Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 75

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) (النحل) mp3
نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى ضَلَالَة الْمُشْرِكِينَ , وَهُوَ مُنْتَظِم بِمَا قَبْله مِنْ ذِكْر نِعَم اللَّه عَلَيْهِمْ وَعَدَم مِثْل ذَلِكَ مِنْ آلِهَتهمْ . " ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا " أَيْ بَيَّنَ شَبَهًا ; ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ : " عَبْدًا مَمْلُوكًا " أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي عِنْدكُمْ عَبْد مَمْلُوك لَا يَقْدِر مِنْ أَمْره عَلَى شَيْء وَرَجُل حُرّ قَدْ رُزِقَ رِزْقًا حَسَنًا فَكَذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ الْأَصْنَام . فَاَلَّذِي هُوَ مِثَال فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ عَبْد بِهَذِهِ الصِّفَة مَمْلُوك لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء مِنْ الْمَال وَلَا مِنْ أَمْر نَفْسه , وَإِنَّمَا هُوَ مُسَخَّر بِإِرَادَةِ سَيِّده . وَلَا يَلْزَم مِنْ الْآيَة أَنَّ الْعَبِيد كُلّهمْ بِهَذِهِ الصِّفَة ; فَإِنَّ النَّكِرَة فِي الْإِثْبَات لَا تَقْتَضِي الشُّمُول عِنْد أَهْل اللِّسَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا تُفِيد وَاحِدًا , فَإِذَا كَانَتْ بَعْد أَمْر أَوْ نَهْي أَوْ مُضَافَة إِلَى مَصْدَر كَانَتْ لِلْعُمُومِ الشُّيُوعِيّ ; كَقَوْلِهِ : أَعْتِقْ رَجُلًا وَلَا تُهِنْ رَجُلًا , وَالْمَصْدَر كَإِعْتَاقِ رَقَبَة , فَأَيّ رَجُل أَعْتَقَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَة الْخِطَاب , وَيَصِحّ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاء . وَقَالَ قَتَادَة : هَذَا الْمَثَل لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر ; فَذَهَبَ قَتَادَة إِلَى أَنَّ الْعَبْد الْمَمْلُوك هُوَ الْكَافِر ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِع فِي الْآخِرَة بِشَيْءٍ مِنْ عِبَادَته , وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى " وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا " الْمُؤْمِن . وَالْأَوَّل عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . قَالَ الْأَصَمّ : الْمُرَاد بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوك الَّذِي رُبَّمَا يَكُون أَشَدّ مِنْ مَوْلَاهُ أَسْرًا وَأَنْضَر وَجْهًا , وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ذَلِيل لَا يَقْدِر إِلَّا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ضَرْبًا لِلْمِثَالِ . أَيْ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنكُمْ وَشَأْن عَبِيدكُمْ فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ أَحْجَارًا مَوَاتًا شُرَكَاء لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقه وَعِبَادَته , وَهِيَ لَا تَعْقِل وَلَا تَسْمَع .

فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْآيَة وَمِمَّا قَبْلهَا نُقْصَان رُتْبَة الْعَبْد عَنْ الْحُرّ فِي الْمِلْك , وَأَنَّهُ لَا يَمْلِك شَيْئًا وَإِنْ مُلِّكَ . قَالَ أَهْل الْعِرَاق : الرِّقّ يُنَافِي الْمِلْك , فَلَا يَمْلِك شَيْئًا أَلْبَتَّةَ بِحَالٍ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَمْلِك إِلَّا أَنَّهُ نَاقِص الْمِلْك , لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعهُ مِنْهُ أَيّ وَقْت شَاءَ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَمَنْ اِتَّبَعَهُ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . وَهُوَ قَوْل أَهْل الظَّاهِر ; وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا : لَا تَجِب عَلَيْهِ عِبَادَة الْأَمْوَال مِنْ زَكَاة وَكَفَّارَات , وَلَا مِنْ عِبَادَات الْأَبْدَان مَا يَقْطَعهُ عَنْ خِدْمَة سَيِّده كَالْحَجِّ وَالْجِهَاد وَغَيْر ذَلِكَ . وَفَائِدَة هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ سَيِّده لَوْ مَلَّكَهُ جَارِيَة جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا بِمِلْكِ الْيَمِين , وَلَوْ مَلَّكَهُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَم فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْل لَمْ تَجِب عَلَى السَّيِّد زَكَاتهَا لِأَنَّهَا مِلْك غَيْره , وَلَا عَلَى الْعَبْد لِأَنَّ مِلْكه غَيْر مُسْتَقِرّ . وَالْعِرَاقِيّ يَقُول : لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَطَأ الْجَارِيَة , وَالزَّكَاة فِي النِّصَاب وَاجِبَة عَلَى السَّيِّد كَمَا كَانَتْ . وَدَلَائِل هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كُتُب الْخِلَاف . وَأَدَلّ دَلِيل لَنَا قَوْله تَعَالَى : " اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ " [ الرُّوم : 40 ] فَسَوَّى بَيْن الْعَبْد وَالْحُرّ فِي الرِّزْق وَالْخَلْق . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَال . .. ) فَأَضَافَ الْمَال إِلَيْهِ . وَكَانَ اِبْن عُمَر يَرَى عَبْده يَتَسَرَّى فِي مَاله فَلَا يَعِيب عَلَيْهِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته طَلْقَتَيْنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْتَجِعهَا بِمِلْكِ الْيَمِين ; فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَمْلِك مَا بِيَدِهِ وَيَفْعَل فِيهِ مَا يَفْعَل الْمَالِك فِي مِلْكه مَا لَمْ يَنْتَزِعهُ سَيِّده . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ طَلَاق الْعَبْد بِيَدِ سَيِّده , وَعَلَى أَنَّ بَيْع الْأَمَة طَلَاقهَا ; مُعَوِّلًا عَلَى قَوْله تَعَالَى : " لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء " . قَالَ : فَظَاهِره يُفِيد أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء أَصْلًا , لَا عَلَى الْمِلْك وَلَا عَلَى غَيْره فَهُوَ عَلَى عُمُومه , إِلَّا أَنْ يَدُلّ دَلِيل عَلَى خِلَافه . وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس مَا يَدُلّ عَلَى التَّخْصِيص . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .

قَالَ أَبُو مَنْصُور فِي عَقِيدَته : الرِّزْق مَا وَقَعَ الِاغْتِذَاء بِهِ . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ هَذَا التَّخْصِيص ; وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " [ الْبَقَرَة : 3 ] . و " أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ " [ الْبَقَرَة : 254 ] وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جُعِلَ رِزْقِي تَحْت ظِلّ رُمْحِي ) وَقَوْله : ( أَرْزَاق أُمَّتِي فِي سَنَابِك خَيْلهَا وَأَسِنَّة رِمَاحهَا ) . فَالْغَنِيمَة كُلّهَا رِزْق , وَكُلّ مَا صَحَّ بِهِ الِانْتِفَاع فَهُوَ رِزْق , وَهُوَ مَرَاتِب : أَعْلَاهَا مَا يُغَذِّي . وَقَدْ حَصَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوه الِانْتِفَاع فِي قَوْله : ( يَقُول اِبْن آدَم مَالِي مَالِي وَهَلْ لَك مِنْ مَالِك إِلَّا مَا أَكَلْت فَأَفْنَيْت أَوْ لَبِسْت فَأَبْلَيْت أَوْ تَصَدَّقْت فَأَمْضَيْت ) . وَفِي مَعْنَى اللِّبَاس يَدْخُل الرُّكُوب وَغَيْر ذَلِكَ . وَفِي أَلْسِنَة الْمُحَدِّثِينَ : السَّمَاع رِزْق , يَعْنُونَ سَمَاع الْحَدِيث , وَهُوَ صَحِيح .


هُوَ الْمُؤْمِن , يُطِيع اللَّه فِي نَفْسه وَمَاله . وَالْكَافِر مَا لَمْ يُنْفِق فِي الطَّاعَة صَارَ كَالْعَبْدِ الَّذِي لَا يَمْلِك شَيْئًا .


أَيْ لَا يَسْتَوُونَ , وَلَمْ يَقُلْ يَسْتَوِيَانِ لِمَكَانِ " مَنْ " لِأَنَّهُ اِسْم مُبْهَم يَصْلُح لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث . وَقِيلَ : " إِنَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا " , " وَمَنْ رَزَقْنَاهُ " أُرِيدَ بِهِمَا الشُّيُوع فِي الْجِنْس .



أَيْ هُوَ مُسْتَحِقّ لِلْحَمْدِ دُون مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونه ; إِذْ لَا نِعْمَة لِلْأَصْنَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ يَد وَلَا مَعْرُوف فَتُحْمَد عَلَيْهِ , إِنَّمَا الْحَمْد الْكَامِل لِلَّهِ ; لِأَنَّهُ الْمُنْعِم الْخَالِق .


أَيْ أَكْثَر الْمُشْرِكِينَ .



أَنَّ الْحَمْد لِي , وَجَمِيع النِّعْمَة مِنِّي . وَذَكَرَ الْأَكْثَر وَهُوَ يُرِيد الْجَمِيع , فَهُوَ خَاصّ أُرِيدَ بِهِ التَّعْمِيم . وَقِيلَ : أَيْ بَلْ أَكْثَر الْخَلْق لَا يَعْلَمُونَ , وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرهمْ الْمُشْرِكُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • على قمم الجبال

    على قمم الجبال: فهذه رحلة مع أقوام من الصالحين .. الذين تنافسوا في الطاعات .. وتسابقوا إلى الخيرات .. نعم .. مع الذين سارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنات .. هذه أخبار أقوام .. لم يتهيبوا صعود الجبال .. بل نزعوا عن أعناقهم الأغلال .. واشتاقوا إلى الكريم المتعال .. هم نساء ورجال .. علو إلى قمم الجبال .. ما حجبتهم عن ربهم لذة .. ولا اشتغلوا عن دينهم بشهوة .. فأحبهم ربهم وأدناهم .. وأعلى مكانهم وأعطاهم.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336208

    التحميل:

  • صور من حياة الصحابة

    صور من حياة الصحابة : هذا الكتاب يعرض صوراً من حياة مجموعة من نجوم الهداية التى نشأت فى أحضان المدرسة المحمدية بأسلوب جمع بين البلاغة الأدبية والحقيقة التاريخية .. فيجد طالب الأسلوب الإنشائي فى هذا الكتاب بغيته، وناشد الفن القصصي طلبته، والساعي إلى التأسي بالكرام ما يرضيه ويغنيه، والباحث عن الحقيقه التاريخية ما يفي بغرضه. ملحوظة: تم نشر هذا الكتاب بعدة لغات عالمية، وذلك حصرياً عبر مجموعة مواقع islamhouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228870

    التحميل:

  • إلى الزوجين

    إلى الزوجين: يُوجِّه المؤلف في هذه الرسالة النصائح المتنوعة للزوجة لتؤلِّف قلب زوجها، وتنال رضاه، ومن ثَمَّ رضى ربها - سبحانه وتعالى -، ثم وجَّه نصائح أخرى مهمة للزوج ليكتمل بناء الأسرة، ويسعد الزوجان في حياتهما في ظل طاعة الله - عز وجل -، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقسَّمها إلى فصولٍ مُنوَّعة، بأسلوبٍ نثريٍّ مُشوِّق جذَّاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287909

    التحميل:

  • محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه

    محبة النبي وتعظيمه : تأتي هذه الرسالة مشتملة على مبحثين لطيفين، لإرشاد المحب الصادق لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى حقيقة المحبة ومعناها الكبير، ولبيان ما يجلبها، ويصححها، وينقيها، وينميها، ويثبتها، بالإضافة إلى إشارات مما يشوش على تلك المحبة، ويخدشها ويضعفها، وربما يسقطها ويجعلها دعاوى عارية من الدليل، خالية من البرهان.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168873

    التحميل:

  • الولاء والبراء في الإسلام

    الولاء والبراء في الإسلام: من أصولِ العقيدةِ الإسلاميةِ أنَّه يَجبُ على كلِ مسلمٍ يَدينُ بهذه العقيدةِ أنْ يوالىَ أهلهَا ويعادىَ أعداءَها فيحبُ أهلَ التوحيدِ والإخلاصِ ويواليهِم، ويُبغِضُ أهلَ الإشراكِ ويعاديهِم، وذلك من ملةِ إبراهيمَ والذين معه،الذين أُمِرْنَا بالاقتداءِ بهم، وفي هذا الكتاب بيان لبعض مظاهرِ مولاةِ الكفارِ، ثم ذكر بعض مظاهر موالاة المؤمنين، ثم بيان أقسامُ الناسِ فيما يجبُ في حقِهمْ منْ الولاءِ والبراءِ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2070

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة