Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 69

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) (النحل) mp3
وَذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا تَأْكُل النُّوَّار مِنْ الْأَشْجَار .



أَيْ طُرُق رَبّك . وَالسُّبُل : الطُّرُق , وَأَضَافَهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالِقهَا . أَيْ اُدْخُلِي طُرُق رَبّك لِطَلَبِ الرِّزْق فِي الْجِبَال وَخِلَال الشَّجَر .



جَمْع ذَلُول وَهُوَ الْمُنْقَاد ; أَيْ مُطِيعَة مُسَخَّرَة . ف " ذُلُلًا " حَال مِنْ النَّحْل . أَيْ تَنْقَاد وَتَذْهَب حَيْثُ شَاءَ صَاحِبهَا ; لِأَنَّهَا تَتْبَع أَصْحَابهَا حَيْثُ ذَهَبُوا ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " ذُلُلًا " السُّبُل . يَقُول : مُذَلَّل طُرُقهَا سَهْلَة لِلسُّلُوكِ عَلَيْهَا ; وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ , و " ذُلُلًا " حَال مِنْ السُّبُل . وَالْيَعْسُوب سَيِّد النَّحْل , إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ وَإِذَا سَارَ سَارَتْ .


رَجَعَ الْخِطَاب إِلَى الْخَبَر عَلَى جِهَة تَعْدِيد النِّعْمَة وَالتَّنْبِيه عَلَى الْعِبْرَة فَقَالَ : " يَخْرُج مِنْ بُطُونهَا شَرَاب " يَعْنِي الْعَسَل . وَجُمْهُور النَّاس عَلَى أَنَّ الْعَسَل يَخْرُج مِنْ أَفْوَاه النَّحْل ; وَوَرَدَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَحْقِيره لِلدُّنْيَا : أَشْرَف لِبَاس اِبْن آدَم فِيهَا لُعَاب دُودَة , وَأَشْرَف شَرَابه رَجِيع نَحْلَة . فَظَاهِر هَذَا أَنَّهُ مِنْ غَيْر الْفَم . وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَخْرُج وَلَا يُدْرَى مِنْ فِيهَا أَوْ أَسْفَلهَا , وَلَكِنْ لَا يَتِمّ صَلَاحه إِلَّا بِحَمْيِ أَنْفَاسهَا . وَقَدْ صَنَعَ أرسطاطاليس بَيْتًا مِنْ زُجَاج لِيَنْظُر إِلَى كَيْفِيَّة مَا تَصْنَع , فَأَبَتْ أَنْ تَعْمَل حَتَّى لَطَّخَتْ بَاطِن الزَّجَّاج بِالطِّينِ ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . وَقَالَ : " مِنْ بُطُونهَا " لِأَنَّ اِسْتِحَالَة الْأَطْعِمَة لَا تَكُون إِلَّا فِي الْبَطْن .



يُرِيد أَنْوَاعه مِنْ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض وَالْأَصْفَر وَالْجَامِد وَالسَّائِل , وَالْأُمّ وَاحِدَة وَالْأَوْلَاد مُخْتَلِفُونَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقُدْرَة نَوَّعَتْهُ بِحَسَبِ تَنْوِيع الْغِذَاء , كَمَا يَخْتَلِف طَعْمه بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْمَرَاعِي ; وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل زَيْنَب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جَرَسَتْ نَحْله الْعُرْفُط ) حِين شَبَّهَتْ رَائِحَته بِرَائِحَةِ الْمَغَافِير .



الضَّمِير لِلْعَسَلِ ; قَالَ الْجُمْهُور . أَيْ فِي الْعَسَل شِفَاء لِلنَّاسِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالْفَرَّاء وَابْن كَيْسَان : الضَّمِير لِلْقُرْآنِ ; أَيْ فِي الْقُرْآن شِفَاء . النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; أَوْ فِيمَا قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ مِنْ الْآيَات وَالْبَرَاهِين شِفَاء لِلنَّاسِ . وَقِيلَ : الْعَسَل فِيهِ شِفَاء , وَهَذَا الْقَوْل بَيِّنٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ أَكْثَر الْأَشْرِبَة وَالْمَعْجُونَات الَّتِي يَتَعَالَج بِهَا أَصْلهَا مِنْ الْعَسَل . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْقُرْآن بَعِيد مَا أَرَاهُ يَصِحّ عَنْهُمْ , وَلَوْ صَحَّ نَقْلًا لَمْ يَصِحّ عَقْلًا ; فَإِنَّ مَسَاق الْكَلَام كُلّه لِلْعَسَلِ , لَيْسَ لِلْقُرْآنِ فِيهِ ذِكْر . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَهَبَ قَوْم مِنْ أَهْل الْجَهَالَة إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة يُرَاد بِهَا أَهْل الْبَيْت وَبَنُو هَاشِم , وَأَنَّهُمْ النَّحْل , وَأَنَّ الشَّرَاب الْقُرْآن وَالْحِكْمَة , وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا بَعْضهمْ فِي مَجْلِس الْمَنْصُور أَبِي جَعْفَر الْعَبَّاسِيّ , فَقَالَ لَهُ رَجُل مِمَّنْ حَضَرَ : جَعَلَ اللَّه طَعَامك وَشَرَابك مِمَّا يَخْرُج مِنْ بُطُون بَنِي هَاشِم , فَأَضْحَكَ الْحَاضِرِينَ وَبُهِتَ الْآخَر وَظَهَرَتْ سَخَافَة قَوْله .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْله تَعَالَى : " فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ " هَلْ هُوَ عَلَى عُمُومه أَمْ لَا ; فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ عَلَى الْعُمُوم فِي كُلّ حَال وَلِكُلِّ أَحَد , فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْكُو قُرْحَة وَلَا شَيْئًا إِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ عَسَلًا , حَتَّى الدُّمَّل إِذَا خَرَجَ عَلَيْهِ طَلَى عَلَيْهِ عَسَلًا . وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ أَبِي وَجْرَة أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِل بِالْعَسَلِ وَيَسْتَمْشِي بِالْعَسَلِ وَيَتَدَاوَى بِالْعَسَلِ . وَرُوِيَ أَنَّ عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ مَرِضَ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا نُعَالِجك ؟ فَقَالَ : اِئْتُونِي بِالْمَاءِ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا " [ ق : 9 ] ثُمَّ قَالَ : اِئْتُونِي بِعَسَلٍ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ " وَائْتُونِي بِزَيْتٍ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة " [ النُّور : 35 ] فَجَاءُوهُ بِذَلِكَ كُلّه فَخَلَطَهُ جَمِيعًا ثُمَّ شَرِبَهُ فَبَرِئَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَلَى الْعُمُوم إِذَا خُلِطَ بِالْخَلِّ وَيُطْبَخ فَيَأْتِي شَرَابًا يُنْتَفَع بِهِ فِي كُلّ حَالَة مِنْ كُلّ دَاء . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوص وَلَا يَقْتَضِي الْعُمُوم فِي كُلّ عِلَّة وَفِي كُلّ إِنْسَان , بَلْ إِنَّهُ خَبَر عَنْ أَنَّهُ يَشْفِي كَمَا يَشْفِي غَيْره مِنْ الْأَدْوِيَة فِي بَعْض وَعَلَى حَال دُون حَال ; فَفَائِدَة الْآيَة إِخْبَار مِنْهُ فِي أَنَّهُ دَوَاء لِمَا كَثُرَ الشِّفَاء بِهِ وَصَارَ خَلِيطًا وَمُعِينًا لِلْأَدْوِيَةِ فِي الْأَشْرِبَة وَالْمَعَاجِين ; وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ لَفْظ خُصِّصَ فَالْقُرْآن مَمْلُوء مِنْهُ وَلُغَة الْعَرَب يَأْتِي فِيهَا الْعَامّ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْخَاصّ وَالْخَاصّ بِمَعْنَى الْعَامّ . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعُمُوم أَنَّ " شِفَاء " نَكِرَة فِي سِيَاق الْإِثْبَات , وَلَا عُمُوم فِيهَا بِاتِّفَاقِ أَهْل اللِّسَان وَمُحَقِّقِي أَهْل الْعِلْم وَمُخْتَلِفِي أَهْل الْأُصُول . لَكِنْ قَدْ حَمَلَتْهُ طَائِفَة مِنْ أَهْل الصِّدْق وَالْعَزْم عَلَى الْعُمُوم . فَكَانُوا يَسْتَشْفُونَ بِالْعَسَلِ مِنْ كُلّ الْأَوْجَاع وَالْأَمْرَاض , وَكَانُوا يُشْفَوْنَ مِنْ عِلَلهمْ بِبَرَكَةِ الْقُرْآن وَبِصِحَّةِ التَّصْدِيق وَالْإِيقَان . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَنْ ضَعُفَتْ نِيَّته وَغَلَبَتْهُ عَلَى الدِّين عَادَتُهُ أَخَذَهُ مَفْهُومًا عَلَى قَوْل الْأَطِبَّاء , وَالْكُلّ مِنْ حِكَم الْفَعَّال لِمَا يَشَاء .

إِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ رَأَيْنَا مَنْ يَنْفَعهُ الْعَسَل وَمَنْ يَضُرّهُ , فَكَيْفَ يَكُون شِفَاء لِلنَّاسِ ؟ قِيلَ لَهُ : الْمَاء حَيَاة كُلّ شَيْء وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ يَقْتُلهُ الْمَاء إِذَا أَخَذَهُ عَلَى مَا يُضَادّهُ مِنْ عِلَّة فِي الْبَدَن , وَقَدْ رَأَيْنَا شِفَاء الْعَسَل فِي أَكْثَر هَذِهِ الْأَشْرِبَة ; قَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاج . وَقَدْ اِتَّفَقَ الْأَطِبَّاء عَنْ بَكْرَة أَبِيهِمْ عَلَى مَدْح عُمُوم مَنْفَعَة السَّكَنْجَبِين فِي كُلّ مَرَض , وَأَصْله الْعَسَل وَكَذَلِكَ سَائِر الْمَعْجُونَات , عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَسَمَ دَاء الْإِشْكَال وَأَزَاحَ وَجْه الِاحْتِمَال حِين أَمَرَ الَّذِي يَشْتَكِي بَطْنه بِشُرْبِ الْعَسَل , فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَخُوهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا أَمَرَهُ بِعَوْدِ الشَّرَاب لَهُ فَبَرِئَ ; وَقَالَ : ( صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك ) .

اِعْتَرَضَ بَعْض زَنَادِقَة الْأَطِبَّاء عَلَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : قَدْ أَجْمَعَتْ الْأَطِبَّاء عَلَى أَنَّ الْعَسَل يُسْهِل فَكَيْفَ يُوصَف لِمَنْ بِهِ الْإِسْهَال ; فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْل حَقّ فِي نَفْسه لِمَنْ حَصَلَ لَهُ التَّصْدِيق بِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام , فَيَسْتَعْمِلهُ عَلَى الْوَجْه الَّذِي عَيَّنَهُ وَفِي الْمَحَلّ الَّذِي أَمَرَهُ بِعَقْدِ نِيَّة وَحُسْن طَوِيَّة , فَإِنَّهُ يَرَى مَنْفَعَته وَيُدْرِك بَرَكَته , كَمَا قَدْ اِتَّفَقَ لِصَاحِبِ هَذَا الْعَسَل وَغَيْره كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا مَا حُكِيَ مِنْ الْإِجْمَاع فَدَلِيل عَلَى جَهْله بِالنَّقْلِ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّد وَأَطْلَقَ . قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ : يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَم أَنَّ الْإِسْهَال يَعْرِض مِنْ ضُرُوب كَثِيرَة , مِنْهَا الْإِسْهَال الْحَادِث عَنْ التُّخُم وَالْهَيْضَات ; وَالْأَطِبَّاء مُجْمِعُونَ فِي مِثْل هَذَا عَلَى أَنَّ عِلَاجه بِأَنْ يُتْرَك لِلطَّبِيعَةِ وَفِعْلهَا , وَإِنْ اِحْتَاجَتْ إِلَى مُعِين عَلَى الْإِسْهَال أُعِينَتْ مَا دَامَتْ الْقُوَّة بَاقِيَة , فَأَمَّا حَبْسهَا فَضَرَر , فَإِذَا وَضَحَ هَذَا قُلْنَا : فَيُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ الرَّجُل أَصَابَهُ الْإِسْهَال عَنْ اِمْتِلَاء وَهَيْضَة فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشُرْبِ الْعَسَل فَزَادَهُ إِلَى أَنْ فَنِيَتْ الْمَادَّة فَوَقَفَ الْإِسْهَال فَوَافَقَهُ شُرْب الْعَسَل . فَإِذَا خَرَجَ هَذَا عَنْ صِنَاعَة الطِّبّ أَذِنَ ذَلِكَ بِجَهْلِ الْمُعْتَرِض بِتِلْكَ الصِّنَاعَة . قَالَ : وَلَسْنَا نَسْتَظْهِر عَلَى قَوْل نَبِيّنَا بِأَنْ يُصَدِّقهُ الْأَطِبَّاء بَلْ لَوْ كَذَّبُوهُ لَكَذَّبْنَاهُمْ وَلَكَفَّرْنَاهُمْ وَصَدَّقْنَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنْ أَوْجَدُونَا بِالْمُشَاهَدَةِ صِحَّة مَا قَالُوهُ فَنَفْتَقِر حِينَئِذٍ إِلَى تَأْوِيل كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَخْرِيجه عَلَى مَا يَصِحّ إِذْ قَامَتْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْذِب .

فِي قَوْله تَعَالَى : " فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ " دَلِيل عَلَى جَوَاز التَّعَالُج بِشُرْبِ الدَّوَاء وَغَيْر ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ جِلَّة الْعُلَمَاء , وَهُوَ يَرُدّ عَلَى الصُّوفِيَّة الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْوِلَايَة لَا تَتِمّ إِلَّا إِذَا رَضِيَ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ الْبَلَاء , وَلَا يَجُوز لَهُ مُدَاوَاة . وَلَا مَعْنَى لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ , رَوَى الصَّحِيح عَنْ جَابِر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لِكُلِّ دَاء دَوَاء فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاء بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّه ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أُسَامَة بْن شَرِيك قَالَ قَالَتْ الْأَعْرَاب : أَلَا نَتَدَاوَى يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( نَعَمْ . يَا عِبَاد اللَّه تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَضَع دَاء إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاء أَوْ دَوَاء إِلَّا دَاء وَاحِد ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : ( الْهَرَم ) لَفْظ التِّرْمِذِيّ , وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي خُزَامَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاء نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاة نَتَّقِيهَا , هَلْ تَرُدّ مِنْ قَدَر اللَّه شَيْئًا ؟ قَالَ : ( هِيَ مِنْ قَدَر اللَّه ) قَالَ : حَدِيث حَسَن , وَلَا يُعْرَف لِأَبِي خُزَامَة غَيْر هَذَا الْحَدِيث . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ كَانَ فِي شَيْء مِنْ أَدْوِيَتكُمْ خَيْر فَفِي شَرْطَة مِحْجَم أَوْ شَرْبَة مِنْ عَسَل أَوْ لَذْعَة بِنَارٍ وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي ) أَخْرَجَهُ الصَّحِيح . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى . وَعَلَى إِبَاحَة التَّدَاوِي وَالِاسْتِرْقَاء جُمْهُور الْعُلَمَاء . رُوِيَ أَنَّ اِبْن عُمَر اِكْتَوَى مِنْ اللَّقْوَة وَرَقِيَ مِنْ الْعَقْرَب . وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَسْقِي وَلَده التِّرْيَاق . وَقَالَ مَالِك : لَا بَأْس بِذَلِكَ . وَقَدْ اِحْتَجَّ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَخَلَتْ أُمَّة بِقَضِّهَا وَقَضِيضهَا الْجَنَّة كَانُوا لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ ) . قَالُوا : فَالْوَاجِب عَلَى الْمُؤْمِن أَنْ يَتْرُك ذَلِكَ اِعْتِصَامًا بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَثِقَة بِهِ وَانْقِطَاعًا إِلَيْهِ ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَيَّام الْمَرَض وَأَيَّام الصِّحَّة فَلَوْ حَرَصَ الْخَلْق عَلَى تَقْلِيل ذَلِكَ أَوْ زِيَادَته مَا قَدَرُوا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الْأَرْض وَلَا فِي أَنْفُسكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأهَا " [ الْحَدِيد : 22 ] . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْفَضْل وَالْأَثَر , وَهُوَ قَوْل اِبْن مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ . دَخَلَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَلَى اِبْن مَسْعُود فِي مَرَضه الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَان : مَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ ذُنُوبِي . قَالَ : فَمَا تَشْتَهِي ؟ قَالَ رَحْمَة رَبِّي . قَالَ : أَلَا أَدْعُو لَك طَبِيبًا ؟ قَالَ : الطَّبِيب أَمْرَضَنِي . .. وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي فَضْل الْوَاقِعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَذَكَرَ وَكِيع قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَال عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة قَالَ : مَرِضَ أَبُو الدَّرْدَاء فَعَادُوهُ وَقَالُوا : أَلَا نَدْعُو لَك طَبِيبًا ؟ قَالَ : الطَّبِيب أَضْجَعَنِي . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم . وَكَرِهَ سَعِيد بْن جُبَيْر الرُّقَى . وَكَانَ الْحَسَن يَكْرَه شُرْب الْأَدْوِيَة كُلّهَا إِلَّا اللَّبَن وَالْعَسَل . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ لَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ إِلَى نَوْع مِنْ الْكَيّ مَكْرُوه بِدَلِيلِ كَيّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَيًّا يَوْم الْأَحْزَاب عَلَى أَكْحَله لَمَّا رُمِيَ . وَقَالَ : ( الشِّفَاء فِي ثَلَاثَة ) كَمَا تَقَدَّمَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ إِلَى الرُّقَى بِمَا لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه , وَقَدْ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : " وَنُنَزِّل مِنْ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء " [ الْإِسْرَاء : 82 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَرَقَى أَصْحَابه وَأَمَرَهُمْ بِالرُّقْيَةِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .

ذَهَبَ مَالِك وَجَمَاعَة أَصْحَابه إِلَى أَنْ لَا زَكَاة فِي الْعَسَل وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا مُقْتَاتًا . وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَالَذَى قَطَعَ بِهِ فِي قَوْله الْجَدِيد : أَنَّهُ لَا زَكَاة فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة بِوُجُوبِ زَكَاة الْعَسَل فِي قَلِيله وَكَثِيره ; لِأَنَّ النِّصَاب عِنْده فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَا شَيْء فِيهِ حَتَّى يَبْلُغ ثَمَانِيَة أَفْرَاق , وَالْفَرَق سِتَّة وَثَلَاثُونَ رِطْلًا مِنْ أَرْطَال الْعِرَاق . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : فِي كُلّ عَشَرَة أَزْقَاق زِقّ ; مُتَمَسِّكًا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي الْعَسَل فِي كُلّ عَشَرَة أَزْقَاق زِقّ ) قَالَ أَبُو عِيسَى : فِي إِسْنَاده مَقَال , وَلَا يَصِحّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَاب كَبِير شَيْء , وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَبِهِ يَقُول أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : لَيْسَ فِي الْعَسَل شَيْء .


أَيْ يَعْتَبِرُونَ ; وَمِنْ الْعِبْرَة فِي النَّحْل بِإِنْصَافِ النَّظَر وَإِلْطَاف الْفِكْر فِي عَجِيب أَمْرهَا . فَيَشْهَد الْيَقِين بِأَنَّ مُلْهِمهَا الصَّنْعَة اللَّطِيفَة مَعَ الْبِنْيَة الضَّعِيفَة , وَحِذْقهَا بِاحْتِيَالِهَا فِي تَفَاوُت أَحْوَالهَا هُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ; كَمَا قَالَ : " وَأَوْحَى رَبّك إِلَى النَّحْل " [ النَّحْل : 68 ] الْآيَة . ثُمَّ أَنَّهَا تَأْكُل الْحَامِض وَالْمُرّ وَالْحُلْو وَالْمَالِح وَالْحَشَائِش الضَّارَّة , فَيَجْعَلهُ اللَّه تَعَالَى عَسَلًا حُلْوًا وَشِفَاء , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى قُدْرَته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في: منزلة الصلاة في الإسلام، بيّن فيها المؤلف - حفظه الله - بإيجاز مفهوم الصلاة، وحكمها، ومنزلتها، وخصائصها، وحكم تاركها، وفضلها، بالأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1915

    التحميل:

  • عقد الدرر فيما صح في فضائل السور

    عِقدُ الدُّرَر فيما صحَّ في فضائل السور: جمع المؤلف في هذه الرسالة ما صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من فضائل سور القرآن، ورتَّبها حسب الأفضل والأهم، وذلك مما ورد فيها نص صحيح بتفضيلها، مع التنبيه أنه لا ينبغي أن يُتَّخَذ شيءٌ من القرآن مهجورًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272778

    التحميل:

  • القدوة مبادئ ونماذج

    القدوة مبادئ ونماذج : فإن الدعوة إلى الله أمر جليل ودعامة عظيمة من دعائم ترسيخ المبادئ الحقة في المجتمع المسلم، ومن أهم طرق الدعوة إلي الله والتي يكون مردودها أوقع وأقوى في النفوس " القدوة الصالحة " والتي يرى فيها الناس واقعًا معاشًا للمبادئ التي يدعو إليها.. القول فيها صنو العمل. ولأهمية هذا الأمر أردت في هذه الورقات أن أنبه إلى بعض إشارات تعين على أداء تلكم المهمة العظيمة والرسالة الشريفة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144919

    التحميل:

  • تدبر القرآن

    ما الحكمة من كثرة القراءة؟ وأيهما أفضل: كثرة القراءة أم التأني بالقراءة إذا كان وقت القراءة واحدا؟ وهل يكرر المرء الآيات التي أثرت فيه أو يستثمر الوقت في مزيد من القراءة ليختم السورة؟ ولماذا لا يخشع أكثر الناس إلا عند آيات العذاب وذكر النار؟ أسئلة يجيب عنها وعن غيرها الكاتب في بيان أهمية تدبر القرآن.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339892

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ العشق ]

    مفسدات القلوب [ العشق ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن القلب السليم لا تكون له لذة تامة ولا سرور حقيقي إلا في محبة الله - سبحانه -، والتقرُّب إليه بما يحب، والإعراض عن كل محبوب سواه ... وإن أعظم ما يُفسِد القلب ويُبعِده عن الله - عز وجل -: داء العشق؛ فهو مرض يُردِي صاحبَه في المهالك ويُبعِده عن خير المسالك، ويجعله في الغواية، ويُضلُّه بعد الهداية ... فما العشق؟ وما أنواعه؟ وهل هو اختياري أم اضطراري؟ تساؤلات كثيرة أحببنا الإجابة عليها وعلى غيرها من خلال هذا الكتاب».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355748

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة