Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 14

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) (النحل) mp3
تَسْخِير الْبَحْر هُوَ تَمْكِين الْبَشَر مِنْ التَّصَرُّف فِيهِ وَتَذْلِيله بِالرُّكُوبِ وَالْإِرْفَاء وَغَيْره , وَهَذِهِ نِعْمَة مِنْ نِعَم اللَّه عَلَيْنَا , فَلَوْ شَاءَ سَلَّطَهُ عَلَيْنَا وَأَغْرَقَنَا . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الْبَحْر وَفِي صَيْده



سَمَّاهُ هُنَا لَحْمًا وَاللُّحُوم عِنْد مَالِك ثَلَاثَة أَجْنَاس : فَلَحْم ذَوَات الْأَرْبَع جِنْس , وَلَحْم ذَوَات الرِّيش جِنْس , وَلَحْم ذَوَات الْمَاء جِنْس . فَلَا يَجُوز بَيْع الْجِنْس مِنْ جِنْسه مُتَفَاضِلًا , وَيَجُوز بَيْع لَحْم الْبَقَر وَالْوَحْش بِلَحْمِ الطَّيْر وَالسَّمَك مُتَفَاضِلًا , وَكَذَلِكَ لَحْم الطَّيْر بِلَحْمِ الْبَقَر وَالْوَحْش وَالسَّمَك يَجُوز مُتَفَاضِلًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : اللَّحْم كُلّهَا أَصْنَاف مُخْتَلِفَة كَأُصُولِهَا ; فَلَحْم الْبَقَر صِنْف , وَلَحْم الْغَنَم صِنْف , وَلَحْم الْإِبِل صِنْف , وَكَذَلِكَ الْوَحْش مُخْتَلِف , كَذَلِكَ الطَّيْر , وَكَذَلِكَ السَّمَك , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّ الْكُلّ مِنْ النَّعَم وَالصَّيْد وَالطَّيْر وَالسَّمَك جِنْس وَاحِد لَا يَجُوز التَّفَاضُل فِيهِ . وَالْقَوْل الْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبه عِنْد أَصْحَابه . وَدَلِيلنَا هُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَّقَ بَيْن أَسْمَاء الْأَنْعَام فِي حَيَاتهَا فَقَالَ : " ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ " [ الْأَنْعَام : 143 ] ثُمَّ قَالَ : " وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَر اِثْنَيْنِ " فَلَمَّا أَنْ أَمَّ بِالْجَمِيعِ إِلَى اللَّحْم قَالَ : " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَام " [ الْمَائِدَة : 1 ] فَجَمَعَهَا بِلَحْمٍ وَاحِد لِتَقَارُبِ مَنَافِعهَا كَتَقَارُبِ لَحْم الضَّأْن وَالْمَعْز . وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ " [ الْوَاقِعَة : 21 ] وَهَذَا جَمْع طَائِر الَّذِي هُوَ الْوَاحِد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ " [ الْأَنْعَام : 38 ] فَجَمَعَ لَحْم الطَّيْر كُلّه بِاسْمٍ وَاحِد . وَقَالَ هُنَا : " لَحْمًا طَرِيًّا " فَجَمَعَ أَصْنَاف السَّمَك بِذِكْرِ وَاحِد , فَكَانَ صِغَاره كَكِبَارِهِ فِي الْجَمْع بَيْنهمَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْم الْمَعْز بِلَحْمِ الْكِبَاش أَشَيْء وَاحِد ؟ فَقَالَ لَا ; وَلَا مُخَالِف لَهُ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَلَا حُجَّة لِلْمُخَالِفِ فِي نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع الطَّعَام إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ; فَإِنَّ الطَّعَام فِي الْإِطْلَاق يَتَنَاوَل الْحِنْطَة وَغَيْرهَا مِنْ الْمَأْكُولَات وَلَا يَتَنَاوَل اللَّحْم ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَائِل إِذَا قَالَ : أَكَلْت الْيَوْم طَعَامًا لَمْ يَسْبِق الْفَهْم مِنْهُ إِلَى أَكْل اللَّحْم , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُعَارِض بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا اِخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ ) وَهَذَانِ جِنْسَانِ , وَأَيْضًا فَقَدْ اِتَّفَقْنَا عَلَى جَوَاز بَيْع اللَّحْم بِلَحْمِ الطَّيْر مُتَفَاضِلًا لَا لِعِلَّةِ أَنَّهُ بَيْع طَعَام لَا زَكَاة لَهُ بَيْع بِلَحْمٍ لَيْسَ فِيهِ الزَّكَاة , وَكَذَلِكَ بَيْع السَّمَك بِلَحْمِ الطَّيْر مُتَفَاضِلًا .

وَأَمَّا الْجَرَاد فَالْمَشْهُور عِنْدنَا جَوَاز بَيْع بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا . وَذُكِرَ عَنْ سَحْنُون أَنَّهُ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ , وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَآهُ مِمَّا يُدَّخَر .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا ; فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : يَحْنَث بِكُلِّ نَوْع مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة . وَقَالَ أَشْهَب فِي الْمَجْمُوعَة . لَا يَحْنَث إِلَّا بِكُلِّ لُحُوم الْأَنْعَام دُون الْوَحْش وَغَيْره , مُرَاعَاة لِلْعُرْفِ وَالْعَادَة , وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى إِطْلَاق اللَّفْظ اللُّغَوِيّ , وَهُوَ أَحْسَن .



يَعْنِي بِهِ اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان " [ الرَّحْمَن : 22 ] . وَإِخْرَاج الْحِلْيَة إِنَّمَا هِيَ فِيمَا عُرِفَ مِنْ الْمِلْح فَقَطْ . وَقَالَ : إِنَّ فِي الزُّمُرُّد بَحْرِيًّا . وَقَدْ خُطِّئَ الْهُذَلِيّ فِي قَوْله فِي وَصْف الدُّرَّة : فَجَاءَ بِهَا مِنْ دُرَّة لَطَمِيَّة عَلَى وَجْههَا مَاء الْفُرَات يَدُوم فَجَعَلَهَا مِنْ الْمَاء الْحُلْو . فَالْحِلْيَة حَقّ وَهِيَ نِحْلَة اللَّه تَعَالَى لِآدَم وَوَلَده . خُلِقَ آدَم وَتُوِّجَ وَكُلِّلَ بِإِكْلِيلِ الْجَنَّة , وَخُتِمَ بِالْخَاتَمِ الَّذِي وَرِثَهُ عَنْهُ سُلَيْمَان بْن دَاوُد صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ , وَكَانَ يُقَال لَهُ خَاتَم الْعِزّ فِيمَا رُوِيَ .

اِمْتَنَّ اللَّه سُبْحَانه عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء اِمْتِنَانًا عَامًّا بِمَا يَخْرُج مِنْ الْبَحْر , فَلَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ شَيْء مِنْهُ , وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الرِّجَال الذَّهَب وَالْحَرِير . رَوَى الصَّحِيح عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَلْبَسُوا الْحَرِير فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة ) . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة [ الْحَجّ ] الْكَلَام فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَب , وَجَعَلَ فَصّه مِمَّا يَلِي بَاطِن كَفّه , وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه ; فَاتَّخَذَ النَّاس مِثْله ; فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ اِتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ : ( لَا أَلْبَسهُ أَبَدًا ) ثُمَّ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّة فَاتَّخَذَ النَّاس خَوَاتِيم الْفِضَّة . قَالَ اِبْن عُمَر : فَلَبِسَ الْخَاتَم بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان , حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَان فِي بِئْر أَرِيس . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يَخْتَلِف النَّاس عَلَى عُثْمَان حَتَّى سَقَطَ الْخَاتَم مِنْ يَده . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز التَّخَتُّم بِالْوَرِقِ عَلَى الْجُمْلَة لِلرِّجَالِ . قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَكُرِهَ لِلنِّسَاءِ التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ زِيّ الرِّجَال , فَإِنْ لَمْ يَجِدْنَ ذَهَبًا فَلْيُصَفِّرْنَهُ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ بِشَبَهِهِ . وَجُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَى تَحْرِيم اِتِّخَاذ الرِّجَال خَاتَم الذَّهَب , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن وَخَبَّاب , وَهُوَ خِلَاف شَاذّ , وَكُلّ مِنْهُمَا لَمْ يَبْلُغهُمَا النَّهْي وَالنَّسْخ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ رَأَى فِي يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق يَوْمًا وَاحِدًا , ثُمَّ إِنَّ النَّاس اِصْطَنَعُوا الْخَوَاتِم , مِنْ وَرِق وَلَبِسُوهَا , فَطَرَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمه فَطَرَحَ النَّاس خَوَاتِيمهمْ - أَخْرَجَهُ الصَّحِيحَانِ وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ - فَهُوَ عِنْد الْعُلَمَاء وَهْم مِنْ اِبْن شِهَاب ; لِأَنَّ الَّذِي نَبَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ خَاتَم الذَّهَب . رَوَاهُ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب وَقَتَادَة عَنْ أَنَس , وَهُوَ خِلَاف مَا رَوَى اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس فَوَجَبَ الْقَضَاء بِالْجُمْلَةِ عَلَى الْوَاحِد إِذَا خَالَفَهَا , مَعَ مَا يَشْهَد لِلْجَمَاعَةِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر .

إِذَا ثَبَتَ جَوَاز التَّخَتُّم لِلرِّجَالِ بِخَاتَمِ الْفِضَّة وَالتَّحَلِّي بِهِ , فَقَدْ كَرِهَ اِبْن سِيرِينَ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء نَقْشه وَأَنْ يَكُون فِيهِ ذِكْر اللَّه . وَأَجَازَ نَقْشه جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء . ثُمَّ إِذَا نُقِشَ عَلَيْهِ اِسْم اللَّه أَوْ كَلِمَة حِكْمَة أَوْ كَلِمَات مِنْ الْقُرْآن وَجَعَلَهُ فِي شِمَاله , فَهَلْ يَدْخُل بِهِ الْخَلَاء وَيَسْتَنْجِي بِشِمَالِهِ ؟ خَفَّفَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَمَالِك . قِيلَ لِمَالِكٍ : إِنْ كَانَ فِي الْخَاتَم ذِكْر اللَّه وَيَلْبَسهُ فِي الشِّمَال أَيُسْتَنْجَى بِهِ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يَكُون خَفِيفًا . وَرُوِيَ عَنْهُ الْكَرَاهَة وَهُوَ الْأَوْلَى . وَعَلَى الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ أَكْثَر أَصْحَابه . وَقَدْ رَوَى هَمَّام عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاء وَضَعَ خَاتَمه . قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا حَدِيث مُنْكَر , وَإِنَّمَا يُعْرَف عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ زِيَاد بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق ثُمَّ أَلْقَاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يُحَدِّث بِهَذَا إِلَّا هَمَّام .

رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّة وَنَقَشَ فِيهِ " مُحَمَّد رَسُول اللَّه " وَقَالَ : ( إِنِّي اِتَّخَذْت خَاتَمًا مِنْ وَرِق وَنَقَشْت فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه فَلَا يَنْقُشَنَّ أَحَد عَلَى نَقْشه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَهَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز نَقْش اِسْم صَاحِب الْخَاتَم عَلَى خَاتَمه . قَالَ مَالِك : وَمِنْ شَأْن الْخُلَفَاء وَالْقُضَاة نَقْش أَسْمَائِهِمْ عَلَى خَوَاتِيمهمْ , وَنَهْيه عَلَيْهِ السَّلَام : لَا يَنْقُشَنَّ أَحَد عَلَى نَقْش خَاتَمه , مِنْ أَجْل أَنَّ ذَلِكَ اِسْمه وَصِفَته بِرِسَالَةِ اللَّه لَهُ إِلَى خَلْقه . وَرَوَى أَهْل الشَّام أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخَاتَم لِغَيْرِ ذِي سُلْطَان . وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي رَيْحَانَة , وَهُوَ حَدِيث لَا حُجَّة فِيهِ لِضَعْفِهِ . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَنْقُشَنَّ أَحَد عَلَى نَقْشه ) يَرُدّهُ وَيَدُلّ عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْخَاتَم لِجَمِيعِ النَّاس , إِذَا لَمْ يُنْقَش عَلَى نَقْش خَاتَمه . وَكَانَ نَقْش خَاتَم الزُّهْرِيّ " مُحَمَّد يَسْأَل اللَّه الْعَافِيَة " . وَكَانَ نَقْش خَاتَم مَالِك " حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي " نَوَادِر الْأُصُول " أَنَّ نَقْش خَاتَم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام " لِكُلِّ أَجَل كِتَاب " [ الرَّعْد : 38 ] . وَقَدْ مَضَى فِي الرَّعْد وَبَلَغَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّ اِبْنه اِشْتَرَى خَاتَمًا بِأَلْفِ دِرْهَم فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك اِشْتَرَيْت خَاتَمًا بِأَلْفِ دِرْهَم , فَبِعْهُ وَأَطْعِمْ مِنْهُ أَلْف جَائِع , وَاشْتَرِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد بِدِرْهَمٍ , وَاكْتُبْ عَلَيْهِ " رَحِمَ اللَّه اِمْرَأً عَرَفَ قَدْر نَفْسه " .

مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَس حُلِيًّا فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا لَمْ يَحْنَث ; وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ الِاسْم اللُّغَوِيّ يَتَنَاوَلهُ فَلَمْ يَقْصِدهُ بِالْيَمِينِ , وَالْأَيْمَان تُخَصّ بِالْعُرْفِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَنَام عَلَى فِرَاش فَنَامَ عَلَى الْأَرْض لَمْ يَحْنَث , وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَضِيء بِسِرَاجٍ فَجَلَسَ فِي الشَّمْس لَا يَحْنَث , وَإِنْ كَانَ اللَّه تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْأَرْض فِرَاشًا وَالشَّمْس سِرَاجًا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد : مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَس حُلِيًّا وَلَبِسَ اللُّؤْلُؤ فَإِنَّهُ يَحْنَث ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَة تَلْبَسُونَهَا " وَاَلَّذِي يَخْرُج مِنْهُ : اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان .



الْفُلْك : السُّفُن , وَإِفْرَاده وَجَمْعه بِلَفْظٍ وَاحِد , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث . وَلَيْسَتْ الْحَرَكَات فِي الْمُفْرَد تِلْكَ بِأَعْيَانِهَا فِي الْجَمْع , بَلْ كَأَنَّهُ بَنَى الْجَمْع بِنَاء آخَر ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَوَسُّط التَّثْنِيَة فِي قَوْلهمْ : فُلْكَان . وَالْفُلْك الْمُفْرَد مُذَكَّر ; قَالَ تَعَالَى : " فِي الْفُلْك الْمَشْحُون " [ يس : 41 ] فَجَاءَ بِهِ مُذَكَّرًا , وَقَالَ : " وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر " فَأَنَّثَ . وَيَحْتَمِل وَاحِدًا وَجَمْعًا ; وَقَالَ : " حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة " [ يُونُس : 22 ] فَجَمَعَ ; فَكَأَنَّهُ يَذْهَب بِهَا إِذَا كَانَتْ وَاحِدَة إِلَى الْمَرْكَب فَيُذَكَّر , وَإِلَى السَّفِينَة فَيُؤَنَّث . وَقِيلَ : وَاحِده فَلَك ; مِثْل أَسَد وَأُسْد , وَخَشَب وَخُشْب , وَأَصْله مِنْ الدَّوَرَان , وَمِنْهُ : فُلْك السَّمَاء الَّتِي تَدُور عَلَيْهِ النُّجُوم . وَفَلَّكَتْ الْجَارِيَة اِسْتَدَارَ ثَدْيهَا ; وَمِنْهُ فَلْكَة الْمِغْزَل . وَسُمِّيَتْ السَّفِينَة فُلْكًا لِأَنَّهَا تَدُور بِالْمَاءِ أَسْهَلَ دَوْر . وَقَوْله : " مَوَاخِر " قَالَ اِبْن عَبَّاس : جَوَارِي , مِنْ جَرَتْ تَجْرِي . سَعِيد بْن جُبَيْر : مُعْتَرِضَة . الْحَسَن : مَوَاقِر . قَتَادَة وَالضَّحَّاك : أَيْ تَذْهَب وَتَجِيء , مُقْبِلَة وَمُدْبِرَة بِرِيحٍ وَاحِدَة . وَقِيلَ : " مَوَاخِر " مُلَجِّجَة فِي دَاخِل الْبَحْر ; وَأَصْل الْمَخْر شَقّ الْمَاء عَنْ يَمِين وَشِمَال . مَخَرَتْ السَّفِينَة تَمْخَر وَتَمْخُر مَخْرًا وَمُخُورًا إِذَا جَرَتْ تَشُقّ الْمَاء مَعَ صَوْت ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَتَرَى الْفُلْك مَوَاخِر فِيهِ " يَعْنِي جَوَارِي . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَمَخَرَ السَّابِح إِذَا شَقَّ الْمَاء بِصَدْرِهِ , وَمَخَرَ الْأَرْض شَقَّهَا لِلزِّرَاعَةِ , وَمَخَرَهَا بِالْمَاءِ إِذَا حَبَسَ الْمَاء فِيهَا حَتَّى تَصِير أَرِيضَة ; أَيْ خَلِيقَة بِجَوْدَةِ نَبَات الزَّرْع . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الْمَخْر فِي اللُّغَة صَوْت هُبُوب الرِّيح ; وَلَمْ يُقَيِّد كَوْنه فِي مَاء , وَقَالَ : إِنَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْل وَاصِل مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَة : إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ الْبَوْل فَلْيَتَمَخَّرْ الرِّيح ; أَيْ لِيَنْظُر فِي صَوْتهَا فِي الْأَجْسَام مِنْ أَيْنَ تَهُبّ , فَيَتَجَنَّب اِسْتِقْبَالهَا لِئَلَّا تَرُدّ عَلَيْهِ بَوْله .


أَيْ وَلِتَرْكَبُوهُ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَب الرِّبْح .



هَذَا وَمَا كَانَ مِثْله فِيمَا وَرَدَ فِي كَلَام اللَّه تَعَالَى مِنْ قَوْله : " لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ , لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ , لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " فِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات .

الْأَوَّل : أَنَّ " لَعَلَّ " عَلَى بَابهَا مِنْ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع , وَالتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع إِنَّمَا هُوَ فِي حَيِّز الْبَشَر ; فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : اِفْعَلُوا ذَلِكَ عَلَى الرَّجَاء مِنْكُمْ وَالطَّمَع أَنْ تَعْقِلُوا وَأَنْ تَذْكُرُوا وَأَنْ تَتَّقُوا . هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ وَرُؤَسَاء اللِّسَان قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى " [ طَه : 43 - 44 ] قَالَ مَعْنَاهُ : اِذْهَبَا عَلَى طَمَعكُمَا وَرَجَائِكُمَا أَنْ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو الْمَعَالِي .

الثَّانِي : أَنَّ الْعَرَب اِسْتَعْمَلَتْ " لَعَلَّ " مُجَرَّدَة مِنْ الشَّكّ بِمَعْنَى لَام كَيْ . فَالْمَعْنَى لِتَعْقِلُوا وَلِتَذْكُرُوا وَلِتَتَّقُوا ; وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلّ قَوْل الشَّاعِر : وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوب لَعَلَّنَا نَكُفّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلّ مَوْثِق فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْب كَانَتْ عُهُودكُمْ كَلَمْعِ سَرَاب فِي الْمَلَا مُتَأَلِّق الْمَعْنَى : كُفُّوا الْحُرُوب لِنَكُفّ , وَلَوْ كَانَتْ " لَعَلَّ " هُنَا شَكًّا لَمْ يُوَثِّقُوا لَهُمْ كُلّ مَوْثِق ; وَهَذَا الْقَوْل عَنْ قُطْرُب وَالطَّبَرِيّ .

الثَّالِث : أَنْ تَكُون " لَعَلَّ " بِمَعْنَى التَّعَرُّض لِلشَّيْءِ , كَأَنَّهُ قِيلَ : اِفْعَلُوا مُتَعَرِّضِينَ لِأَنْ تَشْكُرُوا أَوْ لِأَنْ تَعْقِلُوا , أَوْ لِأَنْ تَذْكُرُوا أَوْ لِأَنْ تَتَّقُوا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معالم في طريق الاحتساب [ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]

    معالم في طريق الاحتساب: فإن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين بمكان عظيم، وقد خصَّها الله تعالى في كتابه والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في سنته بمزيد عناية; لعظيم شأنها ورفيع منزلتها. وفي هذه الرسالة معالم يستضيء بها المحتسِب في أمره ونهيه، وفيها أيضًا بيان منزلة الاحتساب، وخطورة تركه أو تنقُّص أهله وغير ذلك. وتلك المعالم مأخوذة من النصوص الشرعية وفقهها من خلال كلام أهل العلم. - والكتاب بتقديم الشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل - حفظه الله تعالى -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330758

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الإخلاص ]

    الإخلاص هو أهم أعمال القلوب وأعلاها وأساسها; لأنه حقيقة الدين; ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام; وسبيل النجاة من شرور الدنيا والآخرة; وهو لبٌّ العبادة وروحَها; وأساس قبول الأعمال وردها. لذلك كله كان الأجدر بهذه السلسلة أن تبدأ بالحديث عن الإخلاص.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340013

    التحميل:

  • تيسير لمعة الاعتقاد

    هذا شرح متوسط على كتاب لمعة الاعتقاد لابن قدامة – قَصَدَ الشارح منه تقريب معانيها، وتوضيح غامضها، والتدليل لمسائلها كتاباً وسنة ومعقولاً، مع ذكر شبه بعض الفرق المنحرفة عن طريق السلف، والرّد عليها على سبيل الإيجاز وتحرير بعض عبارات ابن قدامة والسلف الصالح من قبله، كالإمام أحمد - رحم الله الجميع - والتي كانت متكأً لبعض الناس في الطعن على عقيدة السلف بأنّها عقيدة المفوّضة، فجلّى الشارح هذه العبارات، ووجهها توجيهاً حسناً يوافق جملة اعتقاد ذين الإمامين المقتفيين طريق السلف الصالح يرحمهم الله، شريعةً وعقيدة. هذا وَقَد شمل الشرح تبعاً للأصل الكلام في جزءٍ كبير من الكتاب - يقرب من النصف أو يزيد - على توحيد الأسماء والصفات، وبيان الواجب اعتقادهُ حيالها، مع ذكر النصوص الدّالة عليها كتاباً وسنّة. ثم بعد ذلك تحدّث الشارح - تبعاً لأصل الكتاب المشروح - عن قضايا متفرقات من معتقد أهل السنة والجماعة في باب القدر، ورؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، والحديث عن باب الإيمان، وأقوال أهل العلم فيه، ثم بيان عقيدة أهل السنة في الإسراء والمعراج وأشراط الساعة، والقبر وما يكون فيه، والبعث، والحشر، والميزان، والحوض، والصراط، والشفاعة، ثم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة، وقولهم في التكفير والتبديع، مع تسمية بعض الفرق المخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، وذكر بعض بدعهم في الاعتقاد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260200

    التحميل:

  • حياة المرضيين

    حياة المرضيين : إن شباب المسلمين في أشد ما يكونون اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكرم معدنهم وأثر تربية رسول الله فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر، لذا كانت هذه الرسالة والتي بينت بعض فضائل الصحابة رضي الله عنهم.

    الناشر: موقع عقيده http://www.aqeedeh.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287315

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الرجاء ]

    الرجاء حاد يحدو بالراجي في سيره إلى الله; ويطيّب له المسير; ويحثه عليه; ويبعثه على ملازمته; فلولا الرجاء لما سار أحد: فإن الخوف وحده لا يحرك العبد; وإنما يحركه الحب; ويزعجه الخوف; ويحدوه الرجاء.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340021

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة