Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 88

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) (الحجر) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك " الْمَعْنَى : قَدْ أَغْنَيْتُك بِالْقُرْآنِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاس ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ; أَيْ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ يَغْنَى بِمَا عِنْده مِنْ الْقُرْآن حَتَّى يَطْمَح بَصَره إِلَى زَخَارِف الدُّنْيَا وَعِنْده مَعَارِف الْمَوْلَى . يُقَال : إِنَّهُ وَافَى سَبْع قَوَافِل مِنْ الْبُصْرَى وَأَذْرِعَات لِيَهُودِ قُرَيْظَة وَالنَّضِير فِي يَوْم وَاحِد , فِيهَا الْبُرّ وَالطِّيب وَالْجَوْهَر وَأَمْتِعَة الْبَحْر , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَمْوَال لَنَا لَتَقَوَّيْنَا بِهَا وَأَنْفَقْنَاهَا فِي سَبِيل اللَّه , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي " أَيْ فَهِيَ خَيْر لَكُمْ مِنْ الْقَوَافِل السَّبْع , فَلَا تَمُدَّنَّ أَعْيُنكُمْ إِلَيْهَا . وَإِلَى هَذَا صَارَ اِبْن عُيَيْنَة , وَأَوْرَدَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ) أَيْ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّل الْكِتَاب . " أَزْوَاجًا مِنْهُمْ " أَيْ أَمْثَالًا فِي النِّعَم , أَيْ الْأَغْنِيَاء بَعْضهمْ أَمْثَال بَعْض فِي الْغِنَى , فَهُمْ أَزْوَاج .

الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة تَقْتَضِي الزَّجْر عَنْ التَّشَوُّف إِلَى مَتَاع الدُّنْيَا عَلَى الدَّوَام , وَإِقْبَال الْعَبْد عَلَى عِبَادَة مَوْلَاهُ . وَمِثْله " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لِنَفْتِنهُمْ فِيهِ " [ طَه : 131 ] الْآيَة . وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاء وَالطِّيب وَجُعِلَتْ قُرَّة عَيْنِي فِي الصَّلَاة ) . وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَتَشَاغَل بِالنِّسَاءِ , جِبِلَّة الْآدَمِيَّة وَتَشَوُّف الْخِلْقَة الْإِنْسَانِيَّة , وَيُحَافِظ عَلَى الطِّيب , وَلَا تَقَرّ لَهُ عَيْن إِلَّا فِي الصَّلَاة لَدَى مُنَاجَاة الْمَوْلَى . وَيَرَى أَنَّ مُنَاجَاته أَحْرَى مِنْ ذَلِكَ وَأَوْلَى . وَلَمْ يَكُنْ فِي دِين مُحَمَّد الرَّهْبَانِيَّة وَالْإِقْبَال عَلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا كَانَ فِي دِين عِيسَى , وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّه سُبْحَانه حَنِيفِيَّة سَمْحَة خَالِصَة عَنْ الْحَرَج خَفِيفَة عَلَى الْآدَمِيّ , يَأْخُذ مِنْ الْآدَمِيَّة بِشَهَوَاتِهَا وَيَرْجِع إِلَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيم . وَرَأَى الْقُرَّاء وَالْمُخْلِصُونَ مِنْ الْفُضَلَاء الِانْكِفَاف عَنْ اللَّذَّات وَالْخُلُوص لِرَبِّ الْأَرْض وَالسَّمَوَات الْيَوْم أَوْلَى ; لَمَّا غَلَبَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ الْحَرَام , وَاضْطُرَّ الْعَبْد فِي الْمَعَاش إِلَى مُخَالَطَة مَنْ لَا تَجُوز مُخَالَطَته وَمُصَانَعَة مَنْ تَحْرُم مُصَانَعَته , فَكَانَتْ الْقِرَاءَة أَفْضَل , وَالْفِرَار عَنْ الدُّنْيَا أَصْوَب لِلْعَبْدِ وَأَعْدَل ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَكُون خَيْر مَال الْمُسْلِم غَنَمًا يَتْبَع بِهَا شَعَف الْجِبَال وَمَوَاقِع الْقَطْر يَفِرّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن ) .


أَيْ وَلَا تَحْزَن عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَحْزَن عَلَى مَا مُتِّعُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا فَلَك فِي الْآخِرَة أَفْضَل مِنْهُ . وَقِيلَ : لَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ إِنْ صَارُوا إِلَى الْعَذَاب فَهُمْ أَهْل الْعَذَاب .



أَيْ أَلِنْ جَانِبك لِمَنْ آمَنَ بِك وَتَوَاضَعْ لَهُمْ . وَأَصْله أَنَّ الطَّائِر إِذَا ضَمَّ فَرْخه إِلَى نَفْسه بَسَطَ جَنَاحه ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَى الْفَرْخ , فَجَعَلَ ذَلِكَ وَصْفًا لِتَقْرِيبِ الْإِنْسَان أَتْبَاعه . وَيُقَال : فُلَان خَافِض الْجَنَاح , أَيْ وَقُور سَاكِن . وَالْجَنَاحَانِ مِنْ اِبْن آدَم جَانِبَاهُ ; وَمِنْهُ " وَاضْمُمْ يَدك إِلَى جَنَاحك " [ طَه : 22 ] وَجَنَاح الطَّائِر يَده . وَقَالَ الشَّاعِر : وَحَسْبك فِتْيَة لِزَعِيمِ قَوْم يَمُدّ عَلَى أَخِي سَقَم جَنَاحَا أَيْ تَوَاضُعًا وَلِينًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أحكام الأضحية والذكاة

    أحكام الأضحية والذكاة: تتكون الرسالة من عدة فصول، وهي: - الفصل الأول: فى تعريف الأضحية وحكمها. - الفصل الثانى: فى وقت الأضحية. - الفصل الثالث: فى جنس ما يضحى به وعمن يجزئ؟ - الفصل الرابع: فى شروط ما يضحى به , وبيان العيوب المانعة من الإجزاء. - الفصل الخامس: فى العيوب المكروهة فى الأضحية. -الفصل السادس: فيما تتعين به الأضحية وأحكامه. - الفصل السابع: فيما يؤكل منها وما يفرق. - الفصل الثامن: فيما يجتنبه من أراد الأضحية. - الفصل التاسع: فى الذكاة وشروطها. - الفصل العاشر: فى آداب الذكاة ومكروهاتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2143

    التحميل:

  • فصل المقال في رفع عيسى حياً ونزوله وقتله الدجال

    فصل المقال في رفع عيسى حياً ونزوله وقتله الدجال : منذ مطلع هذا القرن أو قبله وجدت جماعة تدعو إلى التحرر الفكري وتتصدر حركة الإصلاح الديني وتعمل لإحياء المفاهيم الدينية الصحيحة في نفوس المسلمين ولكنهم في سبيل ذلك عمدوا إلى إنكارا لكثير من المغيبات التي وردت بها النصوص الصريحة المتواترة من الكتاب والسنة، الأمر الذي يجعل ثبوتها قطعياً ومعلوماً من الدين بالضرورة ولا سند لهم في هذا الإنكار إلا الجموح الفكري والغرور العقلي وقدر راجت بتاثيرهم تلك النزعة الفلسفية الاعتزالية التي تقوم على تحكيم العقل في أخبار الكتاب والسنة، وعمت فتنتها حتى تاثر بعا بعض الأغرار ممن تستهويهم زخارف القول وتغرهم لوامع الأسماء والالقاب لهذا رأيت أن من واجب البيان الذي أتخلص به من إثم الكتمان أن أضع الحق في نصابه، فابين لهؤلاء الشاردين عن منهج الرشد أن تلك الأمور التي يمارون فيها ثابتة ثبوتاً قطعياً بادلة لا تقبل الجدل ولا المكابرة وأن من يحاول ردها او يسوف الطعن فيها فهو مخاطِر بدينه وهو في الوقت نفسه قد فتح باباً للطعن فيما هو اقل منها ثبوتاً من قضايا الدين الأخرى وبذلك نكون امام موجة من الإنكار لا اول لها ولا آخر، وتصبح قضايا العقيدة كلها عرضة لتلاعب الاهواؤ وتنازع الآراء وسأحاول إن شاء الله في هذه الرسالة الصغيرة أن اسوق الدلائل من الكتاب والىثار السلفية على رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حياً وعلى نزوله إلى الأرض قرب قيام الساعة وقتله مسيح الضلالة الدجال لتكون تبصرة لإخواننا ومعذرة إلى الله - عز وجل -: { لِيَهلِكَ مَن هَلَكَ عن بينةِ ويحيا مَن حيّ عن بَيِّنَة } اسأل الله عز وجل أن ينفع بها حزب الحق والإيمان وأن يقمع بها أهل الزيغ والكفران، إنه كريم منان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/244085

    التحميل:

  • مجمل اعتقاد أئمة السلف

    مجمل اعتقاد أئمة السلف : فإِن المُتَتبع لما أُثِر عن سلفنا الصالح في أصول الدين، يجد اتفاقًا في جُلِّ مسائِله، ويجد اعتناءً خاصا بقضايا العقيدة، واهتمامًا بها في التعليم والتوجيه والدعوة على خلاف ما نراه اليوم في كثير من بلاد العالم الإِسلامي، مما أحدث شيئًا من الاختلاف والتَّخبّطِ لدى بعض الجماعات والطوائف الإِسلامية، وفي هذه الرسالة مجمل لاعتقادهم مجموعة من أقوالهم، مقدمًا لهذه النصوص بمقدمةٍ عن أهمية توحيد الله في رُبوبيَّتِه، وألوهيَّته، وأسمائه، وصفاته، وكيف بَيَّن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ذلك أتمَّ بيانٍ وأكمله، وكيف خدم علماءُ المسلمين جيلًا بعد جيلٍ العقيدةَ الإِسلامية، وأثر ذلك في مجتمعاتهم إِلى وقتنا الحاضر.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144879

    التحميل:

  • المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية

    المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: كتابٌ جمع فيه الشيخ - حفظه الله - مسائل قد تخفى على طلبة العلم إما علمًا أو عملاً، ومسائل مهمة لكل عالم وداعية ومصلح وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأهواء وتنوعت الفتن، ومسائل متفرقة، وقد انتخبَ فيه أكثر من ستين ومائة نخبة من الفوائد والفرائد من أغلب كتب شيخ الإسلام المطبوعة، وأكثرها من «مجموع الفتاوى»، وقد رتَّبها على خمسة أقسام: الأول: في التوحيد والعقيدة. الثاني: في العلم والجهاد والسياسة الشرعية. الثالث: في الخلاف والإنكار والتحزُّب المحمود والمذموم، والبدعة والمصالح والمفاسد والإنصاف. الرابع: مسائل أصولية في الاعتصام بالسنة وترك الابتداع والتقليد والتمذهب وغير ذلك. الخامس: مسائل متفرقة.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335501

    التحميل:

  • تلبيس مردود في قضايا حية

    تلبيس مردود في قضايا حية : عبارة عن أسئلة أثارتها مؤسسة صليبيَّة تنصيريَّة تُسمِّي نفسَها " الآباء البِيض "، وتدور حول الموضوعات الآتية: - المساواة. - الحرِّية " حرِّية الدِّين - الرق ". - المرأة. - تطبيق الشريعة. - الجهاد.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144920

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة