Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 93

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) (الحجر) mp3
أَيْ لَنَسْأَلَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَرَى ذِكْرهمْ عَمَّا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا . وَفِي الْبُخَارِيّ : وَقَالَ عِدَّة مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي قَوْله : " فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " عَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .

قُلْت : وَهَذَا قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا , رَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم قَالَ : حَدَّثَنَا الْجَارُود بْن مُعَاذ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى عَنْ شَرِيك عَنْ لَيْث عَنْ بَشِير بْن نَهِيك عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : " فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " قَالَ : ( عَنْ قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : مَعْنَاهُ عِنْدنَا عَنْ صِدْق لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَوَفَائِهَا ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ فِي تَنْزِيله الْعَمَل فَقَالَ : " عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وَلَمْ يَقُلْ عَمَّا كَانُوا يَقُولُونَ , وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْقَوْل أَيْضًا عَمَل اللِّسَان , فَإِنَّمَا الْمَعْنَى بِهِ مَا يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْقَوْل قَوْل وَالْعَمَل عَمَل . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) أَيْ عَنْ الْوَفَاء بِهَا وَالصِّدْق لِمَقَالِهَا . كَمَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَيْسَ الْإِيمَان بِالتَّحَلِّي وَلَا الدِّين بِالتَّمَنِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوب وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَال . وَلِهَذَا مَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّة ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا إِخْلَاصهَا ؟ قَالَ : ( أَنْ تَحْجِزهُ عَنْ مَحَارِم اللَّه ) . رَوَاهُ زَيْد بْن أَرْقَم . وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَهِدَ إِلَيَّ أَلَّا يَأْتِينِي أَحَد مِنْ أُمَّتِي بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه لَا يَخْلِط بِهَا شَيْئًا إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا الَّذِي يَخْلِط بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ قَالَ : ( حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَجَمْعًا لَهَا وَمَنْعًا لَهَا , يَقُولُونَ قَوْل الْأَنْبِيَاء وَيَعْمَلُونَ أَعْمَال الْجَبَابِرَة ) . وَرَوَى أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه تَمْنَع الْعِبَاد مِنْ سَخَط اللَّه مَا لَمْ يُؤْثِرُوا صَفْقَة دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينهمْ فَإِذَا آثَرُوا صَفْقَة دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينهمْ ثُمَّ قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه رُدَّتْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ اللَّه كَذَبْتُمْ ) . أَسَانِيدهَا فِي نَوَادِر الْأُصُول .

قُلْت : وَالْآيَة بِعُمُومِهَا تَدُلّ عَلَى سُؤَال الْجَمِيع ) وَمُحَاسَبَتهمْ كَافِرهمْ وَمُؤْمِنهمْ , إِلَّا مَنْ دَخَلَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) . فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ يُسْأَل الْكَافِر وَيُحَاسَب ؟ قُلْنَا : فِيهِ خِلَاف وَذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة . وَاَلَّذِي يَظْهَر سُؤَاله , لِلْآيَةِ وَقَوْله : " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " [ الصَّافَّات : 24 ] وَقَوْله : " إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابهمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهمْ " [ الْغَاشِيَة : 25 - 26 ] . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ " [ الْقَصَص : 78 ] وَقَالَ : " فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ " [ الرَّحْمَن : 39 ] , وَقَالَ : " وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه " [ الْبَقَرَة : 174 ] , وَقَالَ : " إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " [ الْمُطَفِّفِينَ : 15 ] . قُلْنَا : الْقِيَامَة مَوَاطِن , فَمَوْطِن يَكُون فِيهِ سُؤَال وَكَلَام , وَمَوْطِن لَا يَكُون ذَلِكَ فِيهِ . قَالَ عِكْرِمَة : الْقِيَامَة مَوَاطِن , يُسْأَل فِي بَعْضهَا وَلَا يُسْأَل فِي بَعْضهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا يَسْأَلهُمْ سُؤَال اِسْتِخْبَار وَاسْتِعْلَام هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ; لِأَنَّ اللَّه عَالِم بِكُلِّ شَيْء , وَلَكِنْ يَسْأَلهُمْ سُؤَال تَقْرِيع وَتَوْبِيخ فَيَقُول لَهُمْ : لِمَ عَصَيْتُمْ الْقُرْآن وَمَا حُجَّتكُمْ فِيهِ ؟ وَاعْتَمَدَ قُطْرُب هَذَا الْقَوْل . وَقِيلَ : " لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَلَّفِينَ ; بَيَانه قَوْله تَعَالَى : " ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيم " [ التَّكَاثُر : 8 ] . وَالْقَوْل بِالْعُمُومِ أَوْلَى كَمَا ذُكِرَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ظاهرة ضعف الإيمان

    ظاهرة ضعف الإيمان: من الظواهر التي لا يستطيع منصف أن ينكرها، ظاهرة ضعف الإيمان في قلوب كثير من المسلمين، فكثيرًا ما يشتكي المسلم من قسوة قلبه وعدم شعوره بلذة الطاعة، وسهولة الوقوع في المعصية، وفي هذا الكتيب علاج لهذه المشكلة، ونبشر الإخوة بأن مجموعة مواقع islamhouse تنشر الكتاب حصرياً بأكثر من 5 لغات عالمية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338103

    التحميل:

  • مفتاح النجاح

    مفتاح النجاح: الكلمة الطيبة، والنصيحة الصادقة، المستمدتان من الكتاب والسنة، ومن سيرة السلف الصالح، ومن سلوك علماء الأمة العاملين. إن هذه الكلمة وتلك النصيحة لتشدان الهمم وخاصة لأصحاب المواهب في الأمة بوصفهم مصابيح ظلامها، ومعارج رفعتها، فبهم تزدهر وتتقدم، ومن هنا كانت حاجتهم إلى الرعاية الخاصة والنصح والإرشاد مسيسة؛ لأن في هذا تحفيزًا للنفوس، وتقوية للعزيمة، ليشمر المرء عن ساعد الجد والاجتهاد في طريق رضوان الله وبناء الأمة القويمة. وجاء كتابنا هذا ليضم من الحكَم والمواعظ النثرية والشعرية ما ترتاح له النفس، ويحيا به القلب، كما أنه دعوة صادقة لكل موهوب أن هيا إلى المجد وأقبل على المعالي، فلا مكان لمتخلف بين متقدمين، ولا مكان لخامل بين مُجدِّين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324355

    التحميل:

  • مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحها العديد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله -، وذلك في صورة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2563

    التحميل:

  • روح الصيام ومعانيه

    روح الصيام ومعانيه : تحدث فيه عن استغلال هذا الشهر الكريم, ليحقق المسلم فيه أقصى استفادة ممكنة, عبر الحديث عن روح العبادات والطاعات المختلفة التي نؤديها في رمضان, لتنمو قابلية الطاعة فينا, فتتحول إلى سجية بعد رمضان.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205812

    التحميل:

  • صلاة الجماعة في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الجماعة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «صلاة الجماعة» بيّنت فيها: مفهوم صلاة الجماعة، وحكمها، وفوائدها، وفضلها، وفضل المشي إليها، وآداب المشي إليها، وانعقادها باثنين، وإدراكها بركعة، وأن صلاة الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته صلاة الجماعة الأولى مع الإمام، وأن من صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة، وأن المسبوق يدخل مع الإمام على أي حال وجده، ولكن لا يعتد بركعة لا يدرك ركوعها، ويصلي ما بقي من صلاته إذا سلم إمامه. وقرنتُ كلَّ مسألة بدليلها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1922

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة