوْ غَيْرهمْ إِلَّا قَامُوا مَعَهُ حَتَّى تُرَدّ عَلَيْهِ مَظْلِمَته ; فَسَمَّتْ قُرَيْش ذَلِكَ الْحِلْف حِلْف الْفُضُول , أَيْ حِلْف الْفَضَائِل . وَالْفُضُول هُنَا جَمْع فَضْل لِلْكَثْرَةِ كَفَلْسٍ وَفُلُوس . رَوَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ شَهِدْت فِي دَار عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْر النَّعَم لَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت ) . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : تَحَامَلَ الْوَلِيد بْن عُتْبَة عَلَى حُسَيْن بْن عَلِيّ فِي مَال لَهُ , لِسُلْطَانِ الْوَلِيد فَإِنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَة ; فَقَالَ لَهُ حُسَيْن بْن عَلِيّ : اِحْلِفْ بِاَللَّهِ لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَن فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَأَدْعُوَن بِحِلْفِ الْفُضُول . قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : وَأَنَا أَحْلِف وَاَللَّه لَئِنْ دَعَانَا لَآخُذَنَّ سَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَن مَعَهُ حَتَّى يَنْتَصِف مِنْ حَقّه أَوْ نَمُوت جَمِيعًا . وَبَلَغَتْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ . وَبَلَغَتْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه التَّيْمِيّ فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيد أَنْصَفَهُ . قَالَ الْعُلَمَاء : فَهَذَا الْحِلْف الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة هُوَ الَّذِي شَدَّهُ الْإِسْلَام وَخَصَّهُ النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مِنْ عُمُوم قَوْله : ( لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام ) . وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْع جَاءَ بِالِانْتِصَارِ مِنْ الظَّالِم وَأَخْذ الْحَقّ مِنْهُ وَإِيصَاله إِلَى الْمَظْلُوم , وَأَوْجَبَ ذَلِكَ بِأَصْلِ الشَّرِيعَة إِيجَابًا عَامًّا عَلَى مَنْ قَدَرَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ , وَجَعَلَ لَهُمْ السَّبِيل عَلَى الظَّالِمِينَ فَقَالَ تَعَالَى : " إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاس وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم " [ الشُّورَى : 42 ] . وَفِي الصَّحِيح : ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , هَذَا نَنْصُرهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ : ( تَأْخُذ عَلَى يَدَيْهِ : فِي رِوَايَة : تَمْنَعهُ مِنْ الظُّلْم فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْره ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الظَّالِم وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْ عِنْده ) .



يَقُول بَعْد تَشْدِيدهَا وَتَغْلِيظهَا ; يُقَال : تَوْكِيد وَتَأْكِيد , وَوَكَّدَ وَأَكَّدَ , وَهُمَا لُغَتَانِ . وَإِنَّمَا قَالَ " بَعْد تَوْكِيدهَا " فَرْقًا بَيْن الْيَمِين الْمُؤَكَّدَة بِالْعَزْمِ وَبَيْن لَغْو الْيَمِين وَقَالَ اِبْن وَهْب وَابْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك التَّوْكِيد هُوَ حَلِف الْإِنْسَان فِي الشَّيْء الْوَاحِد مِرَارًا , يُرَدِّد فِيهِ الْأَيْمَان ثَلَاثًا أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ; كَقَوْلِهِ : وَاَللَّه لَا أَنْقُصهُ مِنْ كَذَا , وَاَللَّه لَا أَنْقُصهُ مِنْ كَذَا , وَاَللَّه لَا أَنْقُصهُ مِنْ كَذَا . قَالَ : فَكَفَّارَة ذَلِكَ وَاحِدَة مِثْل كَفَّارَة الْيَمِين . وَقَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد : هِيَ الْعُهُود , وَالْعَهْد يَمِين , وَلَكِنَّ الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْعَهْد لَا يُكَفَّر . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُنْصَب لِكُلِّ غَادِر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة عِنْد اِسْته بِقَدْرِ غَدَرْته يُقَال هَذِهِ غَدْرَة فُلَان ) . وَأَمَّا الْيَمِين بِاَللَّهِ فَقَدْ شَرَعَ اللَّه سُبْحَانه فِيهَا الْكَفَّارَة بِخَصْلَةٍ وَاحِدَة , وَحَلَّ مَا اِنْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِين . وَقَالَ اِبْن عُمَر : التَّوْكِيد هُوَ أَنْ يَحْلِف مَرَّتَيْنِ , فَإِنْ حَلَفَ وَاحِدَة فَلَا كَفَّارَة فِيهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَة


يَعْنِي شَهِيدًا . وَيُقَال حَافِظًا , وَيُقَال ضَامِنًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}

    دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}: هذه الدراسة في تدبر هذه الآية الكريمة وسبر فقه معانيها، وهي في أربعة مباحث: المبحث الأول: علاقة الآية بسياقها. المبحث الثاني: معاني ألفاظ الآية. المبحث الثالث: دلالات التراكيب في الآية. المبحث الرابع: معنى الآية والأقوال فيه.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332499

    التحميل:

  • نظرات في القصص والروايات

    لقد صارت الرواية الملحدة والماجنة طريقاً للشهرة الرخيصة; وساعد على ذلك الضجة التي يقيمها الناس حول بعض هذه الروايات; فلا تكن أخي (القارئ) ممن يدعم هؤلاء الكتاب بإظهار أسمائهم; وعناوين رواياتهم . وقد حاولنا في هذا الكتيب إخفاء أسمائهم; وأسماء رواياتهم قدر الإمكان; أما الروايات التي اشتهرت وانتشرت; وصارت حديث الركبان; فلم نجد ضرراً من وراء ذكرها; لبيان خطرها على الدين والخلق. والله المستعان.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339982

    التحميل:

  • الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والعناد

    الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والعناد: تقريب لبعض المعلومات في العقيدة، وفيها ربط لواقع الناس اليوم وممارساتهم بتلك المعلومات، حتى يتضح حكمها ويتبين خطأ أصحاب تلك الممارسات لعلهم يرجعون، ونصيحة لغيرهم لعلهم يحذرون‏.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2069

    التحميل:

  • زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور

    زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور : سئل أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره، يطلب إزالة المرض الذي بهم، ويقول: يا سيدي! أنا في جيرتك، أنا في حسبك، فلان ظلمني، فلان قصد أذيتي، ويقول: إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى. وفيمن ينذر للمساجد، والزوايا والمشايخ - حيهم وميتهم - بالدراهم والإبل والغنم والشمع والزيت وغير ذلك، يقول: إن سلم ولدي فللشيخ علي كذا وكذا، وأمثال ذلك. وفيمن يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذاك الواقع؟ وفيمن يجيء إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه، ويمسح القبر بيديه، ويمسح بهما وجهه، وأمثال ذلك؟ وفيمن يقصده بحاجته، ويقول: يا فلان! ببركتك، أو يقول: قضيت حاجتي ببركة الله وبركة الشيخ؟ وفيمن يعمل السماع ويجيء إلى القبر فيكشف ويحط وجهه بين يدي شيخه على الأرض ساجدا. وفيمن قال: إن ثم قطبا غوثا جامعا في الوجود؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا القول في ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/104618

    التحميل:

  • البلاغة الواضحة: البيان والمعاني والبديع

    البلاغة الواضحة: البيان والمعاني والبديع: قال المؤلفان: «فهذا كتابٌ وضعناه في البلاغة، واتجهنا فيه كثيرًا إلى الأدب، رجاءَ أن يجتلِي الطلابُ فيه محاسنَ العربية، ويلمَحوا ما في أساليبها من جلال وجمال، ويدرُسُوا من أفانين القول وضروب التعبير، ما يهَبُ لهم نعمةَ الذوق السليم، ويُربِّي فيهم ملكَة النقد الصحيح». وحول الدليل قالا: «فقد رأينا الحاجةَ دافعةً إلى خِدمة كتابنا «البلاغة الواضحة» بالإجابة عن تمريناته؛ لأن ما فيه من نصوص الأدب الكثيرة وما في مسائله وتطبيقاته من الجِدَّة والابتكار، قد يُلجِئ الطالبَ في أول عهده بالبلاغة وبهذا الأسلوب الطريف منها إلى الاستعانة بمن يأخذ بده ويَهديه الطريقَ السويَّ في التفكير».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371025

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة