Muslim Library

تفسير الطبري - سورة النحل - الآية 66

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (66) (النحل) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَام لَعِبْرَة نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنَّ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس لَعِظَة فِي الْأَنْعَام الَّتِي نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { نُسْقِيكُمْ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة أَهْل مَكَّة وَالْعِرَاق وَالْكُوفَة وَالْبَصْرَة , سِوَى عَاصِم , وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة أَبُو جَعْفَر : { نُسْقِيكُمْ } بِضَمِّ النُّون . بِمَعْنَى : أَنَّهُ أَسْقَاهُمْ شَرَابًا دَائِمًا . وَكَانَ الْكِسَائِيّ يَقُول : الْعَرَب تَقُول : أَسْقَيْنَاهُمْ نَهْرًا وَأَسْقَيْنَاهُمْ لَبَنًا : إِذَا جَعَلَتْهُ شِرْبًا دَائِمًا , فَإِذَا أَرَادُوا أَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ شَرْبَة قَالُوا : سَقَيْنَاهُمْ فَنَحْنُ نَسْقِيهِمْ بِغَيْرِ أَلِف . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة سِوَى أَبِي جَعْفَر , وَمِنْ أَهْل الْعِرَاق عَاصِم : " نَسْقِيكُمْ " بِفَتْحِ النُّون مِنْ سَقَاهُ اللَّه فَهُوَ يَسْقِيه . وَالْعَرَب قَدْ تُدْخِل الْأَلِف فِيمَا كَانَ مِنْ السَّقْي غَيْر دَائِم وَتَنْزِعهَا فِيمَا كَانَ دَائِمًا , وَإِنْ كَانَ أَشْهَر الْكَلَامَيْنِ عِنْدهَا مَا قَالَ الْكِسَائِيّ , يَدُلّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ , قَوْل لَبِيد فِي صِفَة سَحَاب : سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْد وَأَسْقَى نُمَيْرًا وَالْقَبَائِل مِنْ هِلَال فَجَمَعَ اللُّغَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فِي مَعْنًى وَاحِد . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبِأَيَّةِ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ قِرَاءَة ضَمّ النُّون لِمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّ أَكْثَر الْكَلَامَيْنِ عِنْد الْعَرَب فِيمَا كَانَ دَائِمًا مِنْ السَّقْي أَسْقَى بِالْأَلِفِ فَهُوَ يَسْقِي , وَمَا أَسْقَى اللَّه عِبَاده مِنْ بُطُون الْأَنْعَام فَدَائِم لَهُمْ غَيْر مُنْقَطِع عَنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { مِمَّا فِي بُطُونه } وَقَدْ ذَكَرَ الْأَنْعَام قَبْل ذَلِكَ , وَهِيَ جَمْع وَالْهَاء فِي الْبُطُون مُوَحَّدَة , فَإِنَّ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا , فَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : النَّعَم وَالْأَنْعَام شَيْء وَاحِد , لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَمْعَانِ , فَرَدَّ الْكَلَام فِي قَوْله : { مِمَّا فِي بُطُونه } إِلَى التَّذْكِير مُرَادًا بِهِ مَعْنَى النِّعَم , إِذْ كَانَ يُؤَدِّي عَنْ الْأَنْعَام ; وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِ ذَلِكَ بِرَجَزِ بَعْض الْأَعْرَاب : إِذَا رَأَيْت أَنْجُمًا مِنْ الْأَسَدْ جَبْهَته أَوْ الْخَرَاة وَالْكَتَدْ بَالَ سُهَيْل فِي الْفَضِيخ فَفَسَدْ وَطَابَ أَلْبَان اللِّقَاح فَبَرَدْ وَيَقُول : رَجَعَ بِقَوْلِهِ : " فَبَرَدْ " إِلَى مَعْنَى اللَّبَن , لِأَنَّ اللَّبَن وَالْأَلْبَان تَكُون فِي مَعْنًى وَاحِد . وَفِي تَذْكِير النَّعَم قَوْل الْآخَر : أَكُلّ عَام نَعَم تَحْوُونَهْ يُلَقِّحهُ قَوْم وَتَنْتِجُونَهْ فَذَكَّرَ النَّعَم . وَكَانَ غَيْره مِنْهُمْ يَقُول : إِنَّمَا قَالَ : { مِمَّا فِي بُطُونه } لِأَنَّهُ أَرَادَ : مِمَّا فِي بُطُون مَا ذَكَرْنَا ; وَيَنْشُد فِي ذَلِكَ رَجَزًا لِبَعْضِهِمْ : مِثْل الْفِرَاخ نُتِّفَتْ حَوَاصِلُهْ وَقَوْل الْأَسْوَد بْن يَعْفُر : إِنَّ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف كِلَاهُمَا يُوفِي الْمَخَارِم يَرْقُبَانِ سَوَادِي فَقَالَ : " كِلَاهُمَا " , وَلَمْ يَقُلْ : " كِلْتَاهُمَا " ; وَقَوْل الصَّلَتَان الْعَبْدِيّ : إِنَّ السَّمَاحَة وَالْمُرُوءَة ضُمِّنَا قَبْرًا بِمَرْو عَلَى الطَّرِيق الْوَاضِح وَقَوْل الْآخَر : وَعَفْرَاء أَدْنَى النَّاس مِنِّي مَوَدَّة وَعَفْرَاء عَنِّي الْمُعْرِض الْمُتَوَانِي وَلَمْ يَقُلْ : الْمُعْرِضَة الْمُتَوَانِيَة ; وَقَوْل الْآخَر : إِذَا النَّاس نَاس وَالْبِلَاد بِغِبْطَةٍ وَإِذْ أُمّ عَمَّار صَدِيق مُسَاعِف وَيَقُول : كُلّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى هَذَا الشَّيْء وَهَذَا الشَّخْص وَالسَّوَاد , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَيَقُول : مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ هَذَا رَبِّي } 6 78 بِمَعْنَى : هَذَا الشَّيْء الطَّالِع , وَقَوْله : { كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } 80 11 : 12 وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهَا , لِأَنَّ مَعْنَاهُ : فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ هَذَا الشَّيْء , وَقَوْله : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَة بِمَ يَرْجِع الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَان } 27 35 : 36 وَلَمْ يَقُلْ " جَاءَتْ " . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : قِيلَ : { مِمَّا فِي بُطُونه } لِأَنَّ الْمَعْنَى : نُسْقِيكُمْ مِنْ أَيّ الْأَنْعَام كَانَ فِي بُطُونه . وَيَقُول : فِيهِ اللَّبَن مُضْمَر , يَعْنِي أَنَّهُ يَسْقِي مِنْ أَيّهَا كَانَ ذَا لَبَن , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّهَا لَبَن , وَإِنَّمَا يُسْقَى مِنْ ذَوَات اللَّبَن . وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ أَصَحّ مَخْرَجًا عَلَى كَلَام الْعَرَب مِنْ هَذَا الْقَوْل الثَّالِث .

وَقَوْله : { مِنْ بَيْن فَرْث وَدَم لَبَنًا خَالِصًا } يَقُول : نُسْقِيكُمْ لَبَنًا , نُخْرِجهُ لَكُمْ مِنْ بَيْن فَرْث وَدَم خَالِصًا ; يَقُول : خَلَصَ مِنْ مُخَالَطَة الدَّم وَالْفَرْث فَلَمْ يَخْتَلِطَا بِهِ .

{ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ } يَقُول : يَسُوغ لِمَنْ شَرِبَهُ فَلَا يَغَصّ بِهِ كَمَا يَغَصّ الْغَاصّ بِبَعْضِ مَا يَأْكُلهُ مِنْ الْأَطْعِمَة . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَغَصّ أَحَد بِاللَّبَنِ قَطُّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

    من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم: قال المؤلف - رحمه الله -:- « فلما كانت معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - أنوارًا تشرق على القلوب الطافحة بالإيمان وتزيدها قوة وثباتًا واستقامة؛ أحببت أن أذكر ما تيسر منها، والله المسؤل أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2560

    التحميل:

  • منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة

    منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: « .. والبشريةُ كلها - وبخاصَّة: العلماء، والدعاة، والمُرشدين، والمُصلِحين - في أمسِّ الحاجةِ إلى معرفةِ المنهج الذي سار عليه الأنبياءُ أثناء مُعالجَتهم لقضيةِ الشركِ، ودعوتهم إلى وحدانية الله تعالى وعبادته وحده دون غيره. لذلك فقد رأيتُ أن أضعَ كتابًا أُبيِّن فيه المنهجَ القويمَ الذي سارَ عليه الأنبياءُ أولو العزمِ في دعوتهم إلى وحدانية الله تعالى ... واعتمدتُ في المادة العلمية لهذا الكتاب على نصوصِ القرآن الكريم، وسنَّة الهادي البشير - صلى الله عليه وسلم -، وهدفي من وراء ذلك: التأسِّي بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، والسير على المنهجِ الذي سارُوا عليه؛ لأنه المنهجُ الذي هداهُم إليه ربُّ العالمين».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385227

    التحميل:

  • دموع المآذن [ القاسم ]

    دموع المآذن: قال المصنف - حفظه الله -: «رسائل كثيرة كتبت.. وصداقات كثيرة انقطعت.. بقيت ثلاث رسائل... وبقيت محبة خالصة.. تقويها روابط الإسلام وتشدها وشائج الإيمان. يسقيها الصدق من منبعه والوفاء من معينه. ثلاث رسائل كتبت بصدق.. وحفظها الزمن.. تنثر بين يدي القارئ.. فلربما كان بحاجة إليها.. تقيل العثرة وتنير الطريق».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229609

    التحميل:

  • عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

    عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين : يتناول ابن القيم موضوع محدد هو الصبر وأقسامه؛ المحمود منه والمذموم. وما ورد في الصبر في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، وفي أقوال الصحابة والتابعين. وقد عمد إلى ربط الصبر بكل أمر من أمور الحياة فيذكر الصبر الجميل والورع الكاذب ويضرب الأمثال من الحديث النبوي الشريف على الدنيا وتمثيل حقيقتها ببيان قصرها وطول ما قبلها وما بعدها.. إلى ما هنالك من أمور بحثها في أسلوب شيق وممتع لا يخلو من إسقاطات على الواقع المعاصر.

    المدقق/المراجع: إسماعيل بن غازي مرحبا

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265622

    التحميل:

  • الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة

    الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة: كتيب مبسط يحتوي على بيان حكم الدعوة إلى الله وفضلها، وكيفية أدائها، وأساليبها، وبيان الأمر الذي يدعى إليه، وبيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1886

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة