Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 106

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) (النحل) mp3
هَذَا مُتَّصِل بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا " [ النَّحْل : 91 ] فَكَانَ مُبَالَغَة فِي الْوَصْف بِالْكَذِبِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَرْتَدُّوا عَنْ بَيْعَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَيْ مَنْ كَفَرَ مِنْ بَعْد إِيمَانه وَارْتَدَّ فَعَلَيْهِ غَضَب اللَّه . قَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَرْح وَمِقْيَس بْن صُبَابَة وَعَبْد اللَّه بْن خَطَل , وَقَيْس بْن الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : " مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانه " بَدَل مِمَّنْ يَفْتَرِي الْكَذِب ; أَيْ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِب مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانه ; لِأَنَّهُ رَأَى الْكَلَام إِلَى آخِر الِاسْتِثْنَاء غَيْر تَامّ فَعَلَّقَهُ بِمَا قَبْله . وَقَالَ الْأَخْفَش : " مَنْ " اِبْتِدَاء وَخَبَره مَحْذُوف , اُكْتُفِيَ مِنْهُ بِخَبَرِ " مَنْ " الثَّانِيَة ; كَقَوْلِك : مَنْ يَأْتِنَا مَنْ يُحْسِن نُكْرِمهُ .



فِيهَا مَسَائِل : [ الْأُولَى ] هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي عَمَّار بْن يَاسِر , فِي قَوْل أَهْل التَّفْسِير ; لِأَنَّهُ قَارَبَ بَعْض مَا نَدَبُوهُ إِلَيْهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَخَذُوا أَبَاهُ وَأُمّه سُمَيَّة وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَسَالِمًا فَعَذَّبُوهُمْ , وَرُبِطَتْ سُمَيَّة بَيْن بَعِيرَيْنِ وَوُجِئَ قُبُلهَا بِحَرْبَةٍ , وَقِيلَ لَهَا إِنَّك أَسْلَمْت مِنْ أَجْل الرِّجَال ; فَقُتِلَتْ وَقُتِلَ زَوْجهَا يَاسِر , وَهُمَا أَوَّل قَتِيلَيْنِ فِي الْإِسْلَام . وَأَمَّا عَمَّار فَأَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا , فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَيْفَ تَجِد قَلْبك ) ؟ قَالَ : مُطْمَئِنّ بِالْإِيمَانِ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ ) . وَرَوَى مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْ مُجَاهِد قَالَ : أَوَّل شَهِيدَة فِي الْإِسْلَام أُمّ عَمَّار , قَتَلَهَا أَبُو جَهْل , وَأَوَّل شَهِيد مِنْ الرِّجَال مِهْجَع مَوْلَى عُمَر . وَرَوَى مَنْصُور أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد قَالَ : أَوَّل مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام سَبْعَة : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر , وَبِلَال , وَخَبَّاب , وَصُهَيْب , وَعَمَّار , وَسُمَيَّة أُمّ عَمَّار . فَأَمَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ أَبُو طَالِب , وَأَمَّا أَبُو بَكْر فَمَنَعَهُ قَوْمه , وَأَخَذُوا الْآخَرِينَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرُع الْحَدِيد , ثُمَّ صَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْس حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ الْجَهْد كُلّ مَبْلَغ مِنْ حَرّ الْحَدِيد وَالشَّمْس , فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَشِيّ أَتَاهُمْ أَبُو جَهْل وَمَعَهُ حَرْبَة , فَجَعَلَ يَسُبّهُمْ وَيُوَبِّخهُمْ , وَأَتَى سُمَيَّة فَجَعَلَ يَسُبّهَا وَيَرْفُث , ثُمَّ طَعَنَ فَرْجهَا حَتَّى خَرَجَتْ الْحَرْبَة مِنْ فَمهَا فَقَتَلَهَا ; رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . قَالَ : وَقَالَ الْآخَرُونَ مَا سُئِلُوا إِلَّا بِلَالًا فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسه فِي اللَّه , فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ : اِرْجِعْ عَنْ دِينك , وَهُوَ يَقُول أَحَد أَحَد ; حَتَّى مَلُّوهُ , ثُمَّ كَتَّفُوهُ وَجَعَلُوا فِي عُنُقه حَبْلًا مِنْ لِيف , وَدَفَعُوهُ إِلَى صِبْيَانهمْ يَلْعَبُونَ بِهِ بَيْن أَخْشَبَيْ مَكَّة حَتَّى مَلُّوهُ وَتَرَكُوهُ , قَالَ فَقَالَ عَمَّار : كُلّنَا تَكَلَّمَ بِاَلَّذِي قَالُوا - لَوْلَا أَنَّ اللَّه تَدَارَكَنَا - غَيْر بِلَال فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسه فِي اللَّه , فَهَانَ عَلَى قَوْمه حَتَّى مَلُّوهُ وَتَرَكُوهُ . وَالصَّحِيح أَنَّ أَبَا بَكْر اِشْتَرَى بِلَالًا فَأَعْتَقَهُ . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل مَكَّة آمَنُوا , فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بَعْض أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ : أَنْ هَاجِرُوا إِلَيْنَا , فَإِنَّا لَا نَرَاكُمْ مِنَّا حَتَّى تُهَاجِرُوا إِلَيْنَا , فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْمَدِينَة حَتَّى أَدْرَكَتْهُمْ قُرَيْش بِالطَّرِيقِ , فَفَتَنُوهُمْ فَكَفَرُوا مُكْرَهِينَ , فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُجَاهِد إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا خُيِّرَ عَمَّار بَيْن أَمْرَيْنِ إِلَّا اِخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا ) هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْجَنَّة تَشْتَاق إِلَى ثَلَاثَة عَلِيّ وَعَمَّار وَسَلْمَان بْن رَبِيعَة ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث الْحَسَن بْن صَالِح .

[ الثَّانِيَة ] لَمَّا سَمَحَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِالْكُفْرِ بِهِ وَهُوَ أَصْل الشَّرِيعَة عِنْد الْإِكْرَاه وَلَمْ يُؤَاخِذ بِهِ , حَمَلَ الْعُلَمَاء عَلَيْهِ فُرُوع الشَّرِيعَة كُلّهَا , فَإِذَا وَقَعَ الْإِكْرَاه عَلَيْهَا لَمْ يُؤَاخَذ بِهِ وَلَمْ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حُكْم ; وَبِهِ جَاءَ الْأَثَر الْمَشْهُور عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) الْحَدِيث . وَالْخَبَر وَإِنْ لَمْ يَصِحّ سَنَده فَإِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيح بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْعُلَمَاء ; قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ . وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ أَنَّ إِسْنَاده صَحِيح قَالَ : وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر الْأَصِيلِيّ فِي الْفَوَائِد وَابْن الْمُنْذِر فِي كِتَاب الْإِقْنَاع .

[ الثَّالِثَة ] أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْر حَتَّى خَشِيَ عَلَى نَفْسه الْقَتْل , أَنَّهُ لَا إِثْم عَلَيْهِ إِنْ كَفَرَ وَقَلْبه مُطْمَئِنّ بِالْإِيمَانِ , وَلَا تَبِين مِنْهُ زَوْجَته وَلَا يُحْكَم عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكُفْر ; هَذَا قَوْل مَالِك وَالْكُوفِيِّينَ وَالشَّافِعِيّ ; غَيْر مُحَمَّد بْن الْحَسَن فَإِنَّهُ قَالَ : إِذَا أَظْهَرَ الشِّرْك كَانَ مُرْتَدًّا فِي الظَّاهِر , وَفِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى عَلَى الْإِسْلَام , وَتَبِين مِنْهُ اِمْرَأَته وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ , وَلَا يَرِث أَبَاهُ إِنْ مَاتَ مُسْلِمًا . وَهَذَا قَوْل يَرُدّهُ الْكِتَاب وَالسُّنَّة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ " الْآيَة . وَقَالَ : " إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة " [ آل عِمْرَان : 28 ] وَقَالَ : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة ظَالِمِي أَنْفُسهمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْض " [ النِّسَاء : 97 ] الْآيَة . وَقَالَ : " إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَان " [ النِّسَاء : 98 ] الْآيَة . فَعَذَرَ اللَّه الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْك مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ , وَالْمُكْرَه لَا يَكُون إِلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْر مُمْتَنِع مِنْ فِعْل مَا أُمِرَ بِهِ ; قَالَهُ الْبُخَارِيّ .

[ الرَّابِعَة ] ذَهَبَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الرُّخْصَة إِنَّمَا جَاءَتْ فِي الْقَوْل , وَأَمَّا فِي الْفِعْل فَلَا رُخْصَة فِيهِ , مِثْل أَنْ يُكْرَهُوا عَلَى السُّجُود لِغَيْرِ اللَّه أَوْ الصَّلَاة لِغَيْرِ الْقِبْلَة , أَوْ قَتْل مُسْلِم أَوْ ضَرْبه أَوْ أَكْل مَاله , أَوْ الزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر وَأَكْل الرِّبَا ; يُرْوَى هَذَا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيّ وَسَحْنُون مِنْ عُلَمَائِنَا . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : إِذَا قِيلَ لِلْأَسِيرِ : اُسْجُدْ لِهَذَا الصَّنَم وَإِلَّا قَتَلْتُك . فَقَالَ : إِنْ كَانَ الصَّنَم مُقَابِل الْقِبْلَة فَلْيَسْجُدْ وَيَكُون نِيَّته لِلَّهِ تَعَالَى , وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْقِبْلَة فَلَا يَسْجُد وَإِنْ قَتَلُوهُ . وَالصَّحِيح أَنَّهُ يَسْجُد وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْقِبْلَة , وَمَا أَحْرَاهُ بِالسُّجُودِ حِينَئِذٍ ; فَفِي الصَّحِيح عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِل مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة عَلَى رَاحِلَته حَيْثُ كَانَ وَجْهه , قَالَ : وَفِيهِ نَزَلَتْ " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه " [ الْبَقَرَة : 115 ] فِي رِوَايَة : وَيُوتِر عَلَيْهَا , غَيْر أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة . فَإِذَا كَانَ هَذَا مُبَاحًا فِي السَّفَر فِي حَالَة الْأَمْن لِتَعَبِ النُّزُول عَنْ الدَّابَّة لِلتَّنَفُّلِ فَكَيْفَ بِهَذَا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَصَرَ الرُّخْصَة عَلَى الْقَوْل بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود : مَا مِنْ كَلَام يَدْرَأ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِنْ ذِي سُلْطَان إِلَّا كُنْت مُتَكَلِّمًا بِهِ . فَقَصَرَ الرُّخْصَة عَلَى الْقَوْل وَلَمْ يَذْكُر الْفِعْل , وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَجْعَل لِلْكَلَامِ مِثَالًا وَهُوَ يُرِيد أَنَّ الْفِعْل فِي حُكْمه . وَقَالَتْ طَائِفَة : الْإِكْرَاه فِي الْفِعْل وَالْقَوْل سَوَاء إِذَا أَسَرَّ الْإِيمَان . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَمَكْحُول , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِرَاق . رَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْب الْخَمْر وَتَرْك الصَّلَاة أَوْ الْإِفْطَار فِي رَمَضَان , أَنَّ الْإِثْم عَنْهُ مَرْفُوع .

[ الْخَامِسَة ] أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْل غَيْره أَنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ الْإِقْدَام عَلَى قَتْله وَلَا اِنْتَهَاك حُرْمَته بِجَلْدٍ أَوْ غَيْره , وَيَصْبِر عَلَى الْبَلَاء الَّذِي نَزَلَ بِهِ , وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَفْدِي نَفْسه بِغَيْرِهِ , وَيَسْأَل اللَّه الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .

[ السَّادِسَة ] وَاخْتُلِفَ فِي الزِّنَا , فَقَالَ مُطَرِّف وَأَصْبَغ وَابْن عَبْد الْحَكَم وَابْن الْمَاجِشُون : لَا يَفْعَل أَحَد ذَلِكَ , وَإِنْ قُتِلَ لَمْ يَفْعَلهُ , فَإِنْ فَعَلَهُ فَهُوَ آثِم وَيَلْزَمهُ الْحَدّ ; وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر وَالْحَسَن . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الصَّحِيح أَنَّهُ يَجُوز الْإِقْدَام عَلَى الزِّنَا وَلَا حَدّ عَلَيْهِ , خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا شَهْوَة خُلُقِيَّة لَا يُتَصَوَّر الْإِكْرَاه عَلَيْهَا , وَغَفَلَ عَنْ السَّبَب فِي بَاعِث الشَّهْوَة وَهُوَ الْإِلْجَاء إِلَى ذَلِكَ , وَهُوَ الَّذِي أَسْقَطَ حُكْمه , وَإِنَّمَا يَجِب الْحَدّ عَلَى شَهْوَة بَعَثَ عَلَيْهَا سَبَب اِخْتِيَارِيّ , فَقَاسَ الشَّيْء عَلَى ضِدّه , فَلَمْ يَحِلّ بِصَوَابٍ مِنْ عِنْده . وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد فِي أَحْكَامه : اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا مَتَى أُكْرِهَ الرَّجُل عَلَى الزِّنَا ; فَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَيْهِ الْحَدّ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَل ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا حَدّ عَلَيْهِ . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : وَهُوَ الصَّحِيح . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ أَكْرَهَهُ غَيْر السُّلْطَان حُدَّ , وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَان فَالْقِيَاس أَنْ يُحَدّ , وَلَكِنْ أَسْتَحْسِن أَلَّا يُحَدّ . وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا : لَا حَدّ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ , وَلَمْ يُرَاعُوا الِانْتِشَار , وَقَالُوا : مَتَى عَلِمَ أَنَّهُ يَتَخَلَّص مِنْ الْقَتْل بِفِعْلِ الزِّنَا جَازَ أَنْ يَنْتَشِر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا حَدّ عَلَيْهِ , وَلَا فَرْق بَيْن السُّلْطَان فِي ذَلِكَ وَغَيْر السُّلْطَان .

[ السَّابِعَة ] اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي طَلَاق الْمُكْرَه وَعَتَاقه ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : لَا يَلْزَمهُ شَيْء . وَذَكَرَ اِبْن وَهْب عَنْ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ طَلَاقه شَيْئًا . وَذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحَسَن وَشُرَيْح وَالْقَاسِم وَسَالِم وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر . وَأَجَازَتْ طَائِفَة طَلَاقه ; رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَأَبِي قِلَابَة وَالزَّهْرِيّ وَقَتَادَة , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ . قَالَ أَبُو حَنِيفَة : طَلَاق الْمُكْرَه يَلْزَم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدَم فِيهِ أَكْثَر مِنْ الرِّضَا , وَلَيْسَ وُجُوده بِشَرْطٍ فِي الطَّلَاق كَالْهَازِلِ . وَهَذَا قِيَاس بَاطِل ; فَإِنَّ الْهَازِل قَاصِد إِلَى إِيقَاع الطَّلَاق رَاضٍ بِهِ , وَالْمُكْرَه غَيْر رَاضٍ وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الطَّلَاق , وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) . وَفِي الْبُخَارِيّ : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِيمَنْ يُكْرِههُ اللُّصُوص فَيُطَلِّق : لَيْسَ بِشَيْءٍ ; وَبِهِ قَالَ اِبْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر وَالشَّعْبِيّ وَالْحَسَن . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوص فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ , وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَان فَهُوَ طَلَاق . وَفَسَّرَهُ اِبْن عُيَيْنَة فَقَالَ : إِنَّ اللِّصّ يُقْدِم عَلَى قَتْله وَالسُّلْطَان لَا يَقْتُلهُ .

[ الثَّامِنَة ] وَأَمَّا بَيْع الْمُكْرَه وَالْمَضْغُوط فَلَهُ حَالَتَانِ . الْأُولَى : أَنْ يَبِيع مَاله فِي حَقّ وَجَبَ عَلَيْهِ ; فَذَلِكَ مَاضٍ سَائِغ لَا رُجُوع فِيهِ عِنْد الْفُقَهَاء ; لِأَنَّهُ يَلْزَمهُ أَدَاء الْحَقّ إِلَى رَبّه مِنْ غَيْر الْمَبِيع , فَلَمَّا لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ كَانَ بَيْعه اِخْتِيَارًا مِنْهُ فَلَزِمَهُ . وَأَمَّا بَيْع الْمُكْرَه ظُلْمًا أَوْ قَهْرًا فَذَلِكَ بَيْع لَا يَجُوز عَلَيْهِ . وَهُوَ أَوْلَى بِمَتَاعِهِ يَأْخُذهُ بِلَا ثَمَن , وَيَتْبَع الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ذَلِكَ الظَّالِم ; فَإِنْ فَاتَ الْمَتَاع رَجَعَ بِثَمَنِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ بِالْأَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الظَّالِم إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْر عَالِم بِظُلْمِهِ . قَالَ مُطَرِّف : وَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِينَ يَعْلَم حَال الْمُكْرَه فَإِنَّهُ ضَامِن لِمَا اِبْتَاعَ مِنْ رَقِيقه وَعُرُوضه كَالْغَاصِبِ , وَكُلَّمَا أَحْدَثَ الْمُبْتَاع فِي ذَلِكَ مِنْ عِتْق أَوْ تَدْبِير أَوْ تَحْبِيس فَلَا يَلْزَم الْمُكْرَه , وَلَهُ أَخْذ مَتَاعه . قَالَ سَحْنُون : أَجْمَعَ أَصْحَابنَا وَأَهْل الْعِرَاق عَلَى أَنَّ بَيْع الْمُكْرَه عَلَى الظُّلْم وَالْجَوْر لَا يَجُوز . وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ : إِنَّهُ إِجْمَاع .

[ التَّاسِعَة ] وَأَمَّا نِكَاح الْمُكْرَه ; فَقَالَ سَحْنُون : أَجْمَعَ أَصْحَابنَا عَلَى إِبْطَال نِكَاح الْمُكْرَه وَالْمُكْرَهَة , وَقَالُوا : لَا يَجُوز الْمُقَام عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِد . قَالَ مُحَمَّد بْن سَحْنُون : وَأَجَازَ أَهْل الْعِرَاق نِكَاح الْمُكْرَه , وَقَالُوا : لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَنْكِح اِمْرَأَة بِعَشَرَةِ آلَاف دِرْهَم , وَصَدَاق مِثْلهَا أَلْف دِرْهَم , أَنَّ النِّكَاح جَائِز وَتَلْزَمهُ الْأَلْف وَيَبْطُل الْفَضْل . قَالَ مُحَمَّد : فَكَمَا أَبْطَلُوا الزَّائِد عَلَى الْأَلْف فَكَذَلِكَ يَلْزَمهُمْ إِبْطَال النِّكَاح بِالْإِكْرَاهِ . وَقَوْلهمْ خِلَاف السُّنَّة الثَّابِتَة فِي حَدِيث خَنْسَاء بِنْت خِذَام الْأَنْصَارِيَّة , وَلِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاسْتِئْمَارِ فِي أَبْضَاعهنَّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ .

[ الْعَاشِرَة ] فَإِنْ وَطِئَهَا الْمُكْرَه عَلَى النِّكَاح غَيْر مُكْرَه عَلَى الْوَطْء وَالرِّضَا بِالنِّكَاحِ لَزِمَهُ النِّكَاح عِنْدنَا عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ الصَّدَاق وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدّ . وَإِنْ قَالَ : وَطِئْتهَا عَلَى غَيْر رِضًا مِنِّي بِالنِّكَاحِ فَعَلَيْهِ الْحَدّ وَالصَّدَاق الْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِإِبْطَالِ الصَّدَاق الْمُسَمَّى , وَتُحَدّ الْمَرْأَة إِنْ أَقْدَمَتْ وَهِيَ عَالِمَة أَنَّهُ مُكْرَه عَلَى النِّكَاح . وَأَمَّا الْمُكْرَهَة عَلَى النِّكَاح وَعَلَى الْوَطْء فَلَا حَدّ عَلَيْهَا وَلَهَا الصَّدَاق , وَيُحَدّ الْوَاطِئ ; فَاعْلَمْهُ . قَالَهُ سَحْنُون .

[ الْحَادِيَة عَشْرَة ] إِذَا اُسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَة عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدّ عَلَيْهَا ; لِقَوْلِهِ " إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ " وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) . وَلِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " فَإِنَّ اللَّه مِنْ بَعْد إِكْرَاههنَّ غَفُور رَحِيم " [ النُّور : 33 ] يُرِيد الْفَتَيَات . وَبِهَذَا الْمَعْنَى حَكَمَ عُمَر فِي الْوَلِيدَة الَّتِي اِسْتَكْرَهَهَا الْعَبْد فَلَمْ يَحُدّهَا . وَالْعُلَمَاء مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَدّ عَلَى اِمْرَأَة مُسْتَكْرَهَة . وَقَالَ مَالِك : إِذَا وُجِدَتْ الْمَرْأَة حَامِلًا وَلَيْسَ لَهَا زَوْج فَقَالَتْ اُسْتُكْرِهْت فَلَا يُقْبَل ذَلِكَ مِنْهَا وَعَلَيْهَا الْحَدّ , إِلَّا أَنْ تَكُون لَهَا بَيِّنَة أَوْ جَاءَتْ تَدْمِي عَلَى أَنَّهَا أُوتِيَتْ , أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ قَالَ : الرَّجْم فِي كِتَاب اللَّه حَقّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذَا أُحْصِنَّ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَة , أَوْ كَانَ الْحَبَل أَوْ الِاعْتِرَاف . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّل أَقُول .

[ الثَّانِيَة عَشْرَة ] وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوب الصَّدَاق لِلْمُسْتَكْرَهَةِ ; فَقَالَ عَطَاء وَالزُّهْرِيّ : لَهَا صَدَاق مِثْلهَا ; وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : إِذَا أُقِيمَ الْحَدّ عَلَى الَّذِي زَنَى بِهَا بَطَلَ الصَّدَاق . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيّ , وَبِهِ قَالَ أَصْحَاب مَالِك وَأَصْحَاب الرَّأْي . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الْقَوْل الْأَوَّل صَحِيح .

[ الثَّالِثَة عَشْرَة ] إِذَا أُكْرِهَ الْإِنْسَان عَلَى إِسْلَام أَهْله لِمَا لَمْ يَحِلّ أَسْلَمَهَا , وَلَمْ يَقْتُل نَفْسه دُونهَا وَلَا اِحْتَمَلَ أَذِيَّة فِي تَخْلِيصهَا . وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَاجَرَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بِسَارَة وَدَخَلَ بِهَا قَرْيَة فِيهَا مَلِك مِنْ الْمُلُوك أَوْ جَبَّار مِنْ الْجَبَابِرَة فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ بِهَا إِلَيَّ فَأَرْسَلَ بِهَا فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَتَوَضَّأ وَتُصَلِّي فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت آمَنْت بِك وَبِرَسُولِك فَلَا تُسَلِّط عَلَيَّ هَذَا الْكَافِر فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ ) . وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا عَلَى أَنَّ سَارَة لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مَلَامَة , فَكَذَلِكَ لَا يَكُون عَلَى الْمُسْتَكْرَهَة مَلَامَة , وَلَا حَدّ فِيمَا هُوَ أَكْبَر مِنْ الْخَلْوَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

[ الرَّابِعَة عَشْرَة ] وَأَمَّا يَمِين الْمُكْرَه فَغَيْر لَازِمَة . عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَكْثَر الْعُلَمَاء . قَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : وَسَوَاء حَلَفَ فِيمَا هُوَ طَاعَة لِلَّهِ أَوْ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَة إِذْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِين ; وَقَالَهُ أَصْبَغ . وَقَالَ مُطَرِّف : إِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِين فِيمَا هُوَ لِلَّهِ مَعْصِيَة أَوْ لَيْسَ فِي فِعْله طَاعَة وَلَا مَعْصِيَة فَالْيَمِين فِيهِ سَاقِطَة , وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِين فِيمَا هُوَ طَاعَة مِثْل أَنْ يَأْخُذ الْوَالِي رَجُلًا فَاسِقًا فَيُكْرِههُ أَنْ يَحْلِف بِالطَّلَاقِ لَا يَشْرَب خَمْرًا , أَوْ لَا يَفْسُق وَلَا يَغُشّ فِي عَمَله , أَوْ الْوَلَد يُحَلِّف وَلَده تَأْدِيبًا لَهُ فَإِنَّ الْيَمِين تَلْزَم ; وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَه قَدْ أَخْطَأَ فِيمَا يُكَلَّف مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ بِهِ اِبْن حَبِيب . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ : إِنَّهُ إِنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَل فَفَعَلَ حَنِثَ , قَالُوا : لِأَنَّ الْمُكْرَه لَهُ أَنْ يُوَرِّي فِي يَمِينه كُلّهَا , فَلَمَّا لَمْ يُوَرِّ وَلَا ذَهَبَتْ نِيَّته إِلَى خِلَاف مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَصَدَ إِلَى الْيَمِين . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنْ قَالُوا : إِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا فَنِيَّته مُخَالِفَة لِقَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ كَارِه لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ .

[ الْخَامِسَة عَشْرَة ] قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمِنْ غَرِيب الْأَمْر أَنَّ عُلَمَاءَنَا اِخْتَلَفُوا فِي الْإِكْرَاه عَلَى الْحِنْث هَلْ يَقَع بِهِ أَمْ لَا ; وَهَذِهِ مَسْأَلَة عِرَاقِيَّة سَرَتْ لَنَا مِنْهُمْ , لَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَا كَانُوا ! وَأَيّ فَرْق يَا مَعْشَر أَصْحَابنَا بَيْن الْإِكْرَاه عَلَى الْيَمِين فِي أَنَّهَا لَا تَلْزَم وَبَيْن الْحِنْث فِي أَنَّهُ لَا يَقَع ! فَاتَّقُوا اللَّه وَرَاجِعُوا بَصَائِركُمْ , وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَذِهِ الرِّوَايَة فَإِنَّهَا وَصْمَة فِي الدِّرَايَة .

[ السَّادِسَة عَشْرَة ] إِذَا أُكْرِهَ الرَّجُل عَلَى أَنْ يَحْلِف وَإِلَّا أُخِذَ لَهُ مَال كَأَصْحَابِ الْمَكْس وَظَلَمَة السُّعَاة وَأَهْل الِاعْتِدَاء ; فَقَالَ مَالِك : لَا تَقِيَّة لَهُ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا يَدْرَأ الْمَرْء بِيَمِينِهِ عَنْ بَدَنه لَا مَاله . وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : لَا يَحْنَث وَإِنْ دَرَأَ عَنْ مَاله وَلَمْ يَخَفْ عَلَى بَدَنه . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم بِقَوْلِ مُطَرِّف , وَرَوَاهُ عَنْ مَالِك , وَقَالَهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم وَأَصْبَغ .

قُلْت : قَوْل اِبْن الْمَاجِشُون صَحِيح ; لِأَنَّ الْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال كَالْمُدَافَعَةِ عَنْ النَّفْس ; وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَقَتَادَة وَسَيَأْتِي . وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام ) وَقَالَ : ( كُلّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم حَرَام دَمه وَمَاله وَعِرْضه ) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت إِنْ جَاءَ رَجُلًا يُرِيد أَخْذ مَالِي ؟ قَالَ : ( فَلَا تُعْطِهِ مَالَك ) . قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : ( قَاتِلْهُ ) قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : ( فَأَنْتَ شَهِيد ) قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ قَتَلْته ؟ قَالَ : ( هُوَ فِي النَّار ) خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ . وَقَالَ مُطَرِّف وَابْن الْمَاجِشُون : وَإِنْ بَدَرَ الْحَالِف بِيَمِينِهِ لِلْوَالِي الظَّالِم قَبْل أَنْ يَسْأَلهَا لِيَذُبّ بِهَا عَمَّا خَافَ عَلَيْهِ مِنْ مَاله وَبَدَنه فَحَلَفَ لَهُ فَإِنَّهَا تَلْزَمهُ . وَقَالَهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم وَأَصْبَغ . وَقَالَ أَيْضًا اِبْن الْمَاجِشُون فِيمَنْ أَخَذَهُ ظَالِم فَحَلَفَ لَهُ بِالطَّلَاقِ أَلْبَتَّةَ مِنْ غَيْر أَنْ يُحَلِّفهُ وَتَرَكَهُ وَهُوَ كَاذِب , وَإِنَّمَا حَلَفَ خَوْفًا مِنْ ضَرْبه وَقَتْله وَأَخْذ مَاله : فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا تَبَرَّعَ بِالْيَمِينِ غَلَبَة خَوْف وَرَجَاء النَّجَاة مِنْ ظُلْمه فَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِكْرَاه وَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يَحْلِف عَلَى رَجَاء النَّجَاة فَهُوَ حَانِث .

[ السَّابِعَة عَشْرَة ] قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاء : إِذَا تَلَفَّظَ الْمُكْرَه بِالْكُفْرِ فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُجْرِيه عَلَى لِسَانه إِلَّا مَجْرَى الْمَعَارِيض ; فَإِنَّ فِي الْمَعَارِيض لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِب . وَمَتَى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ كَافِرًا ; لِأَنَّ الْمَعَارِيض لَا سُلْطَان لِلْإِكْرَاهِ عَلَيْهَا . مِثَاله - أَنْ يُقَال لَهُ : اُكْفُرْ بِاَللَّهِ فَيَقُول بِاللَّاهِي ; فَيَزِيد الْيَاء . وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَهُ : اكْفُرْ بِالنَّبِيِّ فَيَقُول هُوَ كَافِر بِالنَّبِيِّ , مُشَدِّدًا وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفِع مِنْ الْأَرْض . وَيُطْلَق عَلَى مَا يُعْمَل مِنْ الْخُوص شَبَه الْمَائِدَة فَيَقْصِد أَحَدهمَا بِقَلْبِهِ وَيَبْرَأ مِنْ الْكُفْر وَيَبْرَأ مِنْ إِثْمه . فَإِنْ قِيلَ لَهُ : اكْفُرْ بِالنَّبِيءِ ( مَهْمُوزًا ) فَيَقُول هُوَ كَافِر بِالنَّبِيءِ يُرِيد بِالْمُخْبِرِ , أَيّ مُخْبِر كَانَ كَطُلَيْحَة وَمُسَيْلِمَة الْكَذَّاب . أَوْ يُرِيد بِهِ النَّبِيء الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِر : فَأَصْبَحَ رَتْمًا دُقَاق الْحَصَى مَكَان النَّبِيء مِنْ الْكَاثِب

[ الثَّامِنَة عَشْرَة ] أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْر فَاخْتَارَ الْقَتْل أَنَّهُ أَعْظَم أَجْرًا عِنْد اللَّه مِمَّنْ اِخْتَارَ الرُّخْصَة . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى غَيْر الْقَتْل مِنْ فِعْل مَا لَا يَحِلّ لَهُ ; فَقَالَ أَصْحَاب مَالِك : الْأَخْذ بِالشِّدَّةِ فِي ذَلِكَ وَاخْتِيَار الْقَتْل وَالضَّرْب أَفْضَل عِنْد اللَّه مِنْ الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ , ذَكَرَهُ اِبْن حَبِيب وَسَحْنُون . وَذَكَرَ اِبْن سَحْنُون عَنْ أَهْل الْعِرَاق أَنَّهُ إِذَا تَهَدَّدَ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْع أَوْ ضَرْب يَخَاف مِنْهُ التَّلَف فَلَهُ أَنْ يَفْعَل مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْب خَمْر أَوْ أَكْل خِنْزِير ; فَإِنْ لَمْ يَفْعَل حَتَّى قُتِلَ خِفْنَا أَنْ يَكُون آثِمًا لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ . وَرَوَى خَبَّاب بْن الْأَرَتّ قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّد بُرْدَة لَهُ فِي ظِلّ الْكَعْبَة فَقُلْت : أَلَا تَسْتَنْصِر لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا ؟ فَقَالَ : ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يُؤْخَذ الرَّجُل فَيُحْفَر لَهُ فِي الْأَرْض فَيُجْعَل فِيهَا فَيُجَاء بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَع عَلَى رَأْسه فَيُجْعَل نِصْفَيْنِ وَيُمَشَّط بِأَمْشَاطِ الْحَدِيد مَا دُون لَحْمه وَعَظْمه فَمَا يَصُدّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينه وَاَللَّه لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْر حَتَّى يَسِير الرَّاكِب مِنْ صَنْعَاء إِلَى حَضْرَمَوْت لَا يَخَاف إِلَّا اللَّه وَالذِّئْب عَلَى غَنَمه وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) . فَوَصْفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَنْ الْأُمَم السَّالِفَة عَلَى جِهَة الْمَدْح لَهُمْ وَالصَّبْر عَلَى الْمَكْرُوه فِي ذَات اللَّه , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا فِي الظَّاهِر وَتَبَطَّنُوا الْإِيمَان لِيَدْفَعُوا الْعَذَاب عَنْ أَنْفُسهمْ . وَهَذِهِ حُجَّة مَنْ آثَرَ الضَّرْب وَالْقَتْل وَالْهَوَان عَلَى الرُّخْصَة وَالْمُقَام بِدَارِ الْجِنَان . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي سُورَة [ الْأُخْدُود ] [ الْبُرُوج ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن الْفَرَج الْبَغْدَادِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا شُرَيْح بْن يُونُس عَنْ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن أَنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَة أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مُسَيْلِمَة , فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا : أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ . : أَتَشْهَد أَنِّي رَسُول اللَّه ؟ قَالَ نَعَمْ . فَخَلَّى عَنْهُ . وَقَالَ لِلْآخَرِ : أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : وَتَشْهَد أَنِّي رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : أَنَا أَصَمّ لَا أَسْمَع ; فَقَدَّمَهُ وَضَرَبَ عُنُقه . فَجَاءَ هَذَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلَكْت , قَالَ : ( وَمَا أَهْلَكَك ) ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث , قَالَ : أَمَّا صَاحِبك فَأَخَذَ بِالثِّقَةِ وَأَمَّا أَنْتَ فَأَخَذْت بِالرُّخْصَةِ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ السَّاعَة ) قَالَ : أَشْهَد أَنَّك رَسُول اللَّه . قَالَ ( أَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ ) . الرُّخْصَة فِيمَنْ حَلَّفَهُ سُلْطَان ظَالِم عَلَى نَفْسه أَوْ عَلَى أَنْ يَدُلّهُ عَلَى رَجُل أَوْ مَال رَجُل ; فَقَالَ الْحَسَن : إِذَا خَافَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَاله فَلْيَحْلِفْ وَلَا يُكَفِّر يَمِينه ; وَهُوَ قَوْل قَتَادَة إِذَا حَلَفَ عَلَى نَفْسه أَوْ مَال نَفْسه . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا . وَذَكَرَ مُوسَى بْن مُعَاوِيَة أَنَّ أَبَا سَعِيد بْن أَشْرَس صَاحِب مَالِك اِسْتَحْلَفَهُ السُّلْطَان بِتُونُس عَلَى رَجُل أَرَادَ السُّلْطَان قَتْله أَنَّهُ مَا آوَاهُ , وَلَا يَعْلَم لَهُ مَوْضِعًا ; قَالَ : فَحَلَفَ لَهُ اِبْن أَشْرَس ; وَابْن أَشْرَس يَوْمئِذٍ قَدْ عَلِمَ مَوْضِعه وَآوَاهُ , فَحَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا , فَحَلَفَ لَهُ اِبْن أَشْرَس , ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : اِعْتَزِلِي فَاعْتَزَلَتْهُ ; ثُمَّ رَكِبَ اِبْن أَشْرَس حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْبُهْلُول بْن رَاشِد الْقَيْرَوَان , فَأَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ ; فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُول : قَالَ مَالِك إِنَّك حَانِث . فَقَالَ اِبْن أَشْرَس : وَأَنَا سَمِعْت مَالِكًا يَقُول ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَرَدْت الرُّخْصَة أَوْ كَلَام هَذَا مَعْنَاهُ ; فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُول بْن رَاشِد : قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ إِنَّهُ لَا حِنْث عَلَيْك . قَالَ : فَرَجَعَ اِبْن أَشْرَس إِلَى زَوْجَته وَأَخَذَ بِقَوْلِ الْحَسَن . وَذَكَرَ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْبَد عَنْ الْمُسَيِّب بْن شَرِيك عَنْ أَبِي شَيْبَة قَالَ : سَأَلْت أَنَس بْن مَالِك عَنْ الرَّجُل يُؤْخَذ بِالرَّجُلِ , هَلْ تَرَى أَنْ يَحْلِف لِيَقِيَهُ بِيَمِينِهِ ؟ فَقَالَ نَعَمْ ; وَلَأَنْ أَحْلِف سَبْعِينَ يَمِينًا وَأَحْنَث أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ أَدُلّ عَلَى مُسْلِم . وَقَالَ إِدْرِيس بْن يَحْيَى كَانَ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك يَأْمُر جَوَاسِيس يَتَجَسَّسُونَ الْخَلْق يَأْتُونَهُ بِالْأَخْبَارِ , قَالَ : فَجَلَسَ رَجُل مِنْهُمْ فِي حَلْقَة رَجَاء بْن حَيْوَة فَسَمِعَ بَعْضهمْ يَقَع فِي الْوَلِيد , فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَجَاء ! أُذْكَر بِالسُّوءِ فِي مَجْلِسك وَلَمْ تُغَيِّر ! فَقَالَ : مَا كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ; فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد : قُلْ آللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , قَالَ : آللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , فَأَمَرَ الْوَلِيد بِالْجَاسُوسِ فَضَرَبَهُ سَبْعِينَ سَوْطًا , فَكَانَ يَلْقَى رَجَاء فَيَقُول : يَا رَجَاء , بِك يُسْتَقَى الْمَطَر , وَسَبْعُونَ سَوْطًا فِي ظَهْرِي ! فَيَقُول رَجَاء : سَبْعُونَ سَوْطًا فِي ظَهْرك خَيْر لَك مِنْ أَنْ يُقْتَل رَجُل مُسْلِم .

[ التَّاسِعَة عَشْرَة ] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَدّ الْإِكْرَاه ; فَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الرَّجُل آمَن عَلَى نَفْسه إِذَا أَخَفْته أَوْ أَوْثَقْته أَوْ ضَرَبْته . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : مَا كَلَام يَدْرَأ عَنِّي سَوْطَيْنِ إِلَّا كُنْت مُتَكَلِّمًا بِهِ . وَقَالَ الْحَسَن : التَّقِيَّة جَائِزَة لِلْمُؤْمِنِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , إِلَّا أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ يَجْعَل فِي الْقَتْل تَقِيَّة . وَقَالَ النَّخَعِيّ : الْقَيْد إِكْرَاه , وَالسَّجْن إِكْرَاه . وَهَذَا قَوْل مَالِك , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَالْوَعِيد الْمُخَوِّف إِكْرَاه وَإِنْ لَمْ يَقَع إِذَا تَحَقَّقَ ظُلْم ذَلِكَ الْمُعْتَدِي وَإِنْفَاذه لِمَا يَتَوَعَّد بِهِ , وَلَيْسَ عِنْد مَالِك وَأَصْحَابه فِي الضَّرْب وَالسَّجْن تَوْقِيت , إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ يُؤْلِم مِنْ الضَّرْب , وَمَا كَانَ مِنْ سِجْن يَدْخُل مِنْهُ الضِّيق عَلَى الْمُكْرَه . وَإِكْرَاه السُّلْطَان وَغَيْره عِنْد مَالِك إِكْرَاه . وَتَنَاقَضَ الْكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَجْعَلُوا السَّجْن وَالْقَيْد إِكْرَاهًا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاه يَكُون مِنْ غَيْر تَلَف نَفْس . وَذَهَبَ مَالِك إِلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى يَمِين بِوَعِيدٍ أَوْ سَجْن أَوْ ضَرْب أَنَّهُ يَحْلِف , وَلَا حِنْث عَلَيْهِ ; وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبِي ثَوْر وَأَكْثَر الْعُلَمَاء .

[ الْمُوَفِّيَة عِشْرِينَ ] وَمِنْ هَذَا الْبَاب مَا ثَبَتَ إِنَّ مِنْ الْمَعَارِيض لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِب . وَرَوَى الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْس إِذَا بَلَغَ الرَّجُل عَنْك شَيْء أَنْ تَقُول : وَاَللَّه , إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا قُلْت فِيك مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْء . قَالَ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب : مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه يَعْلَم أَنَّ الَّذِي قُلْت , وَهُوَ فِي ظَاهِره اِنْتِفَاء مِنْ الْقَوْل , وَلَا حِنْث عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَمِينه وَلَا كَذِب عَلَيْهِ فِي كَلَامه . وَقَالَ النَّخَعِيّ : كَانَ لَهُمْ كَلَام مِنْ أَلْغَاز الْأَيْمَان يَدْرَءُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسهمْ , لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ الْكَذِب وَلَا يَخْشَوْنَ فِيهِ الْحِنْث . قَالَ عَبْد الْمَلِك : وَكَانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ الْمَعَارِيض مِنْ الْكَلَام , إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْر مَكْر وَلَا خَدِيعَة فِي حَقّ . وَقَالَ الْأَعْمَش : كَانَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ إِذَا أَتَاهُ أَحَد يَكْرَه الْخُرُوج إِلَيْهِ جَلَسَ فِي مَسْجِد بَيْته وَقَالَ لِجَارِيَتِهِ : قُولِي لَهُ هُوَ وَاَللَّه فِي الْمَسْجِد . وَرَوَى مُغِيرَة عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ كَانَ يُجِيز لِلرَّجُلِ مِنْ الْبَعْث إِذَا عُرِضُوا عَلَى أَمِيرهمْ أَنْ يَقُول : وَاَللَّه مَا أَهْتَدِي إِلَّا مَا سَدَّدَ لِي غَيْرِي , وَلَا أَرْكَب إِلَّا مَا حَمَلَنِي غَيْرِي ; وَنَحْو هَذَا مِنْ الْكَلَام . قَالَ عَبْد الْمَلِك : يَعْنِي بِقَوْلِهِ ( غَيْرِي ) اللَّه تَعَالَى , هُوَ مُسَدِّده وَهُوَ يَحْمِلهُ ; فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ عَلَى الرَّجُل فِي هَذَا حِنْثًا فِي يَمِينه , وَلَا كَذِبًا فِي كَلَامه , وَكَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُقَال هَذَا فِي خَدِيعَة وَظُلْم وَجُحْدَان حَقّ فَمَنْ اِجْتَرَأَ وَفَعَلَ أَثِمَ فِي خَدِيعَته وَلَمْ تَجِب عَلَيْهِ كَفَّارَة فِي يَمِينه .


أَيْ وَسِعَهُ لِقَبُولِ الْكُفْر , وَلَا يَقْدِر أَحَد عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللَّه ; فَهُوَ يَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة . و ( صَدْرًا ) نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول .



وَهُوَ عَذَاب جَهَنَّم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن البشرية اليوم في أمسِّ الحاجة إلى التعرُّف على عظماء التاريخ الذين قدَّموا للعالم أجلّ الخدمات، وأروع الأعمال والأخلاق. ولا شك أن أعظم هؤلاء على الإطلاق هم أنبياء الله ورسله الذين اصطفاهم الله تعالى وكلَّفهم برسالاته، وعلى رأسهم أولو العزم من الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - عليهم الصلاة والسلام -. وإن أفضل وسيلة للتعريف بنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - هو التعريف به من خلال أقواله وأفعاله ومواقفه، وما أحدثَته من آثار في العالم كله، فتلك هي في الحقيقة سيرته وشخصيته ودعوته «فمن ثمارهم تعرفونهم». وهذا ما قصدتُ بيانَه في هذا الكتاب؛ حيث عمدتُ إلى جمع بعض أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في كثيرٍ من الموضوعات التي يحتاجها العالم المعاصر؛ ليتجلَّى للقارئ حاجة البشرية أجمع لتطبيق هذه الأقوال في عالم الواقع؛ لما تعود به من خيرٍ على الفرد والمجتمع والدولة والإنسانية، وهذا ما دعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين».

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346605

    التحميل:

  • رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشباب

    رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشباب: لقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في تعامله مع الناس عامة، ومع الشباب خاصة قبل البعثة وبعدها، مما حبَّب الناس إليه وألفهم عليه، فكان يثق في شباب الصحابة، ويستأمنهم على أمورٍ خاصة، وقد كانوا - رضوان الله عليهم - على مستوى المسئولية في ذلك، وفي هذا الكتاب مختصر بعض النماذج لهؤلاء الشباب الذين اعتنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتربيتهم وتعليمهم.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323296

    التحميل:

  • أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة

    أبو بكر الصديق أفضل الصحابة : هذا ملخص مرتب موثق بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة في بيان أفضلية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد لخصه المؤلف - رحمه الله - من كتاب « منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية »، لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144996

    التحميل:

  • أعياد الكفار وموقف المسلم منها

    طالب الإسلام أتباعه بالتميز عن غيرهم في العقائد والشعائر، في الشعور والإنتماء، في الأخلاق والمعاملات، في الملبس والمأكل والمشرب، ونحو ذلك من أعمال الظاهر والباطن؛ وهذا التميز يبني الشخصية الإسلامية المتزنة، المعتزة بدينها، الفخورة بانتمائها. ولهذا ترى المسلم الصادق شامخاً بدينه، سامقاً بعقيدته، لا يلتفت إلى الأمم الكافرة مهما بلغ سلطانها، ولا تشده الأهواء بزخارفها، ولاتلهيه الدنيا بمظاهرها. وحين نتأمل في واقع المسلمين اليوم، لا نجد ضعفاً في التميز فحسب، بل نجد كثيراً من المسلمين تأثر بغير المسلمين على اختلاف بينهم في التأثر: كثرة وقلة. والأعياد من جملة الشعائر الدينية، ولكل أصحاب ملة ودين أعياد يفرحون فيها ويمرحون، ويظهرون فيها شعائرهم، ويتميزون بها عن غيرهم، وفي هذا الكتاب بيان أعياد الكفار: تأريخها، أنواعها، بعض الطقوس والشعائر التي تقام فيها، والموقف الواجب على المسلم اتخاذه حيالها، كما بين بعض الأعياد المبتدعة لدى المسلمين، والسمات التي تميز العيد الإسلامي عن غيره.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/75917

    التحميل:

  • وداع الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته

    وداع الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «وداع النبي الكريم، والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم لأمته»، بينتُ فيه باختصار: خلاصة نسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وولادته، ووظيفته، واجتهاده، وجهاده، وخير أعماله، ووداعه لأمته في عرفات، ومنى، والمدينة، ووداعه للأحياء والأموات، ووصاياه في تلك المواضع، ثم بداية مرضه، واشتداده، ووصاياه لأمته، ووداعه لهم عند احتضاره، واختياره الرفيق الأعلى، وأنه مات شهيدًا، ومصيبة المسلمين بموته، وميراثه، ثم حقوقه على أمته، وذكرت الدروس، والفوائد، والعبر، والعظات المستنبطة في آخر كل مبحث من هذه المباحث».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1924

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة