Muslim Library

تفسير الطبري - سورة النحل - الآية 76

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (76) (النحل) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَالْآلِهَة الَّتِي تُعْبَد مِنْ دُونه , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } يَعْنِي بِذَلِكَ الصَّنَم أَنَّهُ لَا يَسْمَع شَيْئًا وَلَا يَنْطِق , لِأَنَّهُ إِمَّا خَشَب مَنْحُوت وَإِمَّا نُحَاس مَصْنُوع لَا يَقْدِر عَلَى نَفْع لِمَنْ خَدَمَهُ وَلَا دَفْع ضُرّ عَنْهُ . { وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ } يَقُول : وَهُوَ عِيَال عَلَى اِبْن عَمّه وَحُلَفَائِهِ وَأَهْل وِلَايَته , فَكَذَلِكَ الصَّنَم كَلّ عَلَى مَنْ يَعْبُدهُ , يَحْتَاج أَنْ يَحْمِلهُ وَيَضَعهُ وَيَخْدُمهُ , كَالْأَبْكَمِ مِنْ النَّاس الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , فَهُوَ كَلّ عَلَى أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَنِي أَعْمَامه وَغَيْرهمْ . { أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ } يَقُول : حَيْثُمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ , لِأَنَّهُ لَا يَفْهَم مَا يُقَال لَهُ , وَلَا يَقْدِر أَنْ يُعَبِّر عَنْ نَفْسه مَا يُرِيد , فَهُوَ لَا يَفْهَم وَلَا يُفْهَم عَنْهُ , فَكَذَلِكَ الصَّنَم لَا يَعْقِل مَا يُقَال لَهُ فَيَأْتَمِر لِأَمْرِ مَنْ أَمَرَهُ , وَلَا يَنْطِق فَيَأْمُر وَيَنْهَى ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } يَعْنِي : هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الْأَبْكَم الْكَلّ عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ حَيْثُ تَوَجَّهَ وَمَنْ هُوَ نَاطِق مُتَكَلِّم يَأْمُر بِالْحَقِّ وَيَدْعُو إِلَيْهِ وَهُوَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار الَّذِي يَدْعُو عِبَاده إِلَى تَوْحِيده وَطَاعَته ؟ يَقُول : لَا يَسْتَوِي هُوَ تَعَالَى ذِكْره , وَالصَّنَم الَّذِي صِفَته مَا وَصَفَ . وَقَوْله : { وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } يَقُول : وَهُوَ مَعَ أَمْره بِالْعَدْلِ , عَلَى طَرِيق مِنْ الْحَقّ فِي دُعَائِهِ إِلَى الْعَدْل وَأَمْره بِهِ مُسْتَقِيم , لَا يَعْوَجّ عَنْ الْحَقّ وَلَا يَزُول عَنْهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَضْرُوب لَهُ هَذَا الْمَثَل , فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16462 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } قَالَ : هُوَ الْوَثَن . { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } قَالَ : اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ . { وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِد يَقُول ; إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْمَثَل الْأَوَّل أَيْضًا ضَرَبَهُ اللَّه لِنَفْسِهِ وَلِلْوَثَنِ . 16463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } { وَرَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم } { وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } قَالَ : كُلّ هَذَا مَثَل إِلَه الْحَقّ , وَمَا يُدْعَى مِنْ دُونه مِنْ الْبَاطِل . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16464 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم } قَالَ : إِنَّمَا هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كِلَا الْمَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر . وَذَلِكَ قَوْل يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْهُ فِي الْمَثَل الْأَوَّل فِي مَوْضِعه . وَأَمَّا فِي الْمَثَل الْآخَر : 16465 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ } إِلَى آخِر الْآيَة , يَعْنِي بِالْأَبْكَمِ : الَّذِي هُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ الْكَافِر , وَبِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } الْمُؤْمِن , وَهَذَا الْمَثَل فِي الْأَعْمَال . 16466 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصَّبَّاح الْبَزَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إِسْحَاق السَّالَحِينِيّ , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا } قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ قُرَيْش وَعَبْده . وَفِي قَوْله : { مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } . .. إِلَى قَوْله : { وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } قَالَ : هُوَ عُثْمَان بْن عَفَّان . قَالَ : وَالْأَبْكَم الَّذِي أَيْنَمَا يُوَجَّه لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ , ذَاكَ مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان , كَانَ عُثْمَان يُنْفِق عَلَيْهِ وَيَكْفُلهُ وَيَكْفِيه الْمَئُونَة , وَكَانَ الْآخَر يَكْرَه الْإِسْلَام وَيَأْبَاهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الصَّدَقَة وَالْمَعْرُوف , فَنَزَلَتْ فِيهِمَا . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ فِي الْمَثَل الْأَوَّل لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْره مَثَّلَ مَثَل الْكَافِر بِالْعَبْدِ الَّذِي وَصَفَ صِفَته , وَمَثَّلَ مَثَل الْمُؤْمِن بِاَلَّذِي رَزَقَهُ حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِق مِمَّا رَزَقَهُ سِرًّا وَجَهْرًا , فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِلَّهِ مَثَلًا , إِذْ كَانَ اللَّه إِنَّمَا مَثَّلَ الْكَافِر الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء بِأَنَّهُ لَمْ يَرْزُقهُ رِزْقًا يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا , وَمَثَّلَ الْمُؤْمِن الَّذِي وَفَّقَهُ اللَّه لِطَاعَتِهِ فَهَدَاهُ لِرُشْدِهِ فَهُوَ يَعْمَل بِمَا يَرْضَاهُ اللَّه , كَالْحُرِّ الَّذِي بَسَطَ لَهُ فِي الرِّزْق فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا , وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره هُوَ الرَّازِق غَيْر الْمَرْزُوق , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُمَثِّل إِفْضَاله وَجُودَه بِإِنْفَاقِ الْمَرْزُوق الرِّزْق الْحَسَن . وَأَمَّا الْمَثَل الثَّانِي , فَإِنَّهُ تَمْثِيل مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره مَنْ مَثَله الْأَبْكَم الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَالْكُفَّار لَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ الْأَمْوَال الْكَثِيرَة , وَمَنْ يَضُرّ أَحْيَانًا الضُّرّ الْعَظِيم بِفَسَادِهِ , فَغَيْر كَائِن مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره مَثَلًا , لِمَنْ يَقْدِر عَلَى أَشْيَاء كَثِيرَة . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ أَوْلَى الْمَعَانِي بِهِ تَمْثِيل مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء ; كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره بِمَثَلِهِ مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , وَذَلِكَ الْوَثَن الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , بِالْأَبْكَمِ الْكَلّ عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء كَمَا قَالَ وَوَصَفَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فوائد مستنبطة من قصة يوسف

    فوائد مستنبطة من قصة يوسف: بعض الفوائد المستنبطة من سورة يوسف - عليه السلام - لما فيها من آيات وعبر منوعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد, وأيضاً فيها من التنقلات من حال إلى حال, ومن محنة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن ذلة ورق إلى عز وملك, ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وإدراك غايات, ومن حزن وترح إلى سرور وفرح, ومن رخاء إلى جدب, ومن جدب إلى رخاء, ومن ضيق إلى سعة، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة, فتبارك من قصها ووضحها وبينها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2136

    التحميل:

  • انطلق بنا

    انطلق بنا: قال المصنف - حفظه الله -: «انطلق بنا نقلب كتب الحديث والتاريخ والسير والتراجم، انطلق بنا نعود قرونا مضت لنرى تاريخًا مضيئًا وأفعالاً مجيدة، خرجت من نفوس مليئة بالصدق والإيمان. انطلق بنا نجدد إيماننا، ونحيي هممنا، ونقوي عزائمنا. إنها وقفات سريعة ونماذج حية اخترتها بعناية وهي غيض من فيض وقليل من كثير.. فسجل الأمة تاريخ حافل مشرق مليء بالدر والآلئ يحتاج إلى من يقرأه وينظر إليه، ويتأمل فيه».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229617

    التحميل:

  • حقيقة التصوف وموقف الصوفية من أصول العبادة والدين

    حقيقة التصوف وموقف الصوفية من أصول العبادة والدين: رسالة قيمة توضح حقيقة العبادة التي شرعها الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وبيان ما عليه الصوفية اليوم من انحرافات عن حقيقة تلك العبادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2068

    التحميل:

  • ظاهرة ضعف الإيمان

    ظاهرة ضعف الإيمان: من الظواهر التي لا يستطيع منصف أن ينكرها، ظاهرة ضعف الإيمان في قلوب كثير من المسلمين، فكثيرًا ما يشتكي المسلم من قسوة قلبه وعدم شعوره بلذة الطاعة، وسهولة الوقوع في المعصية، وفي هذا الكتيب علاج لهذه المشكلة، ونبشر الإخوة بأن مجموعة مواقع islamhouse تنشر الكتاب حصرياً بأكثر من 5 لغات عالمية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338103

    التحميل:

  • فقر المشاعر

    فقر المشاعر : هذه صفحات حول ظاهرة تحتاج إلى بسط، وإلقاء ضوء، وعلاج، تلكم هي ظاهرة فقر المشاعر. هذه الظاهرة التي عمت، وكثرت الشكوى منها، وصارت من ضمن مايبحث فيه المصلحون، ويسعون إلى علاجه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172592

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة