Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرعد - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) (الرعد) mp3
هَذَا مُتَّصِل بِقَوْلِ : " لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَبّه " [ يُونُس : 20 ] . وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ مُشْرِكِي مَكَّة فِيهِمْ أَبُو جَهْل وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة الْمَخْزُومِيَّانِ جَلَسُوا خَلْف الْكَعْبَة , ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُول اللَّه فَأَتَاهُمْ ; فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : إِنْ سَرَّك أَنْ نَتَّبِعك فَسَيِّرْ لَنَا جِبَال مَكَّة بِالْقُرْآنِ , فَأَذْهِبْهَا عَنَّا حَتَّى تَنْفَسِح ; فَإِنَّهَا أَرْض ضَيِّقَة , وَاجْعَلْ لَنَا فِيهَا عُيُونًا وَأَنْهَارًا , حَتَّى نَغْرِس وَنَزْرَع ; فَلَسْت كَمَا زَعَمْت بِأَهْوَن عَلَى رَبّك مِنْ دَاوُد حِين سَخَّرَ لَهُ الْجِبَال تَسِير مَعَهُ , وَسَخِّرْ لَنَا الرِّيح فَنَرْكَبهَا إِلَى الشَّام نَقْضِي عَلَيْهَا مِيرَتنَا وَحَوَائِجنَا , ثُمَّ نَرْجِع مِنْ يَوْمنَا ; فَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيح كَمَا زَعَمْت ; فَلَسْت بِأَهْوَن عَلَى رَبّك مِنْ سُلَيْمَان بْن دَاوُد , وَأَحْيِ لَنَا قُصَيًّا جَدّك , أَوْ مَنْ شِئْت أَنْتَ مِنْ مَوْتَانَا نَسْأَلهُ ; أَحَقّ مَا تَقُول أَنْتَ أَمْ بَاطِل ؟ فَإِنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى , وَلَسْت بِأَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْهُ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال " الْآيَة ; قَالَ مَعْنَاهُ الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك ; وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره : لَكَانَ هَذَا الْقُرْآن , لَكِنْ حُذِفَ إِيجَازًا , لِمَا فِي ظَاهِر الْكَلَام مِنْ الدَّلَالَة عَلَيْهِ ; كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَلَوْ أَنَّهَا نَفْس تَمُوت جَمِيعَة وَلَكِنَّهَا نَفْس تَسَاقَط أَنْفُسَا يَعْنِي لَهَانَ عَلَيَّ ; هَذَا مَعْنَى قَوْل قَتَادَة ; قَالَ : لَوْ فَعَلَ هَذَا قُرْآن قَبْل قُرْآنكُمْ لَفَعَلَهُ قُرْآنكُمْ . وَقِيلَ : الْجَوَاب مُتَقَدِّم , وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; أَيْ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أَنْزَلْنَا الْقُرْآن وَفَعَلْنَا بِهِمْ مَا اِقْتَرَحُوا . الْفَرَّاء : يَجُوز أَنْ يَكُون الْجَوَاب لَوْ فَعَلَ بِهِمْ هَذَا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ . الزَّجَّاج : " وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا " إِلَى قَوْله : " الْمَوْتَى " لَمَا آمَنُوا , وَالْجَوَاب الْمُضْمَر هُنَا مَا أُظْهِرَ فِي قَوْله : " وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة " [ الْأَنْعَام : 111 ] إِلَى قَوْله : " مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " [ الْأَنْعَام : 111 ] .



أَيْ هُوَ الْمَالِك لِجَمِيعِ الْأُمُور , الْفَاعِل لِمَا يَشَاء مِنْهَا , فَلَيْسَ مَا تَلْتَمِسُونَهُ مِمَّا يَكُون بِالْقُرْآنِ , إِنَّمَا يَكُون بِأَمْرِ اللَّه.



قَالَ الْفَرَّاء قَالَ الْكَلْبِيّ : " يَيْئَس " بِمَعْنَى يَعْلَم , لُغَة النَّخَع ; وَحَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُوا ; وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ فِي الصَّحَاح. وَقِيلَ : هُوَ لُغَة هَوَازِن ; أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَم ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَفَلَمْ يَعْلَمُوا وَيَتَبَيَّنُوا , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَة لِمَالِك بْن عَوْف النَّصْرِيّ : أَقُول لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ يَيْسِرُونَنِي أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي اِبْن فَارِس زَهْدَمِ يَيْسِرُونَنِي مِنْ الْمَيْسَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَيُرْوَى يَأْسِرُونَنِي مِنْ الْأَسْر . وَقَالَ رَبَاح بْن عَدِيّ : أَلَمْ يَيْئَس الْأَقْوَام أَنِّي أَنَا اِبْنُهُ وَإِنْ كُنْت عَنْ أَرْض الْعَشِيرَة نَائِيَا فِي كِتَاب الرَّدّ " أَنِّي أَنَا اِبْنه " وَكَذَا ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ : أَلَمْ يَعْلَم ; وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا : أَفَلَمْ يَعْلَم الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاء اللَّه لَهَدَى النَّاس جَمِيعًا مِنْ غَيْر أَنْ يُشَاهِدُوا الْآيَات . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْيَأْس الْمَعْرُوف ; أَيْ أَفَلَمْ يَيْئَس الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ إِيمَان هَؤُلَاءِ الْكُفَّار , لِعِلْمِهِمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَوْ أَرَادَ هِدَايَتهمْ لَهَدَاهُمْ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُول الْآيَات طَمَعًا فِي إِيمَان الْكُفَّار. وَقَرَأَ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس : " أَفَلَمْ يَتَبَيَّن الَّذِينَ آمَنُوا " مِنْ الْبَيَان . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاس الْمَكْتُوب " أَفَلَمْ يَيْئَس " قَالَ : أَظُنّ الْكَاتِب كَتَبَهَا وَهُوَ نَاعِس ; أَيْ زَادَ بَعْض الْحُرُوف حَتَّى صَارَ " يَيْئَس " . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح أَنَّهُ قَرَأَ - " أَفَلَمْ يَتَبَيَّن الَّذِينَ آمَنُوا " وَبِهَا اِحْتَجَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الصَّوَاب فِي التِّلَاوَة ; وَهُوَ بَاطِل عَنْ ابْن عَبَّاس , لِأَنَّ مُجَاهِدًا وَسَعِيد بْن جُبَيْر حَكَيَا الْحَرْف عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَلَى مَا هُوَ فِي الْمُصْحَف بِقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرو وَرِوَايَته عَنْ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس ; ثُمَّ إِنَّ مَعْنَاهُ : أَفَلَمْ يَتَبَيَّن ; فَإِنْ كَانَ مُرَاد اللَّه تَحْت اللَّفْظَة الَّتِي خَالَفُوا بِهَا الْإِجْمَاع فَقِرَاءَتنَا تَقَع عَلَيْهَا , وَتَأْتِي بِتَأْوِيلِهَا , وَإِنْ أَرَادَ اللَّه الْمَعْنَى الْآخَر الَّذِي الْيَأْس فِيهِ لَيْسَ مِنْ طَرِيق الْعِلْم فَقَدْ سَقَطَ مِمَّا أَوْرَدُوا ; وَأَمَّا سُقُوطه يُبْطِل الْقُرْآن , وَلُزُوم أَصْحَابه الْبُهْتَان . " أَنْ لَوْ يَشَاء اللَّه لَهَدَى النَّاس جَمِيعًا " " أَنْ " مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , أَيْ أَنَّهُ لَوْ يَشَاء اللَّه " لَهَدَى النَّاس جَمِيعًا " وَهُوَ يَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ .




أَيْ دَاهِيَة تَفْجَؤُهُمْ بِكُفْرِهِمْ ; وَعُتُوّهُمْ ; وَيُقَال : قَرَعَهُ أَمْر إِذَا أَصَابَهُ , وَالْجَمْع قَوَارِع ; وَالْأَصْل فِي الْقَرْع الضَّرْب ; قَالَ : أَفْنَى تِلَادِي وَمَا جَمَعْت مِنْ نَشَب قَرْع الْقَوَاقِيز أَفْوَاه الْأَبَارِيق أَيْ لَا يَزَال الْكَافِرُونَ تُصِيبهُمْ دَاهِيَة مُهْلِكَة مِنْ صَاعِقَة كَمَا أَصَابَ أَرْبَد أَوْ مِنْ قَتْل أَوْ مِنْ أَسْر أَوْ جَدْب , أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعَذَاب وَالْبَلَاء ; كَمَا نَزَلَ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ , وَهُمْ رُؤَسَاء الْمُشْرِكِينَ . وَقَالَ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْقَارِعَة النَّكْبَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَعِكْرِمَة : الْقَارِعَة الطَّلَائِع وَالسَّرَايَا الَّتِي كَانَ يُنَفِّذهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ " أَوْ تَحُلّ " أَيْ الْقَارِعَة. " قَرِيبًا مِنْ دَارهمْ " قَالَهُ قَتَادَة وَالْحَسَن. وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَوْ تَحُلّ أَنْتَ قَرِيبًا مِنْ دَارهمْ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ الْآيَة بِالْمَدِينَةِ ; أَيْ لَا تَزَال تُصِيبهُمْ الْقَوَارِع فَتَنْزِل بِسَاحَتِهِمْ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ كَقُرَى الْمَدِينَة وَمَكَّة .



فِي فَتْح مَكَّة ; قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَقِيلَ : نَزَلَتْ بِمَكَّة ; أَيْ تُصِيبهُمْ الْقَوَارِع , وَتَخْرُج عَنْهُمْ إِلَى الْمَدِينَة يَا مُحَمَّد , فَتَحُلّ قَرِيبًا مِنْ دَارهمْ , أَوْ تَحُلّ بِهِمْ مُحَاصِرًا لَهُمْ ; وَهَذِهِ الْمُحَاصَرَة لِأَهْلِ الطَّائِف , وَلِقِلَاعِ خَيْبَر , وَيَأْتِي وَعْد اللَّه بِالْإِذْنِ لَك فِي قِتَالهمْ وَقَهْرهمْ . وَقَالَ الْحَسَن : وَعَدَ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإسلام والمرأة

    الإسلام والمرأة: تحتوي هذه الرسالة على ستِّ مقالاتٍ حول المرأة في الإسلام، وهي: 1- ميراث المرأة بين الإسلام والأديان الأخرى. 2- الرد على شبهة تحريم زواج المسلمة من غير المسلم. 3- الرد على شبهة فتنة المرأة، ومعنى أنها تُقبِل في صورة شيطان. 4- تعدد الزوجات في الإسلام والديانات الأخرى. 5- الرد على شبهة أن ميراثَ الأُنثى نصف ميراث الذكر. 6- الرد على شبهة صوت المرأة عورة، ومعنى أنها خُلِقت من ضلعٍ أعوج.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381129

    التحميل:

  • مفهوم الحكمة في الدعوة

    مفهوم الحكمة في الدعوة: فهذه كلمات في الحكمة والدعوة دعا إليها - في تقديري - ما يلحظ في الساحة من نشاط يقوم به رجال أفاضل يدعون إلى الله، ويلاقون في دعوتهم ما يلاقيه من يقوم بمهمتهم في الماضي والحاضر وفي كل حين، فهي سنة الله في الحاضرين والغابرين. والدعوة إلى الله هي طريق المرسلين. وقد لاقى أنبياء الله في ذلك ما لاقوا من العنت والصدود والإباء والاستكبار من لدن فئات كثيرة، وطبقات كبيرة من الملأ الذين استكبروا. وفي هذه الكلمات سوف ينحصر الكلام على الحكمة بيانا لمعناها وإيضاحا لمدلولاتها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144922

    التحميل:

  • ثناء ابن تيمية على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و أهل البيت

    ثناء ابن تيمية على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و أهل البيت: جمع لأقوال بن تيمية في الثناء على آل البيت

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/74692

    التحميل:

  • معالم لقارئ القرآن الكريم

    معالم لقارئ القرآن الكريم: هذه الرسالة مُتعلِّقة بقارئ القرآن الكريم، ذكر فيها الشيخ - حفظه الله - شيئًا من علوم القرآن وبعض الفوائد المتعلقة بها، وذكر طريقةً في فهم وتفسير القرآن، ثم في ختام الرسالة نقل فتاوى العلماء المتعلقة بالقرآن الكريم. - قدَّم له: الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346604

    التحميل:

  • لماذا تدخن؟

    لماذا تدخن؟: فإن التدخين وباءٌ خطير، وشر مستطير، وبلاء مدمر، أضرارُه جسيمةٌ، وعواقبه وخيمة، وبيعه وترويجه جريمةٌ أيما جريمة، وقد وقع في شَرَكِهِ فئام من الناس، فغدا بألبابهم، واستولى على قلوبهم، فعزَّ عليهم تركُه، وصعب في نفوسهم أن يتخلصوا من أسْره، وفي هذه الرسالة حث للمدخنين على تركه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172575

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة