Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة إبراهيم - الآية 37

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) (إبراهيم) mp3
رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : ( أَوَّل مَا اِتَّخَذَ النِّسَاء الْمِنْطَق مِنْ قِبَل أُمّ إِسْمَاعِيل ; اِتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرهَا عَلَى سَارَة , ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيم وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيل وَهِيَ تُرْضِعهُ , حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْد الْبَيْت عِنْد دَوْحَة فَوْق زَمْزَم فِي أَعْلَى الْمَسْجِد ; وَلَيْسَ , بِمَكَّة يَوْمئِذٍ أَحَد , وَلَيْسَ بِهَا مَاء , فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ ; وَوَضَعَ عِنْدهمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْر , وَسِقَاء فِيهِ مَاء , ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيم مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمّ إِسْمَاعِيل ; فَقَالَتْ : يَا إِبْرَاهِيم ! أَيْنَ تَذْهَب وَتَتْرُكنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْس وَلَا شَيْء , فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِت إِلَيْهَا , فَقَالَتْ لَهُ : آللَّه أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ إِذًا لَا يُضَيِّعنَا ; ثُمَّ رَجَعَتْ , فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيم . حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد الثَّنِيَّة حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ , اِسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْت ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَات , وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : " رَبّنَا إِنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع " [ إِبْرَاهِيم : 37 ] حَتَّى بَلَغَ " يَشْكُرُونَ " وَجَعَلَتْ أُمّ إِسْمَاعِيل تُرْضِع إِسْمَاعِيل وَتَشْرَب مِنْ ذَلِكَ الْمَاء , حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاء عَطِشَتْ وَعَطِشَ اِبْنهَا , وَجَعَلَتْ تَنْظُر إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّط - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَة أَنْ تَنْظُر إِلَيْهِ , فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَب جَبَل فِي الْأَرْض يَلِيهَا , فَقَامَتْ عَلَيْهِ , ثُمَّ اِسْتَقْبَلَتْ الْوَادِي تَنْظُر هَلْ تَرَى أَحَدًا , فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِي , رَفَعَتْ طَرَف دِرْعهَا , ثُمَّ سَعَتْ سَعْي الْإِنْسَان الْمَجْهُود , ثُمَّ جَاوَزَتْ الْوَادِي , ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَة فَقَامَتْ عَلَيْهِ , فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْع مَرَّات ; قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَذَلِكَ سَعْي النَّاس بَيْنهمَا ) فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَة سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ : صَهْ ! تُرِيد نَفْسهَا , ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ : قَدْ أَسْمَعْتَ , إِنْ كَانَ عِنْدك غِوَاث ! فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْد مَوْضِع زَمْزَم فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ الْمَاء , فَجَعَلَتْ تُحَوِّضهُ وَتَقُول بِيَدِهَا هَكَذَا , وَجَعَلَتْ تَغْرِف مِنْ الْمَاء فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُور بَعْد مَا تَغْرِف ; قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَرْحَم اللَّه أُمّ إِسْمَاعِيل لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَم - أَوْ قَالَ : لَوْ لَمْ تَغْرِف مِنْ الْمَاء - لَكَانَتْ زَمْزَم عَيْنًا مَعِينًا ) قَالَ : فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَك : لَا تَخَافِي الضَّيْعَة فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْت اللَّه يَبْنِيه هَذَا الْغُلَام وَأَبُوهُ , وَإِنَّ اللَّه لَا يُضَيِّع أَهْله ) وَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ .

مَسْأَلَة : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّق بِهَذَا فِي طَرْح وَلَده وَعِيَاله بِأَرْضٍ مَضْيَعَة اِتِّكَالًا عَلَى الْعَزِيز الرَّحِيم , وَاقْتِدَاء بِفِعْلِ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل , كَمَا تَقُول غُلَاة الصُّوفِيَّة فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل , فَإِنَّ إِبْرَاهِيم فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّه لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث : آللَّه أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَارَة لَمَّا غَارَتْ مِنْ هَاجَرَ بَعْد أَنْ وَلَدَتْ إِسْمَاعِيل خَرَجَ بِهَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى مَكَّة , فَرُوِيَ أَنَّهُ رَكِبَ الْبُرَاق هُوَ وَهَاجَر وَالطِّفْل فَجَاءَ فِي يَوْم وَاحِد مِنْ الشَّام إِلَى بَطْن مَكَّة , وَتَرَكَ اِبْنه وَأَمَتَهُ هُنَالِكَ وَرَكِبَ مُنْصَرِفًا مِنْ يَوْمه , فَكَانَ ذَلِكَ كُلّه بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى , فَلَمَّا وَلَّى دَعَا بِضِمْنِ هَذِهِ الْآيَة .

لَمَّا أَرَادَ اللَّه تَأْسِيس الْحَال , وَتَمْهِيد الْمَقَام , وَخَطّ الْمَوْضِع لِلْبَيْتِ الْمُكَرَّم , وَالْبَلَد الْمُحَرَّم , أَرْسَلَ الْمَلَك فَبَحَثَ عَنْ الْمَاء وَأَقَامَهُ مَقَام الْغِذَاء , وَفِي الصَّحِيح : أَنَّ أَبَا ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِجْتَزَأَ بِهِ ثَلَاثِينَ بَيْن يَوْم وَلَيْلَة , قَالَ أَبُو ذَرّ : مَا كَانَ لِي طَعَام إِلَّا مَاء زَمْزَم فَسَمِنْت حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنِي , وَمَا أَجِد عَلَى كَبِدِي سَخْفَة جُوع ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَاء زَمْزَم لِمَا شُرِبَ لَهُ إِنْ شَرِبْته تَشْتَفِي بِهِ شَفَاك اللَّه وَإِنْ شَرِبْته لِشِبَعِك أَشْبَعَك اللَّه بِهِ وَإِنْ شَرِبْته لِقَطْعِ ظَمَئِك قَطَعَهُ وَهِيَ هَزْمَة جِبْرِيل وَسُقْيَا اللَّه إِسْمَاعِيل ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس إِذَا شَرِبَ مِنْ زَمْزَم قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك عِلْمًا نَافِعًا , وَرِزْقًا وَاسِعًا , وَشِفَاء مِنْ كُلّ دَاء . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا مَوْجُود فِيهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّته , وَسَلِمَتْ طَوِيَّته , وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مُكَذِّبًا , وَلَا يَشْرَبهُ مُجَرِّبًا , فَإِنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَوَكِّلِينَ , وَهُوَ يَفْضَح الْمُجَرِّبِينَ . وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ التِّرْمِذِيّ وَحَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : دَخَلْت الطَّوَاف فِي لَيْلَة ظَلْمَاء فَأَخَذَنِي مِنْ الْبَوْل مَا شَغَلَنِي , فَجَعَلْت أَعْتَصِر حَتَّى آذَانِي , وَخِفْت إِنْ خَرَجَتْ مِنْ الْمَسْجِد أَنْ أَطَأ بَعْض تِلْكَ الْأَقْدَام , وَذَلِكَ أَيَّام الْحَجّ ; فَذَكَرْت هَذَا الْحَدِيث , فَدَخَلْت زَمْزَم فَتَضَلَّعْت مِنْهُ , فَذَهَبَ عَنِّي إِلَى الصَّبَاح . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : إِنَّ فِي زَمْزَم عَيْنًا فِي الْجَنَّة مِنْ قِبَل الرُّكْن .

قَوْله تَعَالَى : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِي " " مِنْ " فِي قَوْله تَعَالَى : " مِنْ ذُرِّيَّتِي " لِلتَّبْعِيضِ أَيْ أَسْكَنْت بَعْض ذُرِّيَّتِي ; يَعْنِي إِسْمَاعِيل وَأُمّه ; لِأَنَّ إِسْحَاق كَانَ بِالشَّامِ . وَقِيلَ : هِيَ صِلَة ; أَيْ أَسْكَنْت ذُرِّيَّتِي



يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَيْت كَانَ قَدِيمًا عَلَى مَا رُوِيَ قَبْل الطُّوفَان , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة " الْبَقَرَة " . وَأَضَافَ الْبَيْت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ غَيْره , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُحَرَّم , أَيْ يَحْرُم فِيهِ مَا يُسْتَبَاح فِي غَيْره مِنْ جِمَاع وَاسْتِحْلَال . وَقِيلَ : مُحَرَّم عَلَى الْجَبَابِرَة , وَأَنْ تُنْتَهَك حُرْمَته , وَيُسْتَخَفّ بِحَقِّهِ , قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْمَائِدَة " .



خَصَّهَا مِنْ جُمْلَة الدِّين لِفَضْلِهَا فِيهِ , وَمَكَانهَا مِنْهُ , وَهِيَ عَهْد اللَّه عِنْد الْعِبَاد ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَمْس صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد ) . الْحَدِيث . وَاللَّام فِي " لِيُقِيمُوا الصَّلَاة " لَام كَيْ ; هَذَا هُوَ الظَّاهِر فِيهَا وَتَكُون مُتَعَلِّقَة بِ " أَسْكَنْت " وَيَصِحّ أَنْ تَكُون لَام أَمْر , كَأَنَّهُ رَغِبَ إِلَى اللَّه أَنْ يَأْتَمِنهُمْ وَأَنْ يُوَفِّقهُمْ لِإِقَامَةِ الصَّلَاة .

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الصَّلَاة بِمَكَّة أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ مَعْنَى " رَبّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة " أَيْ أَسْكَنْتهمْ عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم لِيُقِيمُوا الصَّلَاة فِيهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ الصَّلَاة بِمَكَّة أَفْضَل أَوْ فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَذَهَبَ عَامَّة أَهْل الْأَثَر إِلَى أَنَّ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة فِي مَسْجِد الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِائَةِ صَلَاة , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاة " . قَالَ الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو عُمَر : وَأَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيث حَبِيب الْمُعَلِّم عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَجَوَّدَهُ , وَلَمْ يَخْلِط فِي لَفْظه وَلَا فِي مَعْنَاهُ , وَكَانَ ثِقَة . قَالَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَة سَمِعْت يَحْيَى بْن مَعِين يَقُول : حَبِيب الْمُعَلِّم ثِقَة . وَذَكَرَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُول : حَبِيب الْمُعَلِّم ثِقَة مَا أَصَحّ حَدِيثه ! وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ عَنْ حَبِيب الْمُعَلِّم فَقَالَ : بَصْرِيّ ثِقَة . قُلْت : وَقَدْ خَرَّجَ حَدِيث حَبِيب الْمُعَلِّم هَذَا عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَافِظ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن حَاتِم التَّمِيمِيّ الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ , فَالْحَدِيث صَحِيح وَهُوَ الْحُجَّة عِنْد التَّنَازُع وَالِاخْتِلَاف . وَالْحَمْد لِلَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر ; رَوَاهُ مُوسَى الْجُهَنِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عَمْرو ; وَمُوسَى الْجُهَنِيّ الْكُوفِيّ ثِقَة , أَثْنَى عَلَيْهِ الْقَطَّان وَأَحْمَد وَيَحْيَى وَجَمَاعَتهمْ . وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَة . وَالثَّوْرِيّ وَيَحْيَى بْن سَعِيد . وَرَوَى حَكِيم بْن سَيْف , حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ; عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ مِائَة أَلْف فِيمَنْ سِوَاهُ ) . وَحَكِيم بْن سَيْف هَذَا شَيْخ مِنْ أَهْل الرِّقَّة قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ , وَأَخَذَ عَنْهُ اِبْن وَضَّاح , وَهُوَ عِنْدهمْ شَيْخ صَدُوق لَا بَأْس بِهِ . فَإِنْ كَانَ حَفِظَ فَهُمَا حَدِيثَانِ , وَإِلَّا فَالْقَوْل قَوْل حَبِيب الْمُعَلِّم . وَرَوَى مُحَمَّد بْن وَضَّاح , حَدَّثَنَا يُوسُف بْن عَدِيّ عَنْ عُمَر بْن عُبَيْد عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِي غَيْره مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّ الصَّلَاة فِيهِ أَفْضَل ) . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا كُلّه نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف قَاطِع لَهُ عِنْد مَنْ أُلْهِمَ رَشَده , وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّته . وَذَكَرَ اِبْن حَبِيب عَنْ مُطَرِّف وَعَنْ أَصْبَغ عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُمَا كَانَا يَذْهَبَانِ إِلَى تَفْضِيل الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عَلَى الصَّلَاة فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فِي هَذَا الْبَاب . وَقَدْ اِتَّفَقَ مَالِك وَسَائِر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ صَلَاة الْعِيدَيْنِ يَبْرُز لَهُمَا فِي كُلّ بَلَد إِلَّا مَكَّة فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام . وَكَانَ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَجَابِر يُفَضِّلُونَ مَكَّة وَمَسْجِدهَا وَهُمْ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِمَّنْ بَعْدهمْ ; وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيّ . وَهُوَ قَوْل عَطَاء وَالْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ مَالِك ; ذَكَرَ اِبْن وَهْب فِي جَامِعه عَنْ مَالِك أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْض قَالَ : يَا رَبّ هَذِهِ أَحَبّ إِلَيْك أَنْ تُعْبَد فِيهَا ؟ قَالَ : بَلْ مَكَّة . وَالْمَشْهُور عَنْهُ وَعَنْ أَهْل الْمَدِينَة تَفْضِيل الْمَدِينَة , وَاخْتَلَفَ أَهْل الْبَصْرَة وَالْبَغْدَادِيُّونَ فِي ذَلِكَ ; فَطَائِفَة تَقُول مَكَّة , وَطَائِفَة تَقُول الْمَدِينَة .



الْأَفْئِدَة جَمْع فُؤَاد وَهِيَ الْقُلُوب , وَقَدْ يُعَبَّر عَنْ الْقَلْب بِالْفُؤَادِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ فُؤَادًا قَادَنِي بِصَبَابَةٍ إِلَيْك عَلَى طُول الْمَدَى لَصَبُور وَقِيلَ : جَمْع وَفْد , وَالْأَصْل أَوْفِدَة , فَقُدِّمَتْ الْفَاء وَقُلِبَتْ الْوَاو يَاء كَمَا هِيَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَاجْعَلْ وُفُودًا مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ ; أَيْ تَنْزِع ; يُقَال : هَوِيَ نَحْوه إِذَا مَالَ , وَهَوَتْ النَّاقَة تَهْوِي هَوِيًّا فَهِيَ هَاوِيَة إِذَا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأَنَّهَا فِي هَوَاء بِئْر , وَقَوْله : " تَهْوِي إِلَيْهِمْ " مَأْخُوذ مِنْهُ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : لَوْ قَالَ أَفْئِدَة النَّاس لَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فَارِس وَالرُّوم وَالتُّرْك وَالْهِنْد وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس , وَلَكِنْ قَالَ : " مِنْ النَّاس " فَهُمْ الْمُسْلِمُونَ ; فَقَوْله : " تَهْوِي إِلَيْهِمْ " أَيْ تَحِنّ إِلَيْهِمْ , وَتَحِنّ إِلَى زِيَارَة الْبَيْت . وَقَرَأَ مُجَاهِد " تَهْوَى إِلَيْهِمْ " أَيْ تَهْوَاهُمْ وَتُجِلّهُمْ .



فَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ , وَأَنْبَتَ لَهُمْ بِالطَّائِفِ سَائِر الْأَشْجَار , وَبِمَا يُجْلَب إِلَيْهِمْ مِنْ الْأَمْصَار . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس الْحَدِيث الطَّوِيل وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضه : ( فَجَاءَ إِبْرَاهِيم بَعْد مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل يُطَالِع تَرِكَته فَلَمْ يَجِد إِسْمَاعِيل , فَسَأَلَ اِمْرَأَته عَنْهُ فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا , ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ عَيْشهمْ وَهَيْئَتهمْ فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ , نَحْنُ فِي ضِيق وَشِدَّة ; فَشَكَتْ إِلَيْهِ , قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجك فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقُولِي لَهُ يُغَيِّر عَتَبَة بَابه , فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ : هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَد ! قَالَتْ : نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنِي عَنْك فَأَخْبَرْته , وَسَأَلَنِي كَيْف عِيشَتنَا فَأَخْبَرْته أَنَّا فِي جَهْد وَشِدَّة , قَالَ فَهَلْ أَوْصَاك بِشَيْءٍ : قَالَتْ : أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام , وَيَقُول : غَيِّرْ عَتَبَة بَابك ; قَالَ : ذَاكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقك اِلْحَقِي بِأَهْلِك ; فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى , فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيم مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْد فَلَمْ يَجِدهُ , وَدَخَلَ عَلَى اِمْرَأَته فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا . قَالَ : كَيْف أَنْتُمْ ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشهمْ وَهَيْئَتهمْ فَقَالَتْ : نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَة وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّه . قَالَ مَا طَعَامكُمْ ؟ قَالَتْ : اللَّحْم . قَالَ فَمَا شَرَابكُمْ ؟ قَالَتْ : الْمَاء . قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْم وَالْمَاء . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمئِذٍ حَبّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ ) . قَالَ : فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَد بِغَيْرِ مَكَّة إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَوْل إِبْرَاهِيم " فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ " سَأَلَ أَنْ يَجْعَل اللَّه النَّاس يَهْوُونَ السُّكْنَى بِمَكَّة , فَيَصِير بَيْتًا مُحَرَّمًا , وَكُلّ ذَلِكَ كَانَ وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَأَوَّل مَنْ سَكَنَهُ جُرْهُم . فَفِي الْبُخَارِيّ - بَعْد قَوْله : وَإِنَّ اللَّه لَا يُضَيِّع أَهْله - وَكَانَ الْبَيْت مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْض كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيه السُّيُول فَتَأْخُذ عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله , وَكَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَة مِنْ جُرْهُم قَافِلِينَ مِنْ طَرِيق كَذَا , فَنَزَلُوا بِأَسْفَل مَكَّة , فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الطَّائِر لَيَدُور عَلَى مَاء ! لَعَهْدنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاء ; فَأَرْسِلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ , فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا . قَالَ : وَأُمّ إِسْمَاعِيل عِنْد الْمَاء ; فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِل عِنْدك ؟ قَالَتْ : نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقّ لَكُمْ فِي الْمَاء . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمّ إِسْمَاعِيل وَهِيَ تُحِبّ الْأُنْس ) فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلهمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْل أَبْيَات مِنْهُمْ , شَبَّ الْغُلَام , وَمَاتَتْ أُمّ إِسْمَاعِيل , فَجَاءَ إِبْرَاهِيم بَعْد مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل يُطَالِع تَرِكَته ; الْحَدِيث .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • عقيدة التوحيد

    عقيدة التوحيد: كتاب في علم التوحيد، وقد راعى فيه المؤلف الاختصار مع سهولة العبارة، ومما لا شك فيه أن علم العقيدة الإسلامية هو العلم الأساسي الذي تجدر العناية به تعلمًا وتعليمًا وعملاً بموجبه؛ لتكون الأعمال صحيحة مقبولة عند الله - سبحانه وتعالى - نافعة للعاملين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2071

    التحميل:

  • زكاة الخارج من الأرض في ضوء الكتاب والسنة

    زكاة الخارج من الأرض في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «زكاة الخارج من الأرض» من الحبوب، والثمار، والمعدن، والركاز، وهي من نعم الله على عباده: أنعم بها عليهم؛ ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، بيّنت فيها بإيجاز: وجوب زكاة الحبوب والثمار: بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، وذكرت شروط وجوب الزكاة فيها بالأدلة، وأن الثمار يضم بعضها إلى الآخر في تكميل النصاب، وكذلك الحبوب، وأن الزكاة تجب إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، ولكن لا يستقر الوجوب حتى تصير الثمرة في الجرين، والحَبّ في البيدر، وبيّنت قدر الزكاة، وأحكام خرص الثمار، وغير ذلك من المسائل في هذا الموضوع».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193653

    التحميل:

  • العلمانية.. وثمارها الخبيثة

    العلمانية: هذا الكتاب يخبرك بالخطر القادم والخطر الدفين، في أسلوب سهل قريب يفهمه المبتدئ، وينتفع به المنتهي.. إنه كتاب يُعرفك بعدوك القائم، حيث تبين الرسالة حقيقة العلمانية، ومصادرها، وخطرها على ديننا، وآثارها المميتة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340493

    التحميل:

  • لحوم العلماء مسمومة

    لحوم العلماء مسمومة: فإن ثمة موضوعًا مهمًّا جديرًا بالطرح، حقيقًا بأن نتفقَّه فيه لشدة حاجتنا إليه، ولخطورة النتائج المترتبة عليه، وهذا الموضوع طويل، وعناصره كثيرة. وقد جاءت هذه الرسالة المختصرة لتُبيِّن أهمية الموضوع وخطورة الوقوع في أعراض العلماء والدعاة المخلصين؛ لمكانتهم في الدنيا بين الناس، وعند الله - سبحانه وتعالى -. - والكتاب بتقديم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله -.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337582

    التحميل:

  • سرعة الضوء في القرآن الكريم

    سرعة الضوء في القرآن الكريم.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193678

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة