Muslim Library

تفسير الطبري - سورة إبراهيم - الآية 47

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) (إبراهيم) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّه مُخْلِف وَعْده رُسُله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّه مُخْلِف وَعْده } الَّذِي وَعَدَهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ , وَجَحَدَ مَا أَتَوْهُمْ بِهِ مِنْ عِنْده . وَإِنَّمَا قَالَهُ تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ تَثْبِيتًا وَتَشْدِيدًا لِعَزِيمَتِهِ , وَمُعَرِّفه أَنَّهُ مُنْزِل مِنْ سَخَطه بِمَنْ كَذَّبَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّته , وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَتَاهُ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , مِثَال مَا أَنْزَلَ بِمَنْ سَلَكُوا سَبِيلهمْ مِنْ الْأُمَم الَّذِينَ كَانُوا قَبْلهمْ عَلَى مِثْل مِنْهَاجهمْ مِنْ تَكْذِيب رُسُلهمْ وَجُحُود نُبُوَّتهمْ وَرَدّ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه عَلَيْهِمْ .

وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّ اللَّه عَزِيز } : لَا يُمَانَع مِنْهُ شَيْء أَرَادَ عُقُوبَته , قَادِر عَلَى كُلّ مَنْ طَلَبَهُ , لَا يَفُوتهُ بِالْهَرَبِ مِنْهُ . { ذُو اِنْتِقَام } مِمَّنْ كَفَرَ بِرُسُلِهِ وَكَذَّبَهُمْ , وَجَحَدَ نُبُوَّتهمْ , وَأَشْرَكَ بِهِ وَاِتَّخَذَ مَعَهُ إِلَهًا غَيْره . وَأُضِيفَ قَوْله : { مُخْلِف } إِلَى الْوَعْد , وَهُوَ مَصْدَر ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع الِاسْم , وَنَصَبَ قَوْله : { رُسُله } بِالْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى : فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّه مُخْلِف رُسُله وَعْده . فَالْوَعْد وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا بِإِضَافَةِ " مُخْلِف " إِلَيْهِ , فَفِي مَعْنَى النَّصْب , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِخْلَاف يَقَع عَلَى مَنْصُوبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , كَقَوْلِ الْقَائِل : كَسَوْت عَبْد اللَّه ثَوْبًا , وَأَدْخَلْته دَارًا . وَإِذَا كَانَ الْفِعْل كَذَلِكَ يَقَع عَلَى مَنْصُوبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , جَازَ تَقْدِيم أَيّهمَا قُدِّمَ , وَخَفْض مَا وَلِيَ الْفِعْل الَّذِي هُوَ فِي صُورَة الْأَسْمَاء وَنَصْب الثَّانِي , فَيُقَال : أَنَا مُدْخِل عَبْد اللَّه الدَّار , وَأَنَا مُدْخِل الدَّار عَبْد اللَّه , إِنْ قَدَّمْت الدَّار إِلَى الْمُدْخِل وَأَخَّرْت عَبْد اللَّه خَفَضْت الدَّار , إِذْ أُضِيفَ مُدْخِل إِلَيْهَا , وَنُصِبَ عَبْد اللَّه ; وَإِنْ قُدِّمَ عَبْد اللَّه إِلَيْهِ , وَأَخَّرْت الدَّار , خُفِضَ عَبْد اللَّه بِإِضَافَةِ مُدْخِل إِلَيْهِ , وَنَصْب الدَّار ; وَإِنَّمَا فِعْل ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ الْفِعْل - أَعْنِي مُدْخِل - يَعْمَل فِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا نَصْبًا نَحْو عَمَله فِي الْآخَر ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَرَى الثَّوْر فِيهَا مُدْخِل الظِّلّ رَأْسه وَسَائِره بَادٍ إِلَى الشَّمْس أَجْمَع أَضَافَ مُدْخِل إِلَى الظِّلّ , وَنَصَبَ الرَّأْس ; وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : مُدْخِل رَأْسه الظِّلّ . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : فَرِشْنِي بِخَيْرٍ لَا أَكُون وَمِدْحَتِي كَنَاحِتِ يَوْم صَخْرَة بِعَسِيلِ وَالْعَسِيل : الرِّيشَة جُمِعَ بِهَا الطِّيب , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : كَنَاحِتِ صَخْرَة يَوْمًا بِعَسِيلٍ , وَكَذَلِكَ قَوْل الْآخَر : رُبَّ اِبْن عَمّ لِسُلَيْمَى مُشْمَعِل طَبَّاخ سَاعَات الْكَرَى زَادَ الْكَسِل وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : طَبَّاخ زَادَ الْكَسِل سَاعَات الْكَرَى . فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّه مُخْلِف وَعْده رُسُله } فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه بُعْده مِنْ الصِّحَّة فِي كَلَام الْعَرَب فِي سُورَة الْأَنْعَام , عِنْد قَوْله : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْل أَوْلَادهمْ شُرَكَاؤُهُمْ } , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم

    الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم : يحتوي هذا الكتاب على عدة مباحث وهي: المبحث الأول: حقيقة التنصير. المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم. المبحث الثالث: تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم. المبحث الرابع: مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم. المبحث الخامس: تفنيد مزاعم الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90690

    التحميل:

  • وفروا اللحى وأحفوا الشوارب

    وفروا اللحى وأحفوا الشوارب: رسالة في بيان حكم إعفاء اللحية، وتعريف الشارب وصفة الأخذ منه، وتعريف اللحية وما يكره فيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1937

    التحميل:

  • التحصين من كيد الشياطين

    التحصين من كيد الشياطين : دراسة تأصيلية مستفيضة لقضايا العين والحسد والسحر والمس وغيرها، مع بيان المشروع من التحصين والرقى، وأصول التداوي.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166698

    التحميل:

  • الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث

    الباعث الحثيث : حاشية قيمة على متن اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير - رحمه الله - والذي اختصر به كتاب الحافظ ابن الصلاح رحمه الله المشهور بالمقدمة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205051

    التحميل:

  • رسالة في الدماء الطبيعية للنساء

    رسالة في الدماء الطبيعية للنساء: بحث يفصل فيه فضيلة الشيخ أحكام الدماء الطبيعية للنساء، وتنقسم الرسالة إلى سبعة فصول على النحو التالي : الفصل الأول: في معنى الحيض وحكمته. الفصل الثاني: في زمن الحيض ومدته. الفصل الثالث: في الطوارئ على الحيض. الفصل الرابع: في أحكام الحيض. الفصل الخامس: في الاستحاضة وأحكامها. الفصل السادس: في النفاس وحكمه. الفصل السابع: في استعمال مايمنع الحيض أو يجلبه، وما يمنع الحمل أو يسقطه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44936

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة