Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 72

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) (الحجر) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل :

الْأُولَى : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَجْمَعِهِمْ أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى هَاهُنَا بِحَيَاةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ , أَنَّ قَوْمه مِنْ قُرَيْش فِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ وَفِي حَيْرَتهمْ يَتَرَدَّدُونَ . قُلْت : وَهَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَجْمَعَ أَهْل التَّفْسِير فِي هَذَا أَنَّهُ قَسَم مِنْ اللَّه جَلَّ جَلَاله بِمُدَّةِ حَيَاة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَصْله ضَمّ الْعَيْن مِنْ الْعُمُر وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال . وَمَعْنَاهُ وَبَقَائِك يَا مُحَمَّد . وَقِيلَ وَحَيَاتك . وَهَذَا نِهَايَة التَّعْظِيم وَغَايَة الْبِرّ وَالتَّشْرِيف . قَالَ أَبُو الْجَوْزَاء : مَا أَقْسَمَ اللَّه بِحَيَاةِ أَحَد غَيْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ0 أَكْرَم الْبَرِيَّة عِنْده . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " مَا الَّذِي يَمْنَع أَنْ يُقْسِم اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِحَيَاةِ لُوط وَيَبْلُغ بِهِ مِنْ التَّشْرِيف مَا شَاءَ , وَكُلّ مَا يُعْطِيه اللَّه تَعَالَى لِلُوطٍ مِنْ فَضْل يُؤْتِي ضِعْفَيْهِ مِنْ شَرَف لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُ ; أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ سُبْحَانه أَعْطَى إِبْرَاهِيم الْخُلَّة وَمُوسَى التَّكْلِيم وَأَعْطَى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ , فَإِذَا أَقْسَمَ بِحَيَاةِ لُوط فَحَيَاة مُحَمَّد أَرْفَع . وَلَا يُخْرَج مِنْ كَلَام إِلَى كَلَام لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر لِغَيْرِ ضَرُورَة " . قُلْت : مَا قَالَهُ حَسَن ; فَإِنَّهُ كَانَ يَكُون قَسَمه سُبْحَانه بِحَيَاةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامًا مُعْتَرِضًا فِي قِصَّة لُوط . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم بْن عَبْد الْكَرِيم فِي تَفْسِيره : وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : يَرْجِع ذَلِكَ إِلَى قَوْم لُوط , أَيْ كَانُوا فِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ . وَقِيلَ : لَمَّا وَعَظَ لُوط قَوْمه وَقَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي قَالَتْ الْمَلَائِكَة : يَا لُوط , " لَعَمْرك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ " وَلَا يَدْرُونَ مَا يَحِلّ بِهِمْ صَبَاحًا . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَقْسَمَ تَعَالَى بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون وَطُور سِينِينَ ; فَمَا فِي هَذَا ؟ قِيلَ لَهُ : مَا مِنْ شَيْء أَقْسَمَ اللَّه بِهِ إِلَّا وَذَلِكَ دَلَالَة عَلَى فَضْله عَلَى مَا يَدْخُل فِي عِدَاده , فَكَذَلِكَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِب أَنْ يَكُون أَفْضَل مِمَّنْ هُوَ فِي عِدَاده . وَالْعُمْر وَالْعَمْر ( بِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْحهَا ) لُغَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد ; إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَل فِي الْقَسَم إِلَّا بِالْفَتْحِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال . وَتَقُول : عَمَّرَك اللَّه , أَيْ أَسْأَل اللَّه تَعْمِيرك . وَ " لَعَمْرك " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره مَحْذُوف . الْمَعْنَى لَعَمْرك مِمَّا أُقْسِم بِهِ .

الثَّانِيَة : كَرِهَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء أَنْ يَقُول الْإِنْسَان لَعَمْرِي ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَحَيَاتِي . قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : يُكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُول لَعَمْرِي ; لِأَنَّهُ حَلِف بِحَيَاةِ نَفْسه , وَذَلِكَ مِنْ كَلَام ضَعَفَة الرِّجَال . وَنَحْو هَذَا قَالَ مَالِك : إِنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَال وَالْمُؤَنَّثِينَ يُقْسِمُونَ بِحَيَاتِك وَعَيْشك , وَلَيْسَ مِنْ كَلَام أَهْل الذُّكْرَان , وَإِنْ كَانَ اللَّه سُبْحَانه أَقْسَمَ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , فَذَلِكَ بَيَان لِشَرَفِ الْمَنْزِلَة وَالرِّفْعَة لِمَكَانِهِ , فَلَا يُحْمَل عَلَيْهِ سِوَاهُ وَلَا يُسْتَعْمَل فِي غَيْره . وَقَالَ اِبْن حَبِيب : يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَف " لَعَمْرك " فِي الْكَلَام لِهَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ مِنْ كَلَام الْعَرَب . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَبِهِ أَقُول , لَكِنَّ الشَّرْع قَدْ قَطَعَهُ فِي الِاسْتِعْمَال وَرَدَّ الْقَسَم إِلَيْهِ .

قُلْت . الْقَسَم بِ " لَعَمْرك وَلَعَمْرِي " وَنَحْوه فِي أَشْعَار الْعَرَب وَفَصِيح كَلَامهَا كَثِير .

قَالَ النَّابِغَة : لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الْأَقَارِع آخَر : لَعَمْرك إِنَّ الْمَوْت مَا أَخْطَأَ الْفَتَى لَكَالطَّوْلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ آخَر : أَيّهَا الْمُنْكِح الثُّرَيَّا سُهَيْلًا عَمْرك اللَّه كَيْف يَلْتَقِيَانِ آخَر : إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْر لَعَمْر اللَّه أَعْجَبَنِي رِضَاهَا وَقَالَ بَعْض أَهْل الْمَعَانِي : لَا يَجُوز هَذَا ; لِأَنَّهُ لَا يُقَال لِلَّهِ عَمْر , وَإِنَّمَا هُوَ تَعَالَى أَزَلِيّ . ذَكَرَهُ الزَّهْرَاوِيّ .

الثَّالِثَة : قَدْ مَضَى الْكَلَام فِيمَا يُحْلَف بِهِ وَمَا لَا يَجُوز الْحَلِف بِهِ فِي " الْمَائِدَة " , وَذَكَرْنَا هُنَاكَ قَوْل أَحْمَد بْن حَنْبَل فِيمَنْ أَقْسَمَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَة . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : مَنْ جَوَّزَ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى مِمَّا يَجُوز تَعْظِيمه بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوق فَلَيْسَ يَقُول إِنَّهَا يَمِين تَتَعَلَّق بِهَا كَفَّارَة ; إِلَّا أَنَّهُ مَنْ قَصَدَ الْكَذِب كَانَ مَلُومًا ; لِأَنَّهُ فِي الْبَاطِن مُسْتَخِفّ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَعْظِيمه . قَالُوا : وَقَوْله تَعَالَى " لَعَمْرك " أَيْ وَحَيَاتك . وَإِذَا أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى بِحَيَاةِ نَبِيّه فَإِنَّمَا أَرَادَ بَيَان التَّصْرِيح لَنَا أَنَّهُ يَجُوز لَنَا أَنْ نَحْلِف بِحَيَاتِهِ . وَعَلَى مَذْهَب مَالِك مَعْنَى قَوْله : " لَعَمْرك " وَ " التِّين وَالزَّيْتُون " [ التِّين : 1 ] . " وَالطُّور . وَكِتَاب مَسْطُور " [ الطُّور : 1 - 2 ] " وَالنَّجْم إِذَا هَوَى " [ النَّجْم : 1 ] " وَالشَّمْس وَضُحَاهَا " [ الضُّحَى . 1 ] " لَا أُقْسِم بِهَذَا الْبَلَد . وَأَنْتَ حِلّ بِهَذَا الْبَلَد . وَوَالِد وَمَا وَلَدَ " [ الْبَلَد : 1 - 2 - 3 ] كُلّ هَذَا مَعْنَاهُ : وَخَالِق التِّين وَالزَّيْتُون , وَبِرَبِّ الْكِتَاب الْمَسْطُور , وَبِرَبِّ الْبَلَد الَّذِي حَلَلْت بِهِ , وَخَالِق عَيْشك وَحَيَاتك , وَحَقّ مُحَمَّد ; فَالْيَمِين وَالْقَسَم حَاصِل بِهِ سُبْحَانه لَا بِالْمَخْلُوقِ . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَمَنْ جَوَّزَ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى تَأَوَّلَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) وَقَالَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ الْكُفَّار , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ لَمَّا حَلَفُوا بِآبَائِهِمْ : ( لَلْجَبَل عِنْد اللَّه أَكْرَم مِنْ آبَائِكُمْ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة ) . وَمَالِك حَمَلَ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِأَنَّ أَيْمَان الْمُسْلِمِينَ جَرَتْ مُنْذُ عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَنْ يَحْلِفُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا إِذَا حَاكَمَ أَحَدهمْ صَاحِبه قَالَ : اِحْلِفْ لِي بِحَقِّ مَا حَوَاهُ هَذَا الْقَبْر , وَبِحَقِّ سَاكِن هَذَا الْقَبْر , يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَلِكَ بِالْحَرَمِ وَالْمَشَاعِر الْعِظَام , وَالرُّكْن وَالْمَقَام وَالْمِحْرَاب وَمَا يُتْلَى فِيهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الرد العلمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب

    رد علمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب. قدم للكتاب: معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/244335

    التحميل:

  • الحكمة من إرسال الرسل

    بين المؤلف - رحمه الله - بعض الدواعي التي تقتضي إرسال الرسل، والحكمة في اختيار الرسل إلى البشر من جنسهم وبلسان أممهم، كما بين منهج الرسل في الدعوة إلى الله، والطريقة المثلى في الدعوة إلى الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2429

    التحميل:

  • الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب

    الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب: قال المُؤلِّفان: «فإن لآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مكانةً عظيمةً، ومنزلةً سامِقةً رفيعةً، وشرفًا عاليًا، وقدرًا كبيرًا. لقد حباهم الله هذه المكانة البالغة الشرف، فجعل الصلاةَ عليهم مقرونةً بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في التشهُّد، وأوجبَ لهم حقًّا في الخمس والفَيْء، وحرَّم عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، فلا تصلُح لأمثالهم ... وقد جمعتُ في هذه الأوراق مواقف متنوعة، وقصصًا مُشرقة للآل والأصحاب - رضي الله عنهم -، ورتَّبتُها على أبوابٍ مختلفة، وتركتُها قفلاً من غير تعليق لأنها ناطقة بما فيها، واعتمدتُ في جمع هذه المواقف على مراجع متنوعة، وقد أنقلُ - أحيانًا - جزءًا كبيرًا من كتابٍ واحدٍ لحصول المقصود به؛ ككتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي - رحمه الله -، و«حياة الصحابة» للكاندهلوي - رحمه الله -، و«صلاح الأمة في علوِّ الهمَّة» لسيد عفاني - وفقه الله -».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380429

    التحميل:

  • الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم

    الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم : يحتوي هذا الكتاب على عدة مباحث وهي: المبحث الأول: حقيقة التنصير. المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم. المبحث الثالث: تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم. المبحث الرابع: مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم. المبحث الخامس: تفنيد مزاعم الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90690

    التحميل:

  • التفكر في ملكوت السماوات والأرض وقدرة الله تعالى

    التفكر في ملكوت السماوات والأرض وقدرة الله تعالى : رسالة مختصرة تحتوي على معنى التفكر، الآثار وأقوال العلماء الواردة في التفكر، بعض فوائد التفكر، طريق التفكر وكيف يتحقق؟ بيان ثمرة التفكر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66756

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة