Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 75

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (75) (الحجر) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لِلْمُتَوَسِّمِينَ " رَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي ( نَوَادِر الْأُصُول ) مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لِلْمُتَفَرِّسِينَ ) وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد . وَرَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا فِرَاسَة الْمُؤْمِن فَإِنَّهُ يَنْظُر بِنُورِ اللَّه - ثُمَّ قَرَأَ - " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ " ) . قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ مُقَاتِل وَابْن زَيْد : لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلْمُتَفَكِّرِينَ . الضَّحَّاك : لِلنَّظَّارِينَ . قَالَ الشَّاعِر : أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظ قَبِيلَة بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفهمْ يَتَوَسَّم وَقَالَ قَتَادَة : لِلْمُعْتَبِرِينَ . قَالَ زُهَيْر : وَفِيهِنَّ مَلْهَى لِلصَدِيقِ وَمَنْظَر أَنِيق لِعَيْنِ النَّاظِر الْمُتَوَسِّم وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : لِلْمُتَبَصِّرِينَ , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم مِنْ حَدِيث ثَابِت عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاس بِالتَّوَسُّمِ ) . قَالَ الْعُلَمَاء : التَّوَسُّم تَفَعُّل مِنْ الْوَسْم , وَهِيَ الْعَلَامَة الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى مَطْلُوب غَيْرهَا . يُقَال : تَوَسَّمْت فِيهِ الْخَيْر إِذَا رَأَيْت مِيسَم ذَلِكَ فِيهِ ; وَمِنْهُ قَوْل عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي تَوَسَّمْت فِيك الْخَيْر أَعْرِفُهُ َاَللَّه يَعْلَم أَنِّي ثَابِت الْبَصَر آخَر : تَوَسَّمْته لَمَّا رَأَيْت مَهَابَة عَلَيْهِ وَقُلْت الْمَرْء مِنْ آل هَاشِم وَاتَّسَمَ الرَّجُل إِذَا جَعَلَ لِنَفْسَةِ عَلَامَة يُعْرَف بِهَا . وَتَوَسَّمَ الرَّجُل طَلَبَ كَلَأ النَّسْمِيّ . وَأَنْشَدَ : وَأَصْبَحْنَ كَالدَّوْمِ النَّوَاعِم غُدْوَة عَلَى وِجْهَةٍ مِنْ ظَاعِن مُتَوَسِّم وَقَالَ ثَعْلَب : الْوَاسِم النَّاظِر إِلَيْك مِنْ فَرْقك إِلَى قَدَمك . وَأَصْل التَّوَسُّم التَّثَبُّت وَالتَّفَكُّر ; مَأْخُوذ مِنْ الْوَسْم وَهُوَ التَّأْثِير بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْد الْبَعِير وَغَيْره , وَذَلِكَ يَكُون بِجَوْدَةِ الْقَرِيحَة وَحِدَّة الْخَاطِر وَصَفَاء الْفِكْر . زَادَ غَيْره : وَتَفْرِيغ الْقَلْب مِنْ حَشْو الدُّنْيَا , وَتَطْهِيره مِنْ أَدْنَاس الْمَعَاصِي وَكُدُورَة الْأَخْلَاق وَفُضُول الدُّنْيَا . رَوَى نَهْشَل عَنْ اِبْن عَبَّاس " لِلْمُتَوَسِّمِينَ " قَالَ : لِأَهْلِ الصَّلَاح وَالْخَيْر . وَزَعَمَتْ الصُّوفِيَّة أَنَّهَا كَرَامَة . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ اِسْتِدْلَال بِالْعَلَامَاتِ , وَمِنْ الْعَلَامَات مَا يَبْدُو ظَاهِرًا لِكُلِّ أَحَد وَبِأَوَّلِ نَظْرَة , وَمِنْهَا مَا يَخْفَى فَلَا يَبْدُو لِكُلِّ أَحَد وَلَا يُدْرَك بِبَادِئِ النَّظَر . قَالَ الْحَسَن : الْمُتَوَسِّمُونَ هُمْ الَّذِينَ يَتَوَسَّمُونَ الْأُمُور فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَهْلَكَ قَوْم لُوط قَادِر عَلَى أَنْ يَهْلِك الْكُفَّار ; فَهَذَا مِنْ الدَّلَائِل الظَّاهِرَة . وَمِثْله قَوْل اِبْن عَبَّاس , : ( مَا سَأَلَنِي أَحَد عَنْ شَيْء إِلَّا عَرَفْت أَفَقِيه هُوَ أَوْ غَيْر فَقِيه ) . وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن أَنَّهُمَا كَانَا بِفِنَاءِ الْكَعْبَة وَرَجُل عَلَى بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ أَحَدهمَا : أَرَاهُ نَجَّارًا , وَقَالَ الْآخَر : بَلْ حَدَّادًا , فَتَبَادَرَ مَنْ حَضَرَ إِلَى الرَّجُل فَسَأَلَ فَقَالَ : كُنْت نَجَّارًا وَأَنَا الْيَوْم حَدَّاد . وَرُوِيَ عَنْ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُل يَقْرَأ الْقُرْآن فَوَقَفَ فَقَالَ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ , وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّه بِهِ . فَقُلْنَا لَهُ : كَأَنَّك عَرَّضْت بِهَذَا الرَّجُل , فَقَالَ : إِنَّ هَذَا يَقْرَأ عَلَيْك الْقُرْآن الْيَوْم وَيَخْرُج غَدًا حَرُورِيًّا ; فَكَانَ رَأْس الْحَرُورِيَّة , وَاسْمه مِرْدَاس . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرو بْن عُبَيْد فَقَالَ : هَذَا سَيِّد فِتْيَان الْبَصْرَة إِنْ لَمْ يُحْدِث , فَكَانَ مِنْ أَمْره مِنْ الْقَدَر مَا كَانَ , حَتَّى هَجَرَهُ عَامَّة إِخْوَانه . وَقَالَ لِأَيُّوب : هَذَا سَيِّد فِتْيَان أَهْل الْبَصْرَة , وَلَمْ يَسْتَثْنِ . وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ لِدَاوُد الْأَزْدِيّ وَهُوَ يُمَارِيه : إِنَّك لَا تَمُوت حَتَّى تُكْوَى فِي رَأْسك , وَكَانَ كَذَلِكَ . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْم مِنْ مَذْحِج فِيهِمْ الْأَشْتَر , فَصَعَّدَ فِيهِ النَّظَر وَصَوَّبَهُ وَقَالَ : أَيّهمْ هَذَا ؟ قَالُوا : مَالِك بْن الْحَارِث . فَقَالَ : مَا لَهُ قَاتَلَهُ اللَّه ! إِنِّي لَأَرَى لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ يَوْمًا عَصِيبًا ; فَكَانَ مِنْهُ فِي الْفِتْنَة مَا كَانَ . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَنَّ أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ عَلَيْهِ , وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِالسُّوقِ فَنَظَرَ إِلَى اِمْرَأَة , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ عُثْمَان : ( يَدْخُل أَحَدكُمْ عَلَيَّ وَفِي عَيْنَيْهِ أَثَر الزِّنَا ! فَقَالَ لَهُ أَنَس : أَوَحْيًا بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ بُرْهَان وَفِرَاسَة وَصِدْق ) . وَمِثْله كَثِير عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .

الثَّانِيَة : قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : " إِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَسُّم وَالتَّفَرُّس مِنْ مَدَارك الْمَعَانِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حُكْم وَلَا يُؤْخَذ بِهِ مَوْسُوم وَلَا مُتَفَرِّس . وَقَدْ كَانَ قَاضِي الْقُضَاة الشَّامِيّ الْمَالِكِيّ بِبَغْدَاد أَيَّام كَوْنِي بِالشَّامِ يَحْكُم بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَام , جَرْيًا عَلَى طَرِيق إِيَاس بْن مُعَاوِيَة أَيَّام كَانَ قَاضِيًا , وَكَانَ شَيْخنَا فَخْر الْإِسْلَام أَبُو بَكْر الشَّاشِيّ صَنَّفَ جُزْءًا فِي الرَّدّ عَلَيْهِ , كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ وَأَعْطَانِيهِ , وَذَلِكَ صَحِيح ; فَإِنَّ مَدَارك الْأَحْكَام مَعْلُومَة شَرْعًا مُدْرَكَة قَطْعًا وَلَيْسَتْ الْفِرَاسَة مِنْهَا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • سجود السهو في ضوء الكتاب والسنة

    سجود السهو في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة بيَّن فيها المؤلف المواضع التي سجد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوضح أن سجود السهو يكون قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع أخرى ، مع بيان أسباب سجود السهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1939

    التحميل:

  • حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول

    حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول : قال المصنف - حفظه الله -: « فإن رسالة ثلاثة الأصول وأدلتها للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - رسالة موجزة جامعة في موضوع توحيد الربوبية والألوهية والولاء والبراء وغير ذلك من المسائل المتعلقة بعلم التوحيد، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها قدرًا، كتبها الشيخ رحمه الله مقرونة بالدليل بأسلوب سهل ميسر لكل قارئ؛ فأقبل الناس عليها حفظًا وتدريسًا؛ لأنها كتبت بقلم عالم جليل من علماء الإسلام نهج منهج السلف الصالح داعيًا إلى التوحيد ونبذ البدع والخرافات وتنقية الإسلام مما علق به من أوهام، ويظهر ذلك جليًّا في معظم مؤلفات الشيخ ورسائله، فجاءت هذه الرسالة خلاصة وافية لمباحث مهمة لا يستغني عنها المسلم ليبني دينه على أُسس وقواعد صحيحة؛ ليجني ثمرات ذلك سعادة في الدنيا وفلاحًا في الدار الآخرة. لذا رأيت أن أكتب عليها شرحًا متوسطاً في تفسير آياتها وشرح أحاديثها وتوضيح مسائلها إسهامًا في تسهيل الاستفادة منها، والتشجيع على حفظها وفهمها بعد أن قمت بشرحها للطلبة في المسجد بحمد الله تعالى، وسميته: حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2383

    التحميل:

  • تنبيه الناس بشأن اللباس

    تنبيه الناس بشأن اللباس: نُبَذٌ من الكلمات النيِّرات المقتبسة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشأن اللباس، وأحكامه.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330468

    التحميل:

  • بغية المتطوع في صلاة التطوع

    بغية المتطوع في صلاة التطوع : قال الكاتب - أثابه الله -: فإنه لما كانت صلوات التطوع من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}، ولما كان تطلب أحكامها وصفاتها من كتب الحديث وشروحه يحتاج إلى جهد ووقت؛ رأيت أن أجمع في ذلك جملة مما صح، مرتباً له، مع تعليق وجيز حول فقه الحديث فيما أورده من أجله؛ رغبة في تقريب هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صلوات التطوع لي ولعموم المسلمين، وتسهيل وتيسير الوقوف عليه في محل واحد. وقد راعيت الاختصار غير المخل، وابتعدت عن الإكثار؛ مكتفياً غالباً بالإشارة عن طول العبارة، وسميته: " بغية المتطوع في صلاة التطوع ".

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/263403

    التحميل:

  • فضل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    بيان فضل دعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من نشر التوحيد والدعوة إليه، وقمع الشرك والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2499

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة