Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرعد - الآية 38

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) (الرعد) mp3
قِيلَ : إِنَّ الْيَهُود عَابُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَزْوَاج , وَعَيَّرَتْهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا : مَا نَرَى لِهَذَا الرَّجُل هِمَّة إِلَّا النِّسَاء وَالنِّكَاح , وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا لَشَغَلَهُ أَمْر النُّبُوَّة عَنْ النِّسَاء ; فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , وَذَكَّرَهُمْ أَمْر دَاوُد وَسُلَيْمَان فَقَالَ : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلك وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّة " أَيْ جَعَلْنَاهُمْ بَشَرًا يَقُصُّونَ مَا أَحَلَّ اللَّه مِنْ شَهَوَات الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا التَّخْصِيص فِي الْوَحْي .

هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى التَّرْغِيب فِي النِّكَاح وَالْحَضّ عَلَيْهِ , وَتَنْهِي عَنْ التَّبَتُّل , وَهُوَ تَرْك النِّكَاح , وَهَذِهِ سُنَّة الْمُرْسَلِينَ كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة , وَالسُّنَّة وَارِدَة بِمَعْنَاهَا ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " وَقَالَ : ( مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ اِسْتَكْمَلَ نِصْف الدِّين فَلْيَتَّقِ اللَّه فِي النِّصْف الثَّانِي ) . وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاح يُعِفّ عَنْ الزِّنَا , وَالْعَفَاف أَحَد الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ضَمِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا الْجَنَّة فَقَالَ : ( مَنْ وَقَاهُ اللَّه شَرّ اِثْنَتَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّة مَا بَيْن لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْن رِجْلَيْهِ ) خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأ وَغَيْره . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : ( جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! قَدْ غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ . فَقَالَ أَحَدهمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْل أَبَدًا , وَقَالَ الْآخَر : إِنِّي أَصُوم الدَّهْر فَلَا أُفْطِر. وَقَالَ الْآخَر : أَنَا أَعْتَزِل النِّسَاء فَلَا أَتَزَوَّج ; فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُوم وَأُفْطِر وَأُصَلِّي وَأَرْقُد وَأَتَزَوَّج النِّسَاء فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ ; وَهَذَا أَبْيَن . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ : ( أَرَادَ عُثْمَان أَنْ يَتَبَتَّل فَنَهَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " الْحَضّ عَلَى طَلَب الْوَلَد وَالرَّدّ عَلَى مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنِّي لَأَتَزَوَّج الْمَرْأَة وَمَا لِي فِيهَا مِنْ حَاجَة , وَأَطَؤُهَا وَمَا أَشْتَهِيهَا ; قِيلَ لَهُ : وَمَا يَحْمِلك عَلَى ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : حُبِّي أَنْ يُخْرِج اللَّه مِنِّي مَنْ يُكَاثِر بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّينَ يَوْم الْقِيَامَة ; وَإِنِّي سَمِعْته يَقُول : ( عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَب أَفْوَاهًا وَأَحْسَن أَخْلَاقًا وَأَنْتَق أَرْحَامًا وَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( أَنْتَق أَرْحَامًا ) أَقْبَل لِلْوَلَدِ ; وَيُقَال لِلْمَرْأَةِ الْكَثِيرَة الْوَلَد نَاتِق ; لِأَنَّهَا تَرْمِي بِالْأَوْلَادِ رَمْيًا . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَصَبْت امْرَأَة ذَات حَسَب وَجَمَال , وَإِنَّهَا لَا تَلِد , أَفَأَتَزَوَّجهَا ؟ قَالَ " لَا " ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَنَهَاهُ , ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ : ( تَزَوَّجُوا الْوَدُود الْوَلُود فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم ) صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ وَحَسْبك .



عَادَ الْكَلَام إِلَى مَا اِقْتَرَحُوا مِنْ الْآيَات - مَا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي هَذِهِ السُّورَة - فَأَنْزَلَ اللَّه ذَلِكَ فِيهِمْ ; وَظَاهِر الْكَلَام حَظْر وَمَعْنَاهُ النَّفْي ; لِأَنَّهُ لَا يُحْظَر عَلَى أَحَد مَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ .


أَيْ لِكُلِّ أَمْر قَضَاهُ اللَّه كِتَاب عِنْد اللَّه ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , الْمَعْنَى : لِكُلِّ كِتَاب أَجَل ; قَالَهُ الْفَرَّاء وَالضَّحَّاك ; أَيْ لِكُلِّ أَمْر كَتَبَهُ اللَّه أَجَل مُؤَقَّت , وَوَقْت مَعْلُوم ; نَظِيره . " لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ " [ الْأَنْعَام : 67 ] ; بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد لَيْسَ عَلَى اِقْتِرَاح الْأُمَم فِي نُزُول الْعَذَاب , بَلْ لِكُلٍّ أَجَل كِتَاب . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لِكُلِّ مُدَّة كِتَاب مَكْتُوب , وَأَمْر مُقَدَّر لَا تَقِف عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي " نَوَادِر الْأُصُول " عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا اِرْتَقَى مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه طُور سَيْنَاء رَأَى الْجَبَّار فِي إِصْبَعه خَاتَمًا , فَقَالَ : يَا مُوسَى مَا هَذَا ؟ وَهُوَ أَعْلَم بِهِ , قَالَ : شَيْء مِنْ حُلِيّ الرِّجَال , قَالَ : فَهَلْ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَسْمَائِي مَكْتُوب أَوْ كَلَامِي ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : فَاكْتُبْ عَلَيْهِ " لِكُلِّ أَجَل كِتَاب " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التعليق على ميمية ابن القيم

    القصيدة الميمية [ الرحلة إلى بلاد الأشواق ] للإمام ابن القيم - رحمه الله -: هي قصيدة عظيمة، علمية، وعظية، تربوية، تطرق فيها لأمور كثيرة، من أهمها: مشهد الحجيج وانتفاضة البعث، وسبيل النجاة، وذكر الجنة ونعيمها. وقد شرحها بعض العلماء، منهم: العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -، وفي هذه الصفحة تعليقه - رحمه الله - عليها.

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348432

    التحميل:

  • التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -، وعليها منتخبات من تقارير العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107037

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية [ محمد خليل هراس ]

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحه بعض أهل العلم، منهم الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - الذ يعد من أنسب الشروح لمتن الواسطية حيث تعرض فيه للموضوعات العقدية تبعاً للمتن فجاءت موضوعاته: أركان الإيمان، آيات الصفات وأحاديثها، فتنة القبر، القيامة، الشفاعة، القضاء والقدر، الإيمان والإسلام، الصحابة والخلافة، وأضاف بيان أبرز المخالفين لعقيدة السلف في هذه القضايا مع الرد الموجز عليهم.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق عفيفي - إسماعيل بن محمد الأنصاري

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107373

    التحميل:

  • المنح الإلهية في إقامة الحجة على البشرية

    المنح الإلهية في إقامة الحجة على البشرية : يتكون هذا الكتاب من فصلين: الأول: المنح الإلهية وأثرها في إقامة الحجة على البشرية. الثاني: مشاهد من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193682

    التحميل:

  • 100 فائدة من سورة يوسف

    100 فائدة من سورة يوسف: بحث قيم يشرح فيه الشيخ محمد بن صالح المنجد حفظه الله سورة يوسف، مبينًا الدروس والعبر والأحكام منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44756

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة