Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 7

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (7) (النحل) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ " الْأَثْقَال أَثْقَال النَّاس مِنْ مَتَاع وَطَعَام وَغَيْره , وَهُوَ مَا يُثْقِل الْإِنْسَان حَمْله . وَقِيلَ : الْمُرَاد أَبْدَانهمْ ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَخْرَجَتْ الْأَرْض أَثْقَالهَا " [ الزَّلْزَلَة : 2 ] . وَالْبَلَد مَكَّة , فِي قَوْل عِكْرِمَة . وَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْعُمُوم فِي كُلّ بَلَد مَسْلَكه عَلَى الظَّهْر . وَشِقّ الْأَنْفُس : مَشَقَّتهَا وَغَايَة جَهْدهَا . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِكَسْرِ الشِّين . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالشِّقّ الْمَشَقَّة ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس " وَهَذَا قَدْ يُفْتَح , حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَة . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَكَسْر الشِّين وَفَتْحهَا فِي " شِقّ " مُتَقَارِبَانِ , وَهُمَا بِمَعْنَى الْمَشَقَّة , وَهُوَ مِنْ الشِّقّ فِي الْعَصَا وَنَحْوهَا ; لِأَنَّهُ يَنَال مِنْهَا كَالْمَشَقَّةِ مِنْ الْإِنْسَان . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس " وَهُمَا لُغَتَانِ , مِثْل رِقّ وَرَقّ وَجِصّ وَجَصّ وَرِطْل وَرَطْل . وَيُنْشَد قَوْل الشَّاعِر بِكَسْرِ الشِّين وَفَتْحهَا : وَذِي إِبِل يَسْعَى وَيَحْسِبهَا لَهُ أَخِي نَصَب مِنْ شِقّهَا وَدُؤُوب وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَصْدَر , مِنْ شَقَقْت عَلَيْهِ أَشُقّ شَقًّا . وَالشِّقّ أَيْضًا بِالْكَسْرِ النِّصْف , يُقَال : أَخَذْت شِقّ الشَّاة وَشِقَّة الشَّاة . وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ الْآيَة هَذَا الْمَعْنَى ; أَيْ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِنَقْصٍ مِنْ الْقُوَّة وَذَهَاب شِقّ مِنْهَا , أَيْ لَمْ تَكُونُوا تَبْلُغُوهُ إِلَّا بِنِصْفِ قُوَى أَنْفُسكُمْ وَذَهَاب النِّصْف الْآخَر . وَالشِّقّ أَيْضًا النَّاحِيَة مِنْ الْجَبَل . وَفِي حَدِيث أُمّ زَرْع : وَجَدَنِي فِي أَهْل غُنَيْمَة بِشِقٍّ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ اِسْم مَوْضِع . وَالشِّقّ أَيْضًا : الشَّقِيق , يُقَال : هُوَ أَخِي وَشِقّ نَفْسِي . وَشِقّ اِسْم كَاهِن مِنْ كُهَّان الْعَرَب . وَالشِّقّ أَيْضًا : الْجَانِب ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : إِذَا مَا بَكَى مَنْ خَلْفهَا اِنْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَتَحْتِي شِقّهَا لَمْ يُحَوَّل فَهُوَ مُشْتَرَك .

الثَّانِيَة مَنَّ اللَّه سُبْحَانه بِالْأَنْعَامِ عُمُومًا , وَخَصَّ الْإِبِل هُنَا بِالذِّكْرِ فِي حَمْل الْأَثْقَال عَلَى سَائِر الْأَنْعَام ; فَإِنَّ الْغَنَم لِلسَّرْحِ وَالذَّبْح , وَالْبَقَر لِلْحَرْثِ , وَالْإِبِل لِلْحَمْلِ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْنَمَا رَجُل يَسُوق بَقَرَة لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَة فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَق لِهَذَا وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاس سُبْحَان اللَّه تَعَجُّبًا وَفَزَعًا أَبَقَرَة تَكَلَّم ) ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي أُومِن بِهِ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ) . فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْبَقَر لَا يُحْمَل عَلَيْهَا وَلَا تُرْكَب , وَإِنَّمَا هِيَ لِلْحَرْثِ وَلِلْأَكْلِ وَالنَّسْل وَالرِّسْل .

الثَّالِثَة فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز السَّفَر بِالدَّوَابِّ وَحَمْل الْأَثْقَال عَلَيْهَا . وَلَكِنْ عَلَى قَدْر مَا تَحْتَمِلهُ مِنْ غَيْر إِسْرَاف فِي الْحَمْل مَعَ الرِّفْق فِي السَّيْر . وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّفْقِ بِهَا وَالْإِرَاحَة لَهَا وَمُرَاعَاة التَّفَقُّد لِعَلَفِهَا وَسَقْيهَا . وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْب فَأَعْطُوا الْإِبِل حَظّهَا مِنْ الْأَرْض وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَة فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا ) رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي عُبَيْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان . وَرَوَى مُعَاوِيَة بْن قُرَّة قَالَ : كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاء جَمَل يُقَال لَهُ دمون , فَكَانَ يَقُول : يَا دمون , لَا تُخَاصِمنِي عِنْد رَبّك . فَالدَّوَابّ عُجْم لَا تَقْدِر أَنْ تَحْتَال لِنَفْسِهَا مَا تَحْتَاج إِلَيْهِ , وَلَا تَقْدِر أَنْ تُفْصِح بِحَوَائِجِهَا , فَمَنْ اِرْتَفَقَ بِمَرَافِقِهَا ثُمَّ ضَيَّعَهَا مِنْ حَوَائِجهَا فَقَدْ ضَيَّعَ الشُّكْر وَتَعَرَّضَ لِلْخُصُومَةِ بَيْن يَدَيْ اللَّه تَعَالَى . وَرَوَى مَطَر بْن مُحَمَّد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن خَالِد قَالَ حَدَّثَنَا الْمُسَيِّب بْن آدَم قَالَ . رَأَيْت عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ضَرَبَ جَمَّالًا وَقَالَ : تَحْمِل عَلَى بَعِيرك مَا لَا يُطِيق .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ضحايا الحب

    ضحايا الحب: يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهم وجهل؛ بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، ولكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة. وقصدتُ من هذه الرسالة الوقف مع القارئ على جوانب مشرقة، وأطلال موحشة في مسيرة الحب الطويلة، التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكر لضحايا الحب وقتلاه، وستعرف المقصود مما أردت إذا قرأت، وتعلم ما نويت إذا طالعت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324352

    التحميل:

  • هل يكذب التاريخ؟

    هل يكذب التاريخ؟: في هذا الكتاب تحدث المؤلف عن تحرير المرأة من المنظور العلماني والغربي، وبين أنهم يريدون تحريرها من عبودية الله - سبحانه وتعالى - إلى عبودية الهوى والمادية، ويحرموها من الاقتداء بعظيمات التاريخ: مابين خديجة وعائشة - رضي الله عنهم - إلى الاقتداء بنساء تافهات يتلاطمهن الضياع والتيه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385837

    التحميل:

  • من بُشر بالجنة من غير العشرة

    من بُشر بالجنة من غير العشرة: في هذا الكتاب ذكر كل من بُشِّر بالجنة غير العشرة المشهورين في بشارة خاصة في حديثٍ صحيحٍ أو حسنٍ.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339660

    التحميل:

  • شرح المنظومة الحائية في عقيدة أهل السنة والجماعة

    المنظومة الحائية : هي قصيدة في العقيدة وأصول الدين، نظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -. وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه. وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود - رحمة الله - فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح. والمنظومة تحتوي على بضع وثلاثين أو أربعين بيتاً، ينتهي كل بيت منها بحرف الحاء. - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في النونية: وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ..... حقا أبي داود ذي العرفان تصنيفه نظماً ونثراً واضح ..... في السنة المثلى هما نجمان

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233543

    التحميل:

  • رمضانيات من الكتاب والسنة

    رمضانيات من الكتاب والسنة : يحتوي هذا الكتاب على عدة موضوعات منها: - استقبال المسلمين لشهر رمضان. - منهج الإسلام في تشريع الصيام. - قيام رمضان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231265

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة