Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 18

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (18) (الحجر) mp3
أَيْ لَكِنْ مَنْ اِسْتَرَقَ السَّمْع , أَيْ الْخَطْفَة الْيَسِيرَة , فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . وَقِيلَ , هُوَ مُتَّصِل , أَيْ إِلَّا مِمَّنْ اِسْتَرَقَ السَّمَاع . أَيْ حَفِظْنَا السَّمَاء مِنْ الشَّيَاطِين أَنْ تَسْمَع شَيْئًا مِنْ الْوَحْي وَغَيْره ; إِلَّا مَنْ اِسْتَرَقَ السَّمْع فَإِنَّا لَمْ نَحْفَظهَا مِنْهُ أَنْ تَسْمَع الْخَبَر مِنْ أَخْبَار السَّمَاء سِوَى الْوَحْي , فَأَمَّا الْوَحْي فَلَا تَسْمَع مِنْهُ شَيْئًا ; لِقَوْلِهِ : " إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْع لَمَعْزُولُونَ " [ الشُّعَرَاء : 212 ] . وَإِذَا اِسْتَمَعَ الشَّيَاطِين إِلَى شَيْء لَيْسَ بِوَحْيٍ فَإِنَّهُمْ يَقْذِفُونَهُ إِلَى الْكَهَنَة فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَة عَيْن , ثُمَّ تَتْبَعهُمْ الشُّهُب فَتَقْتُلهُمْ أَوْ تَخْبِلهُمْ ; ذَكَرَهُ الْحَسَن وَابْن عَبَّاس .

قَوْله تَعَالَى : " فَأَتْبَعَهُ شِهَاب مُبِين " أَتْبَعَهُ : أَدْرَكَهُ وَلَحِقَهُ . شِهَاب : كَوْكَب مُضِيء . وَكَذَلِكَ شِهَاب ثَاقِب . وَقَوْله : " بِشِهَابٍ قَبَس " [ النَّمْل : 7 ] بِشُعْلَةِ نَار فِي رَأْس عُود ; قَالَهُ اِبْن عَزِيز . وَقَالَ ذُو الرُّمَّة : كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي إِثْر عِفْرِيَة مُسَوَّم فِي سَوَاد اللَّيْل مُنْقَضِب وَسُمِّيَ الْكَوْكَب شِهَابًا لِبَرِيقِهِ , يُشْبِه النَّار . وَقِيلَ : شِهَاب لِشُعْلَةٍ مِنْ نَار , قَبَس لِأَهْلِ الْأَرْض , فَتُحْرِقهُمْ وَلَا تَعُود إِذَا أَحْرَقَتْ كَمَا إِذَا أَحْرَقَتْ النَّار لَمْ تَعُدْ , بِخِلَافِ الْكَوْكَب فَإِنَّهُ إِذَا أَحْرَقَ عَادَ إِلَى مَكَانه . قَالَ اِبْن عَبَّاس : تَصْعَد الشَّيَاطِين أَفْوَاجًا تَسْتَرِق السَّمْع فَيَنْفَرِد الْمَارِد مِنْهَا فَيَعْلُو , فَيُرْمَى بِالشِّهَابِ فَيُصِيب جَبْهَته أَوْ أَنْفه أَوْ مَا شَاءَ اللَّه فَيَلْتَهِب , فَيَأْتِي أَصْحَابه وَهُوَ يَلْتَهِب فَيَقُول : إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَمْر كَذَا وَكَذَا , فَيَذْهَب أُولَئِكَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكَهَنَة فَيَزِيدُونَ عَلَيْهَا تِسْعًا , فَيُحَدِّثُونَ بِهَا أَهْل الْأَرْض ; الْكَلِمَة حَقّ وَالتِّسْع بَاطِل . فَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا مِمَّا قَالُوا قَدْ كَانَ صَدَّقُوهُمْ بِكُلِّ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ كَذِبهمْ . وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا فِي سُورَة " سَبَأ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَاخْتُلِفَ فِي الشِّهَاب هَلْ يَقْتُل أَمْ لَا . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الشِّهَاب يَجْرَح وَيُحْرِق وَيَخْبِل وَلَا يَقْتُل . وَقَالَ الْحَسَن وَطَائِفَة : يَقْتُل ; فَعَلَى هَذَا الْقَوْل فِي قَتْلهمْ بِالشُّهُبِ قَبْل إِلْقَاء السَّمْع إِلَى الْجِنّ قَوْلَانِ :

أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ قَبْل إِلْقَائِهِمْ مَا اِسْتَرَقُوهُ مِنْ السَّمْع إِلَى غَيْرهمْ ; فَعَلَى هَذَا لَا تَصِل أَخْبَار السَّمَاء إِلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء , وَلِذَلِكَ اِنْقَطَعَتْ الْكِهَانَة .

وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بَعْد إِلْقَائِهِمْ مَا اِسْتَرَقُوهُ مِنْ السَّمْع إِلَى غَيْرهمْ مِنْ الْجِنّ ; وَلِذَلِكَ مَا يَعُودُونَ إِلَى اِسْتِرَاقه , وَلَوْ لَمْ يَصِل لَانْقَطَعَ الِاسْتِرَاق وَانْقَطَعَ الْإِحْرَاق ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ

قُلْت : وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " الصَّافَّات " . وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ رُمِيَ بِالشُّهُبِ قَبْل الْمَبْعَث ; فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ نَعَمْ . وَقِيلَ لَا , وَإِنَّمَا ذَلِكَ بَعْد الْمَبْعَث . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي سُورَة " الْجِنّ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَفِي " الصَّافَّات " أَيْضًا . قَالَ الزَّجَّاج : وَالرَّمْي بِالشُّهُبِ مِنْ آيَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا حَدَثَ بَعْد مَوْلِده ; لِأَنَّ الشُّعَرَاء فِي الْقَدِيم لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي أَشْعَارهمْ , وَلَمْ يُشَبِّهُوا الشَّيْء السَّرِيع بِهِ كَمَا شَبَّهُوا بِالْبَرْقِ وَبِالسَّيْلِ . وَلَا يَبْعُد أَنْ يُقَال : اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب كَانَ فِي قَدِيم الزَّمَان وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ , ثُمَّ صَارَ رُجُومًا حِين وُلِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَالَ الْعُلَمَاء : نَحْنُ نَرَى اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب , فَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَمَا نَرَى ثُمَّ يَصِير نَارًا إِذَا أَدْرَكَ الشَّيْطَان . وَيَجُوز أَنْ يُقَال : يَرْمُونَ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَار مِنْ الْهَوَى فَيُخَيَّل إِلَيْنَا أَنَّهُ نَجْم سَرَى .

وَالشِّهَاب فِي اللُّغَة النَّار السَّاطِعَة .

وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَامِر الشَّعْبِيّ قَالَ : لَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُجِمَتْ الشَّيَاطِين بِنُجُومٍ لَمْ تَكُنْ تُرْجَم بِهَا قَبْل , فَأَتَوْا عَبْد يَالِيل بْن عَمْرو الثَّقَفِيّ فَقَالُوا : إِنَّ النَّاس قَدْ فَزِعُوا وَقَدْ أَعْتَقُوا رَقِيقهمْ وَسَيَّبُوا أَنْعَامهمْ لِمَا رَأَوْا فِي النُّجُوم . فَقَالَ لَهُمْ - وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى - : لَا تَعْجَلُوا , وَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ النُّجُوم الَّتِي تُعْرَف فَهِيَ عِنْد فِنَاء النَّاس , وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْرَف فَهِيَ مِنْ حَدَث . فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ نُجُوم لَا تُعْرَف , فَقَالُوا : هَذَا مِنْ حَدَث . فَلَمْ يَلْبَثُوا حَتَّى سَمِعُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معجم افتراءات الغرب على الإسلام

    تعرض الإسلام ورسوله الكريم منذ زمن طويل لهجوم عنيف من قبل خصومه وأعدائه، وهؤلاء الأعداء منهم الظاهر المجاهر في عدائه، ومنهم المستتر غير المجاهر الذي يدس السم في العسل. وقد وجدنا بعض الأقلام الحاقدة، من ذوي الأفكار المشوهه، قد اهتمت بإثارة الشبهات وتدوين التشكيكات، ضمن حالة من الاستنفار العام للهجوم على الاسلام وأهله. وفي هذه الدراسة سوف نقوم بعرض شبهات علماء ومفكري الغرب وافتراءاتهم على الإسلام في محاولة النيل منه، ومحاولة الرد عليها بعلمية وموضوعية.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/372701

    التحميل:

  • دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة

    دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة: بسط لعقيدة أهل السنة و الجماعة، و بيان لموردهم في عقيدة الأسماء و الصفات، و الذب عن حياض أهل العلم، و خاصة بن باز رحمه الله الذي كال له الحاقدين صنوف الإتهام و الإفك، ليصدوا العامة عن علمه الصافي و عقيدته السليمه لأغراض كاسدة بائسة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76536

    التحميل:

  • المقدمة الجزرية

    المقدمة الجزرية : في هذه الصفحة نسخة مصورة pdf من المنظومة بتحقيق الشيخ أيمن سويد، وهي نسخة مضبوطة الرواية والشكل، واضحة ميسَّرة إن شاء الله تعالى. - والمقدمة الجزرية هي منظومة في تجويد الكلمات القرآنية، لشيخ القراء في زمانه الشيخ العلامة محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي المتوفي سنة (833 هـ) - رحمه الله تعالى -، وقد سماها: «المقدِّمة فيما يجب على قارئ القرآن أن يعلمه». - وهذه المنظومة المباركة قد جرت عادة القرَّاء في شتَّى البلاد على الاعتناء بها؛ تلاوةً وشرحاً وحفظاً وتحفيظاً.

    المدقق/المراجع: أيمن رشدي سويد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2102

    التحميل:

  • التقصير في حقوق الجار

    التقصير في حقوق الجار : من الروابط التي دعمها الإسلام، وأوصى بمراعاتها، وشدد في الإبقاء عليها، رابطة الجوار، تلك الرابطة العظيمة التي فرط كثير من الناس فيها، ولم يرعوها حق رعايتها. والحديث في الصفحات التالية سيكون حول التقصير في حق الجار، وقبل ذلك سيتم الحديث عن تعريف الجار، وحدِّه، وحقِّه، ووصاية الإسلام به، ثم بعد ذلك يتم الحديث عن مظاهر التقصير في حق الجار مع محاولة علاج تلك المظاهر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172582

    التحميل:

  • سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين

    قال المؤلف - وفقه الله -: إن بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين يظن أن الإسلام لا يعرف العفو والصفح والسماحة، وإنما جاء بالعنف والتطرف والسماجة، لأنهم لم يتحروا الحقائق من مصادرها الأصلية، وإنما اكتفوا بسماع الشائعات والافتراءات من أرباب الإلحاد والإفساد الذين عبدوا الشهوات ونهجوا مسلك الشبهات بما لديهم من أنواع وسائـــل الإعلام المتطورة، من أجل ذلك أكتب هذا البحث لبيان الحق ودمغ الباطل بالأدلة الساطعة والحقائق الناطقة من القرآن والسنة القولية والفعلية والتاريخ الأصيل.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191053

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة