Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 92

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) (الحجر) mp3
أَيْ لَنَسْأَلَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَرَى ذِكْرهمْ عَمَّا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا . وَفِي الْبُخَارِيّ : وَقَالَ عِدَّة مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي قَوْله : " فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " عَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .

قُلْت : وَهَذَا قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا , رَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم قَالَ : حَدَّثَنَا الْجَارُود بْن مُعَاذ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى عَنْ شَرِيك عَنْ لَيْث عَنْ بَشِير بْن نَهِيك عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : " فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " قَالَ : ( عَنْ قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : مَعْنَاهُ عِنْدنَا عَنْ صِدْق لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَوَفَائِهَا ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ فِي تَنْزِيله الْعَمَل فَقَالَ : " عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وَلَمْ يَقُلْ عَمَّا كَانُوا يَقُولُونَ , وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْقَوْل أَيْضًا عَمَل اللِّسَان , فَإِنَّمَا الْمَعْنِيّ بِهِ مَا يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْقَوْل قَوْل وَالْعَمَل عَمَل . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) أَيْ عَنْ الْوَفَاء بِهَا وَالصِّدْق لِمَقَالِهَا . كَمَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَيْسَ الْإِيمَان بِالتَّحَلِّي وَلَا الدِّين بِالتَّمَنِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوب وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَال . وَلِهَذَا مَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّة ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا إِخْلَاصهَا ؟ قَالَ : ( أَنْ تَحْجِزهُ عَنْ مَحَارِم اللَّه ) . رَوَاهُ زَيْد بْن أَرْقَم . وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَهِدَ إِلَيَّ أَلَّا يَأْتِينِي أَحَد مِنْ أُمَّتِي بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه لَا يَخْلِط بِهَا شَيْئًا إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا الَّذِي يَخْلِط بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ قَالَ : ( حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَجَمْعًا لَهَا وَمَنْعًا لَهَا , يَقُولُونَ قَوْل الْأَنْبِيَاء وَيَعْمَلُونَ أَعْمَال الْجَبَابِرَة ) . وَرَوَى أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه تَمْنَع الْعِبَاد مِنْ سَخَط اللَّه مَا لَمْ يُؤْثِرُوا صَفْقَة دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينهمْ فَإِذَا آثَرُوا صَفْقَة دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينهمْ ثُمَّ قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه رُدَّتْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ اللَّه كَذَبْتُمْ ) . أَسَانِيدهَا فِي نَوَادِر الْأُصُول .

قُلْت : وَالْآيَة بِعُمُومِهَا تَدُلّ عَلَى سُؤَال الْجَمِيع وَمُحَاسَبَتهمْ كَافِرهمْ وَمُؤْمِنهمْ , إِلَّا مَنْ دَخَلَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) . فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ يُسْأَل الْكَافِر وَيُحَاسَب ؟ قُلْنَا : فِيهِ خِلَاف وَذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة . وَاَلَّذِي يَظْهَر سُؤَاله لِلْآيَةِ وَقَوْله : " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " [ الصَّافَّات : 24 ] وَقَوْله : " إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابهمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهمْ " [ الْغَاشِيَة : 25 - 26 ] . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ " [ الْقَصَص : 78 ] وَقَالَ : " فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ " [ الرَّحْمَن : 39 ] , وَقَالَ : " وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه " [ الْبَقَرَة : 174 ] , وَقَالَ : " إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " [ الْمُطَفِّفِينَ : 15 ] . قُلْنَا : الْقِيَامَة مَوَاطِن , فَمَوْطِن يَكُون فِيهِ سُؤَال وَكَلَام , وَمَوْطِن لَا يَكُون ذَلِكَ فِيهِ . قَالَ عِكْرِمَة : الْقِيَامَة مَوَاطِن , يُسْأَل فِي بَعْضهَا وَلَا يُسْأَل فِي بَعْضهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا يَسْأَلهُمْ سُؤَال اِسْتِخْبَار وَاسْتِعْلَام هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ; لِأَنَّ اللَّه عَالِم بِكُلِّ شَيْء , وَلَكِنْ يَسْأَلهُمْ سُؤَال تَقْرِيع وَتَوْبِيخ فَيَقُول لَهُمْ : لِمَ عَصَيْتُمْ الْقُرْآن وَمَا حُجَّتكُمْ فِيهِ ؟ وَاعْتَمَدَ قُطْرُب هَذَا الْقَوْل . وَقِيلَ : " لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَلَّفِينَ ; بَيَانه قَوْله تَعَالَى : " ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيم " [ التَّكَاثُر : 8 ] . وَالْقَوْل بِالْعُمُومِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أربعون قاعدة في حل المشاكل

    أربعون قاعدة في حل المشاكل : قال المصنف - حفظه الله -: «في هذه الدنيا سهام المصائب مشرعة، ورماح البلاء معدة مرسلة، فإننا في دار ابتلاء وامتحان، ونكد وأحزان، وهموم وغموم، تطرقنا حينا في فقد حبيب أو ضياع مال أو سوء معاملة أو فراق إخوان أو شجار أبناء وغيرها! والبلاء الذي يصيب العبد لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عرضه، أو في أهله ومن يحب. والناس مشتركون في حصولها من مسلم وكافر وبر وفاجر كما هو مشاهد. ونظرًا لفجاءة تلك المشاكل وعدم الاستعداد لها أحيانًا، جعلت قواعد أساسية في علاجها، وهي إطار عام لكل الناس، وكل حالة بحسبها».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/221990

    التحميل:

  • حديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» وقفات وتأملات

    حديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» وقفات وتأملات: هذا البحث تضمن شرح الحديث النبوي الرائع الذي يهتم بجانب الإيمان ومقتضياته، وأثره على السلوك الإنساني؛ من خلال فهم هذا الحديث ودراسته، واستنباط الأحكام القيمة، والدروس النافعة لكل مسلم، ولكل مستقيم على هذا الدين، ولكل من يريد رفعة درجاته وتكفير سيئاته، ولكل داعيةٍ يريد سلوك صراط الله تعالى.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330173

    التحميل:

  • مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف في مقدة كتابه: «فهذه رسالة مختصرة في «مفهوم الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى»، بيَّنتُ فيها مفهوم الحكمة وضوابطها، وأنواعها، وأركانها، ودرجاتها، وطرق اكتسابها، وقد قسمت البحث إلى تمهيد وأربعة مباحث وتحت كل مبحث مطالب، على النحو الآتي: التمهيد: أهمية الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى. المبحث الأول: مفهوم الحكمة: لغةً وشرعًا. المبحث الثاني: أنواع الحكمة. المبحث الثالث: أركان الحكمة. المبحث الرابع: طرق اكتساب الحكمة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337986

    التحميل:

  • حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير في العلم والدين

    حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير في العلم والدين: تأليف: الطبيب سليمان قوش. • تميزت هذه الدراسة بما حشدته من آراء الأقدمين من الفلاسفة والأطباء والمتدينين وآراء المعاصرين الذين استقصوا أنواع الطفيليات والجراثيم الموجودة في الخنزير ولحمه والأمراض الناتجة عن أكل لحمه فكانت النتائج مخيفة والإحصائيات للإصابات والوفيات رهيبة مرعبة. • متتبعة القضية في مختلف الشرائع السماوية خاتمة ذلك ببحث لأحد الرهبان المبشرين وهو أحد شهود القضية من أهلها ومتعاطيها. • ثم كان القول الفصل من كتاب الله تعالى تأكيدا على أن تحريم الخنزير يتفق مع الفطرة البشرية من جانب، ومع العقيدة الإسلامية من جانب آخر، وأن الإسلام في النهاية لا يريد إلا الحياة الطيبة للجنس البشري.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205974

    التحميل:

  • هداية الناسك إلى أهم المناسك

    هداية الناسك إلى أهم المناسك : نبذة يسيرة مختصرة تبين للحاج المسلم: كيف يؤدي مناسك حجه وعمرته من حين يحرم إلى أن يفرغ من أعمال حجه ..؟ وكيف يزور مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسلم على النبي وعلى صاحبيه، وماينبغي معرفته إلى أن يرجع إلى بلاده ..؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203884

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة