Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة إبراهيم - الآية 11

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) (إبراهيم) mp3
أَيْ فِي الصُّورَة وَالْهَيْئَة كَمَا قُلْتُمْ .



أَيْ يَتَفَضَّل عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ . وَقِيلَ ; بِالتَّوْفِيقِ , وَالْحِكْمَة وَالْمَعْرِفَة وَالْهِدَايَة . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : بِتِلَاوَةِ الْقُرْآن وَفَهْم مَا فِيهِ . قُلْت : وَهَذَا قَوْل حَسَن , وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ قُلْت لِأَبِي ذَرّ : يَا عَمّ أَوْصِنِي ; قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتنِي فَقَالَ : ( مَا مِنْ يَوْم وَلَا لَيْلَة وَلَا سَاعَة إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ صَدَقَة يَمُنّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَمَا مَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى عِبَاده بِمِثْلِ أَنْ يُلْهِمهُمْ ذِكْره ) .


أَيْ بِحُجَّةٍ وَآيَة .



أَيْ بِمَشِيئَتِهِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتنَا ; أَيْ لَا نَسْتَطِيع أَنْ نَأْتِي بِحُجَّةٍ كَمَا تَطْلُبُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَقُدْرَته ; فَلَفْظه ; لَفْظ الْخَبَر , وَمَعْنَاهُ النَّفْي ; لِأَنَّهُ لَا يَحْظُر عَلَى أَحَد مَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ .



فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة , وَهِيَ بَيَان التَّوَكُّل . وَالتَّوَكُّل فِي اللُّغَة إِظْهَار الْعَجْز وَالِاعْتِمَاد عَلَى الْغَيْر . وَوَاكَلَ فُلَان إِذَا ضَيَّعَ أَمْره مُتَّكِلًا عَلَى غَيْره . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل ; فَسُئِلَ عَنْهُ سَهْل بْن عَبْد اللَّه فَقَالَ : قَالَتْ فِرْقَةٌ : الرِّضَا بِالضَّمَانِ , وَقَطْع الطَّمَع مِنْ الْمَخْلُوقِينَ . وَقَالَ قَوْم : التَّوَكُّل تَرْك الْأَسْبَاب وَالرُّكُون إِلَى مُسَبِّب الْأَسْبَاب ; فَإِذَا شَغَلَهُ السَّبَب عَنْ الْمُسَبِّب زَالَ عَنْهُ اِسْم التَّوَكُّل . قَالَ سَهْل : مَنْ قَالَ إِنَّ التَّوَكُّل يَكُون بِتَرْكِ السَّبَب فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا " [ الْأَنْفَال : 69 ] فَالْغَنِيمَة اكْتِسَاب . وَقَالَ تَعَالَى : " فَاضْرِبُوا فَوْق الْأَعْنَاق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَان " [ الْأَنْفَال : 12 ] فَهَذَا عَمَل . وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْعَبْد الْمُحْتَرِف ) . وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِضُونَ عَلَى السَّرِيَّة . وَقَالَ غَيْره : وَهَذَا قَوْل عَامَّة الْفُقَهَاء , وَأَنَّ التَّوَكُّل عَلَى اللَّه هُوَ الثِّقَة بِاَللَّهِ وَالْإِيقَان بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ , وَاتِّبَاع سُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّعْي فِيمَا لَا بُدّ مِنْهُ مِنْ الْأَسْبَاب مِنْ مَطْعَم وَمَشْرَب وَتَحَرُّز مِنْ عَدُوّ وَإِعْدَاد الْأَسْلِحَة وَاسْتِعْمَال مَا تَقْتَضِيه سُنَّة اللَّه تَعَالَى الْمُعْتَادَة . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّة , لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ اِسْم التَّوَكُّل عِنْدهمْ مَعَ الطُّمَأْنِينَة إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب وَالِالْتِفَات إِلَيْهَا بِالْقُلُوبِ ; فَإِنَّهَا لَا تَجْلِب نَفْعًا وَلَا تَدْفَع ضُرًّا , بَلْ السَّبَب وَالْمُسَبِّب فِعْل اللَّه تَعَالَى , وَالْكُلّ مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ ; وَمَتَى وَقَعَ مِنْ الْمُتَوَكِّل رُكُون إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب فَقَدْ اِنْسَلَخَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْم . ثُمَّ الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى حَالَيْنِ : الْأَوَّل : حَال الْمُتَمَكِّن فِي التَّوَكُّل فَلَا يَلْتَفِت إِلَى شَيْء مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَاب بِقَلْبِهِ , وَلَا يَتَعَاطَاهُ إِلَّا بِحُكْمِ الْأَمْر . الثَّانِي : حَال غَيْر الْمُتَمَكِّن وَهُوَ الَّذِي يَقَع لَهُ الِالْتِفَات إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب أَحْيَانًا غَيْر أَنَّهُ يَدْفَعهَا عَنْ نَفْسه بِالطُّرُقِ الْعِلْمِيَّة , وَالْبَرَاهِين الْقَطْعِيَّة , وَالْأَذْوَاق الْحَالِيَّة ; فَلَا يَزَال كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُرَقِّيه اللَّه بِجُودِهِ إِلَى مَقَام الْمُتَوَكِّلِينَ الْمُتَمَكِّنِينَ , وَيُلْحِقهُ بِدَرَجَاتِ الْعَارِفِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

اختر سوره

اختر اللغة