Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 124

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) (النحل) mp3
أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْع إِبْرَاهِيم وَلَا فِي دِينه , بَلْ كَانَ سَمْحًا لَا تَغْلِيظ فِيهِ , وَكَانَ السَّبْت تَغْلِيظًا عَلَى الْيَهُود فِي رَفْض الْأَعْمَال وَتَرْك التَّبَسُّط فِي الْمَعَاش بِسَبَبِ اِخْتِلَافهمْ فِيهِ , ثُمَّ جَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِيَوْمِ الْجُمْعَة فَقَالَ : تَفَرَّغُوا لِلْعِبَادَةِ فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا وَاحِدًا . فَقَالُوا : لَا نُرِيد أَنْ يَكُون عِيدهمْ بَعْد عِيدنَا , فَاخْتَارُوا الْأَحَد . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَاف ; فَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَمَرَهُمْ بِيَوْمِ الْجُمْعَة وَعَيَّنَهُ لَهُمْ , وَأَخْبَرَهُمْ بِفَضِيلَتِهِ عَلَى غَيْره , فَنَاظَرُوهُ أَنَّ السَّبْت أَفْضَل ; فَقَالَ اللَّه لَهُ : ( دَعْهُمْ وَمَا اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ ) . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنهُ لَهُمْ , وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِتَعْظِيمِ يَوْم فِي الْجُمْعَة فَاخْتَلَفَ اِجْتِهَادهمْ فِي تَعْيِينه , فَعَيَّنَتْ الْيَهُود السَّبْت ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَغَ فِيهِ مِنْ الْخَلْق . وَعَيَّنَتْ النَّصَارَى يَوْم الْأَحَد ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى بَدَأَ فِيهِ بِالْخَلْقِ . فَأَلْزَمَ كُلّ مِنْهُمْ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اِجْتِهَاده . وَعَيَّنَ اللَّه لِهَذِهِ الْأُمَّة يَوْم الْجُمْعَة مِنْ غَيْر أَنْ يَكِلهُمْ إِلَى اِجْتِهَادهمْ فَضْلًا مِنْهُ وَنِعْمَة , فَكَانَتْ خَيْر الْأُمَم أُمَّة . رَوَى الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْم الْقِيَامَة وَنَحْنُ أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة بَيْد أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدهمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّه لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقّ فَهَذَا يَوْمهمْ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّه لَهُ - قَالَ يَوْم الْجُمْعَة - فَالْيَوْم لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْد غَد لِلنَّصَارَى ) فَقَوْله : ( فَهَذَا يَوْمهمْ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ ) يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُعَيِّن لَهُمْ ; فَإِنَّهُ لَوْ عَيَّنَ لَهُمْ وَعَانَدُوا لَمَا قِيلَ ( اِخْتَلَفُوا ) . وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَال فَخَالَفُوا فِيهِ وَعَانَدُوا . وَمِمَّا يُقَوِّيه أَيْضًا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَضَلَّ اللَّه عَنْ الْجُمْعَة مَنْ كَانَ قَبْلنَا ) . وَهَذَا نَصّ فِي الْمَعْنَى . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه ( فَهَذَا يَوْمهمْ الَّذِي فَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ ) . وَهُوَ حُجَّة لِلْقَوْلِ الْأَوَّل . وَقَدْ رُوِيَ : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ الْجُمْعَة عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلنَا فَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَهَدَانَا اللَّه لَهُ فَالنَّاس لَنَا فِيهِ تَبَع ) .

" عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ " يُرِيد فِي يَوْم الْجُمْعَة كَمَا بَيَّنَّاهُ ; اِخْتَلَفُوا عَلَى نَبِيّهمْ مُوسَى وَعِيسَى . وَوَجْه الِاتِّصَال بِمَا قَبْله أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْحَقّ , وَحَذَّرَ اللَّه الْأُمَّة مِنْ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ فَيُشَدِّد عَلَيْهِمْ كَمَا شَدَّدَ عَلَى الْيَهُود .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • هل العهد القديم كلمة الله؟

    هل العهد القديم كلمة الله؟ : مازال الصادقون في كل عصر وجيل يبحثون عن الهدى والنور، وقد أرسل الله رسله، حاملين للهدى والبينات والنور، ثم جاء القرآن الكريم، الكتاب الخاتم أيضاً للدلالة على النور والهدى، إلا أن كتب الله المنزلة على الأنبياء السابقين فُقدت بسبب ظروف كتابتها وطريقة حفظها، وتعرضت للتحريف والضياع، فضلّ البشر وتاهوا عن الهدى والنور. وتوارث الناس كتباً بديلة نُسبت إلى الله، لكنها كتب خالية - إلا قليلاً - من الهدى والنور ، فقد حملت هذه الأسفار المكتوبة في طياتها ضعف البشر وجهلهم، فجاءت هذه الكتابات متناقضة غاصّة بالكثير مما لا يرتضي العقلاء نسبته إلى الله ووحيه القويم. وهذا لا يمنع أن يكون في هذه الأسفار بعض أثارة من هدي الأنبياء وبقايا من وحي السماء، لكنها كما أسلفت غارت في بحور من تخليط البشر وتحريفهم. هذا مجمل إيمان المسلمين في الكتب السابقة، فهم يؤمنون بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه، لكنهم يرفضون أن يقال عن أسفار العهد القديم، أنها كلمة الله، وإن حوت بعض كلمته وهديه. أما النصارى واليهود فهم يؤمنون بقدسية هذه الأسفار، ويعتبرونها كلمة الله التي سطرها أنبياؤه، وتناقلها اليهود عبر تاريخهم الطويل. وإزاء هذا الاختلاف الكبير بين موقفي الفريقين من أسفار العهد القديم، نطرح سؤالنا الهام: "هل العهد القديم كلمة الله؟"

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228823

    التحميل:

  • ضحايا الحب

    ضحايا الحب: يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهم وجهل؛ بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، ولكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة. وقصدتُ من هذه الرسالة الوقف مع القارئ على جوانب مشرقة، وأطلال موحشة في مسيرة الحب الطويلة، التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكر لضحايا الحب وقتلاه، وستعرف المقصود مما أردت إذا قرأت، وتعلم ما نويت إذا طالعت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324352

    التحميل:

  • الله لطيف بعباده

    الله لطيف بعباده: قال المصنف - حفظه الله -: «فما سمعت أذن، ولا رأت عين ألطف بالعباد من رب العباد، ترى الأمور العظام والمصائب الشداد، فإذا انجلى الأمر فإذا الخير والأجر. الله لطيف بعباده؛ خلقهم، ورزقهم، وهداهم، وأسكن من شاء منهم جنته، رحمته سبقت غضبه، وفضله سبق عقابه. هذا الكتيب... إلى من استوحشت به الطرق، وافترقت به المسالك، وأظلته سحابة حزن، وترك له الزمن جرحًا ينزف.. الله لطيف بعباده».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208983

    التحميل:

  • من مشاهد القيامة وأهوالها وما يلقاه الإنسان بعد موته

    في هذه الرسالة التحذير من الافتتان والاغترار بالدنيا الفانية والإعراض عن الآخرة الباقية، ثم ذكر بعض أهوال يوم القيامة، ثم ذكر وصف جنات النعيم وأهلها، ثم ذكر أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209203

    التحميل:

  • توجيهات إسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

    كتاب مختصر يحتوي على توجيهات إسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116963

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة