Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 126

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126) (النحل) mp3
فِيهَا مَسَائِل : [ الْأُولَى ] أَطْبَقَ جُمْهُور أَهْل التَّفْسِير أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَدَنِيَّة , نَزَلَتْ فِي شَأْن التَّمْثِيل بِحَمْزَة فِي يَوْم أُحُد , وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَفِي كِتَاب السِّيَر . وَذَهَبَ النَّحَّاس إِلَى أَنَّهَا مَكِّيَّة , وَالْمَعْنَى مُتَّصِل بِمَا قَبْلهَا مِنْ الْمَكِّيّ اِتِّصَالًا حَسَنًا ; لِأَنَّهَا تَتَدَرَّج الرُّتَب مِنْ الَّذِي يُدْعَى وَيُوعَظ , إِلَى الَّذِي يُجَادِل , إِلَى الَّذِي يُجَازَى عَلَى فِعْله . وَلَكِنْ مَا رَوَى الْجُمْهُور أَثْبَت . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا اِنْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلَى أُحُد اِنْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى مَنْظَرًا سَاءَهُ رَأَى حَمْزَة قَدْ شُقَّ بَطْنه , وَاصْطُلِمَ أَنْفه , وَجُدِعَتْ أُذُنَاهُ , فَقَالَ : ( لَوْلَا أَنْ يَحْزَن النِّسَاء أَوْ تَكُون سُنَّة بَعْدِي لَتَرَكْته حَتَّى يَبْعَثهُ اللَّه مِنْ بُطُون السِّبَاع وَالطَّيْر لَأُمَثِّلَنَّ مَكَانه بِسَبْعِينَ رَجُلًا ) ثُمَّ دَعَا بِبُرْدَةٍ وَغَطَّى بِهَا وَجْهه , فَخَرَجَتْ رِجْلَاهُ فَغَطَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهه وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِر , ثُمَّ قَدَّمَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا , ثُمَّ جَعَلَ يُجَاء بِالرَّجُلِ فَيُوضَع وَحَمْزَة مَكَانه , حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاة , وَكَانَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ , فَلَمَّا دُفِنُوا وَفَرَغَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " اُدْعُ إِلَى سَبِيل رَبّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة - إِلَى قَوْله - وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرك إِلَّا بِاَللَّهِ " فَصَبَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُمَثِّل بِأَحَدٍ . خَرَّجَهُ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس أَكْمَل . وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ فِرْقَة أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيمَنْ أُصِيبَ بِظِلَامَةِ أَلَّا يَنَال مِنْ ظَالِمه إِذَا تَمَكَّنَ إِلَّا مِثْل ظِلَامَته لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْره . وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَمُجَاهِد .

[ الثَّانِيَة ] وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِيمَنْ ظَلَمَهُ رَجُل فِي أَخْذ مَال ثُمَّ اِئْتَمَنَ الظَّالِم الْمَظْلُوم عَلَى مَال , هَلْ يَجُوز لَهُ خِيَانَته فِي الْقَدْر الَّذِي ظَلَمَهُ ; فَقَالَتْ فِرْقَة : لَهُ ذَلِكَ ; مِنْهُمْ اِبْن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَسُفْيَان وَمُجَاهِد ; وَاحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الْآيَة وَعُمُوم لَفْظهَا . وَقَالَ مَالِك وَفِرْقَة مَعَهُ : لَا يَجُوز لَهُ ذَلِكَ ; وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى وَوَقَعَ فِي مُسْنَد اِبْن إِسْحَاق أَنَّ هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا وَرَدَ فِي رَجُل زَنَى بِامْرَأَةِ آخَر , ثُمَّ تَمَكَّنَ الْآخَر مِنْ زَوْجَة الثَّانِي بِأَنْ تَرَكَهَا عِنْده وَسَافَرَ ; فَاسْتَشَارَ ذَلِكَ الرَّجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَمْر فَقَالَ لَهُ : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) . وَعَلَى هَذَا يَتَقَوَّى قَوْل مَالِك فِي أَمْر الْمَال ; لِأَنَّ الْخِيَانَة لَاحِقَة فِي ذَلِكَ , وَهِيَ رَذِيلَة لَا اِنْفِكَاك عَنْهَا , فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبهَا لِنَفْسِهِ ; فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِصَاف مِنْ مَال لَمْ يَأْتَمِنهُ عَلَيْهِ فَيُشْبِه أَنَّ ذَلِكَ جَائِز وَكَأَنَّ اللَّه حَكَمَ لَهُ ; كَمَا لَوْ تَمَكَّنَ الْأَخْذ بِالْحُكْمِ مِنْ الْحَاكِم . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , نَسَخَتْهَا " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرك إِلَّا بِاَللَّهِ " .

[ الثَّالِثَة ] فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز التَّمَاثُل فِي الْقِصَاص ; فَمَنْ قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا . وَمَنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِهِ , وَلَا يَتَعَدَّى قَدْر الْوَاجِب , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ

[ الرَّابِعَة ] سَمَّى اللَّه تَعَالَى الْإِذَايَات فِي هَذِهِ الْآيَة عُقُوبَة , وَالْعُقُوبَة حَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ الثَّانِيَة , وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِيَ اللَّفْظَانِ وَتَتَنَاسَب دِبَاجَة الْقَوْل , وَهَذَا بِعَكْسِ قَوْله : " وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 54 ] وَقَوْله : " اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 15 ] فَإِنَّ الثَّانِي هُنَا هُوَ الْمَجَاز وَالْأَوَّل هُوَ الْحَقِيقَة ; قَالَهُ اِبْن عَطِيَّة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإفصاح عما زادَته الدرَّة على الشاطبية

    الإفصاح عما زادَته الدرَّة على الشاطبية: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «بدا لي أثناء تصنيفي كتاب: «التذكرة في القراءات الثلاث المُتواتِرة وتوجيهها» أن أجمعَ الكلماتِ التي زادَتها الدرَّة على الشاطبية، وبعد أن انتهيتُ من ذلك فكَّرتُ مليًّا في أن أُفرِد مُصنَّفًا خاصًّا أُضمِّنُه تلك الزيادات كي يكون مرجِعًا للمُشتغلين بعلومِ القراءات؛ حيث لم يُوجَد هناك مُصنِّف حذَا هذا الحَذو، وقد سمَّيتُه: «الإفصاح عما زادَته الدرَّة على الشاطبية». ومعنى ذلك: أنني لن أذكُر إلا القراءات التي لم يقرأ بها أحدٌ من الأئمة السبعة ولا رُواتهم من طريق الشاطبية».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384389

    التحميل:

  • مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة

    مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة: هذه الرسالة تبين كيف يكون النجاح بالقرآن؟ بيان متكامل واضح يربط المفاهيم والمصطلحات بالواقع، وتوضح أن الأصل في تحقيق النجاح هو القرآن الكريم كلام رب العالمين، وما عداه: فإما أن يكون تابعاً له، وإلا فهو مرفوض. وقد حاول المؤلف -حفظه الله- أن يبين فيه كيفية تحقيق القوة والنجاح بمفهومه الشامل المتكامل لكل طبقات المجتمع ولجميع جوانب حياتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/319827

    التحميل:

  • أسرار الهجوم على الإسلام ونبي الإسلام

    أسرار الهجوم على الإسلام ونبي الإسلام: في هذه الرسالة القيِّمة يُبيِّن المؤلف - حفظه الله - مدى خطورة وشناعة الحملة الشرسة على الإسلام ونبي الإسلام من قِبَل أهل الكفر، وقد ذكر أمثلةً لأقوال المتطرفين عن الإسلام وعن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، وبيَّن الأهداف من هذه الحملة الضارية، والواجب على المسلمين نحو هذه الأقوال والأفعال الحاقدة، وفي الأخير أظهر لكل ذي عينين أن المُحرِّك لهذه الحملات هم اليهود وأذنابهم.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345931

    التحميل:

  • الجرح والتعديل

    الجرح والتعديل: أحد الكتب المهمة في علم الرجال.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141371

    التحميل:

  • التوحيد أولاً

    التوحيد أولاً: في هذه الرسالة ما يهم ذكره من عظمة التوحيد وعلو شأنه، وشناعة الشرك وخطره على المجتمعات الإسلامية.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337290

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة