وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) (النحل)
تفسير الطبري وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ فَارَقُوا قَوْمهمْ وَدُورهمْ وَأَوْطَانهمْ عَدَاوَة لَهُمْ فِي اللَّه عَلَى كُفْرهمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرهمْ . { مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا } يَقُول : مِنْ بَعْد مَا نِيلَ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسهمْ بِالْمَكَارِهِ فِي ذَات اللَّه . { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } يَقُول : لَنُسْكِنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْكَنًا يَرْضَوْنَهُ صَالِحًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16306 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظَلَمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ أَصْحَاب مُحَمَّد ظَلَمَهُمْ أَهْل مَكَّة , فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارهمْ حَتَّى لَحِقَ طَوَائِف مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ , ثُمَّ بَوَّأَهُمْ اللَّه الْمَدِينَة بَعْد ذَلِكَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ دَار هِجْرَة , وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . 16307 - حُدِّثْت عَنْ الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } قَالَ : الْمَدِينَة . 16308 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } قَالَ : هُمْ قَوْم هَاجَرُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل مَكَّة بَعْد ظُلْمهمْ , وَظَلَمَهُمْ الْمُشْرِكُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } لِنَرْزُقهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16309 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } لَنَرْزُقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16310 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْعَوَّام , عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَطَاءَهُ يَقُول : خُذْ بَارَكَ اللَّه لَك فِيهِ , هَذَا مَا وَعَدَك اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَمَا ذَخَرَهُ لَك فِي الْآخِرَة أَفْضَل . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَلَأَجْر الْآجِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } : لَنُحِلّهُمْ وَلَنُسْكِنَنَّهُم , لِأَنَّ التَّبَوُّء فِي كَلَام الْعَرَب الْحُلُول بِالْمَكَانِ وَالنُّزُول بِهِ . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مُبَوَّأ صِدْق } وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16311 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد , قَالَ : نَزَلَتْ { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا } إِلَى قَوْله : { وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ } فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل .
وَقَوْله : { وَلَأَجْر الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَثَوَاب اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى هِجْرَتهمْ فِيهِ فِي الْآخِرَة أَكْبَر , لِأَنَّ ثَوَابه إِيَّاهُمْ هُنَالِكَ الْجَنَّة الَّتِي يَدُوم نَعِيمهَا وَلَا يَبِيد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16312 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ اللَّه : { وَلَأَجْر الْآخِرَة أَكْبَر } أَيْ وَاَللَّه لِمَا يُثِيبهُمْ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ جَنَّته أَكْبَر { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }
