إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128) (النحل)
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرك إِلَّا بِاَللَّهِ وَلَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاصْبِرْ يَا مُحَمَّد عَلَى مَا أَصَابَك مِنْ أَذًى فِي اللَّه . { وَمَا صَبْرك إِلَّا بِاَللَّهِ } يَقُول : وَمَا صَبْرك إِنْ صَبَرْت إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّه وَتَوْفِيقه إِيَّاكَ لِذَلِكَ . { وَلَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ } يَقُول : وَلَا تَحْزَن عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَك وَيُنْكِرُونَ مَا جِئْتهمْ بِهِ فِي آنٍ وَلَّوْا عَنْك وَأَعْرَضُوا عَمَّا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ النَّصِيحَة . { وَلَا تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ } يَقُول : وَلَا يَضِقْ صَدْرك بِمَا يَقُولُونَ مِنْ الْجَهْل وَنِسْبَتهمْ مَا جِئْتهمْ بِهِ إِلَى أَنَّهُ سِحْر أَوْ شِعْر أَوْ كِهَانَة . { مِمَّا يَمْكُرُونَ } مِمَّا يَحْتَالُونَ بِالْخُدَعِ فِي الصَّدّ عَنْ سَبِيل اللَّه مَنْ أَرَادَ الْإِيمَان بِك وَالتَّصْدِيق بِمَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْك . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق : { وَلَا تَكُ فِي ضَيْق } بِفَتْحِ الضَّاد فِي الضَّيْق عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ تَأْوِيله . وَقِرَاءَة بَعْض قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " وَلَا تَكُ فِي ضِيق " بِكَسْرِ الضَّاد . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { فِي ضَيْق } بِفَتْحِ الضَّاد , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا نَهَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضِيق صَدْره مِمَّا يَلْقَى مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى تَبْلِيغه إِيَّاهُمْ وَحْي اللَّه وَتَنْزِيله , فَقَالَ لَهُ : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ لِتُنْذِر بِهِ } 7 2 وَقَالَ : { فَلَعَلَّك تَارِك بَعْض مَا يُوحَى إِلَيْك وَضَائِق بِهِ صَدْرك أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْز أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَك إِنَّمَا أَنْتَ نَذِير } 11 12 وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي نَهَاهُ تَعَالَى ذِكْره , فَفَتْح الضَّاد هُوَ الْكَلَام الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى , تَقُول الْعَرَب : فِي صَدْرِي مِنْ هَذَا الْأَمْر ضَيْق , وَإِنَّمَا تَكْسِر الضَّاد فِي الشَّيْء الْمُعَاش وَضِيق الْمَسْكَن وَنَحْو ذَلِكَ . فَإِنْ وَقَعَ الضَّيْق بِفَتْحِ الضَّاد فِي مَوْضِع الضِّيق بِالْكَسْرِ , كَانَ عَلَى الَّذِي يَتَّسِع أَحْيَانًا وَيَضِيق مِنْ قِلَّة أَحَد وَجْهَيْنِ , إِمَّا عَلَى جَمْع الضَّيْقَة , كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : فَلَئِنْ رَبّك مِنْ رَحْمَته كَشَفَ الضَّيْقَة عَنَّا وَفَسَحْ وَالْآخَر عَلَى تَخْفِيف الشَّيْء الضَّيِّق , كَمَا يُخَفَّف الْهَيِّن اللَّيِّن , فَيُقَال : هُوَ هَيْن لَيْن .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { إِنَّ اللَّه } يَا مُحَمَّد { مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا } اللَّه فِي مَحَارِمه فَاجْتَنَبُوهَا , وَخَافُوا عِقَابه عَلَيْهَا , فَأَحْجَمُوا عَنْ التَّقَدُّم عَلَيْهَا . { وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } يَقُول : وَهُوَ مَعَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ رِعَايَة فَرَائِضه وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِ وَلُزُوم طَاعَته فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16611 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } قَالَ : اِتَّقُوا اللَّه فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ , وَأَحْسَنُوا فِيمَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ رَجُل , عَنْ الْحَسَن , مِثْله . 16612 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَرَم بْن حَيَّان الْعَبْدِيّ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْت , قِيلَ لَهُ : أَوْصِ ! قَالَ : مَا أَدْرِي مَا أُوصِي , وَلَكِنْ بِيعُوا دِرْعِي فَاقْضُوا عَنِّي دَيْنِي , فَإِنْ لَمْ تَفِ فَبِيعُوا فَرَسِي , فَإِنْ لَمْ يَفِ فَبِيعُوا غُلَامِي , وَأُوصِيكُمْ بِخَوَاتِيم سُورَة النَّحْل : { اُدْعُ إِلَى سَبِيل رَبّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيله وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْر لِلصَّابِرِينَ } ذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ : " بَلْ نَصْبِر " .
