Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرعد - الآية 20

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) (الرعد) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه " هَذَا مِنْ صِفَة ذَوِي الْأَلْبَاب , أَيْ إِنَّمَا يَتَذَكَّر أُولُو الْأَلْبَاب الْمُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه. وَالْعَهْد اِسْم لِلْجِنْسِ ; أَيْ بِجَمِيعِ عُهُود اللَّه , وَهِيَ أَوَامِره وَنَوَاهِيه الَّتِي وَصَّى بِهَا عَبِيده ; وَيَدْخُل فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ اِلْتِزَام جَمِيع الْفُرُوض , وَتَجَنُّب جَمِيع الْمَعَاصِي . وَقَوْله : " وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق " يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ جِنْس الْمَوَاثِيق , أَيْ إِذَا عَقَدُوا فِي طَاعَة اللَّه عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ . قَالَ قَتَادَة : تَقَدَّمَ اللَّه إِلَى عِبَاده فِي نَقْضِ الْمِيثَاق وَنَهَى عَنْهُ فِي بِضْع وَعِشْرِينَ آيَة ; وَيَحْتَمِل أَنْ يُشِير إِلَى مِيثَاق بِعَيْنِهِ , هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّه عَلَى عِبَاده حِين أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْب أَبِيهِمْ آدَم . وَقَالَ الْقَفَّال : هُوَ مَا رُكِّبَ فِي عُقُولهمْ مِنْ دَلَائِل التَّوْحِيد وَالنُّبُوَّات .

الثَّانِيَة : رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْره عَنْ عَوْف بْن مَالِك قَالَ : ( كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) سَبْعَة أَوْ ثَمَانِيَة أَوْ تِسْعَة فَقَالَ : أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنَّا حَدِيث عَهْد بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا : قَدْ بَايَعْنَاك حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ; فَبَسَطْنَا أَيْدِينَا فَبَايَعْنَاهُ , فَقَالَ قَائِل : يَا رَسُول اللَّه ! إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاك فَعَلَى مَاذَا نُبَايِعك ؟ قَالَ : ( أَنْ تَعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَتُصَلُّوا الصَّلَوَات الْخَمْس وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا وَأَسَرَّ كَلِمَة خَفِيَّة - قَالَ : لَا تَسْأَلُوا النَّاس شَيْئًا ) . قَالَ : وَلَقَدْ كَانَ بَعْض أُولَئِكَ النَّفَر يَسْقُط - سَوْطه فَمَا يَسْأَل أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلهُ إِيَّاهُ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مِنْ أَعْظَم الْمَوَاثِيق فِي الذِّكْر أَلَّا يُسْأَل سِوَاهُ ; فَقَدْ كَانَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِيّ مِنْ كِبَار الْعُبَّاد سَمِعَ أَنَّ أُنَاسًا بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَسْأَلُوا أَحَدًا شَيْئًا , الْحَدِيث ; فَقَالَ أَبُو حَمْزَة : رَبّ ! إِنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيّك إِذْ رَأَوْهُ , وَأَنَا أُعَاهِدك أَلَّا أَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا ; قَالَ : فَخَرَجَ حَاجًّا مِنْ الشَّام يُرِيد مَكَّة فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيق مِنْ اللَّيْل إِذْ بَقِيَ عَنْ أَصْحَابه لِعُذْرٍ ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ , فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي إِلَيْهِمْ إِذْ سَقَطَ فِي بِئْر عَلَى حَاشِيَة الطَّرِيق ; فَلَمَّا حَلَّ فِي قَعْره قَالَ : أَسْتَغِيث لَعَلَّ أَحَدًا يَسْمَعنِي . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الَّذِي عَاهَدْته يَرَانِي وَيَسْمَعنِي , وَاَللَّه ! لَا تَكَلَّمْت بِحَرْفٍ لِلْبَشَرِ , ثُمَّ لَمْ يَلْبَث إِلَّا يَسِيرًا إِذْ مَرَّ بِذَلِكَ الْبِئْر نَفَر , فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَاشِيَة الطَّرِيق قَالُوا : إِنَّهُ لَيَنْبَغِي سَدّ هَذَا الْبِئْر ; ثُمَّ قَطَعُوا خَشَبًا وَنَصَبُوهَا عَلَى فَم الْبِئْر وَغَطَّوْهَا بِالتُّرَابِ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو حَمْزَة قَالَ : هَذِهِ مَهْلَكَة , ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغِيث بِهِمْ , ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّه ! لَا أَخْرُج مِنْهَا أَبَدًا ; ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسه فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ عَاهَدْت مَنْ يَرَاك ؟ فَسَكَتَ وَتَوَكَّلَ , ثُمَّ اِسْتَنَدَ فِي قَعْر الْبِئْر مُفَكِّرًا فِي أَمْره , فَإِذَا بِالتُّرَابِ يَقَع عَلَيْهِ ; وَالْخَشَب يُرْفَع عَنْهُ , وَسَمِعَ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ مِنْ يَقُول : هَاتِ يَدك ! قَالَ : فَأَعْطَيْته يَدِي فَأَقَلَّنِي فِي مَرَّة وَاحِدَة إِلَى فَم الْبِئْر ; فَخَرَجْت فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ; فَسَمِعْت هَاتِفًا يَقُول : كَيْف رَأَيْت ثَمَرَة التَّوَكُّل ; وَأَنْشَدَ : نَهَانِي حَيَائِي مِنْك أَنْ أَكْشِف الْهَوَى فَأَغْنَيْتنِي بِالْعِلْمِ مِنْك عَنْ الْكَشْف تَلَطَّفْت فِي أَمْرِي فَأَبْدَيْت شَاهِدِي إِلَى غَائِبِي وَاللُّطْف يُدْرَك بِاللُّطْفِ تَرَاءَيْت لِي بِالْعِلْمِ حَتَّى كَأَنَّمَا تُخَبِّرنِي بِالْغَيْبِ أَنَّك فِي كَفّ أَرَانِي وَبِي مِنْ هَيْبَتِي لَك وَحْشَة فَتُؤْنِسنِي بِاللُّطْفِ مِنْك وَبِالْعَطْفِ وَتُحْيِي مُحِبًّا أَنْتَ فِي الْحُبّ حَتْفه وَذَا عَجَبٌ كَيْف الْحَيَاة مَعَ الْحَتْف قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا رَجُل عَاهَدَ اللَّه فَوَجَدَ الْوَفَاء عَلَى التَّمَام وَالْكَمَال , فَاقْتَدُوا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَهْتَدُوا . قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : سُكُوت هَذَا الرَّجُل فِي هَذَا الْمَقَام عَلَى التَّوَكُّل بِزَعْمِهِ إِعَانَة عَلَى نَفْسه , وَذَلِكَ لَا يَحِلّ ; وَلَوْ فَهِمَ مَعْنَى التَّوَكُّل لَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي اِسْتِغَاثَته فِي تِلْكَ الْحَالَة ; كَمَا لَمْ يَخْرُج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَكُّل بِإِخْفَائِهِ الْخُرُوج مِنْ مَكَّة , وَاسْتِئْجَاره دَلِيلًا , وَاسْتِكْتَامه ذَلِكَ الْأَمْر , وَاسْتِتَاره فِي الْغَار , وَقَوْله لِسُرَاقَة : ( اِخْفِ عَنَّا ) . فَالتَّوَكُّل الْمَمْدُوح لَا يُنَال بِفِعْلٍ مَحْظُور ; وَسُكُوت هَذَا الْوَاقِع فِي الْبِئْر مَحْظُور عَلَيْهِ , وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ خَلَقَ لِلْآدَمِيِّ آلَة يَدْفَع عَنْهُ بِهَا الضَّرَر , وَآلَة يَجْتَلِب بِهَا النَّفْع , فَإِذَا عَطَّلَهَا مُدَّعِيًا لِلتَّوَكُّلِ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا بِالتَّوَكُّلِ , وَرَدًّا لِحِكْمَةِ التَّوَاضُع ; لِأَنَّ التَّوَكُّل إِنَّمَا هُوَ اِعْتِمَاد الْقَلْب عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَته قَطْع الْأَسْبَاب ; وَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا جَاعَ فَلَمْ يَسْأَل حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّار ; قَالَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَغَيْره , لِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى طَرِيقَة السَّلَامَة , فَإِذَا تَقَاعَدَ عَنْهَا أَعَانَ عَلَى نَفْسه . وَقَالَ أَبُو الْفَرَج : وَلَا اِلْتِفَات إِلَى قَوْل أَبِي حَمْزَة : " فَجَاءَ أَسَد فَأَخْرَجَنِي " فَإِنَّهُ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ يَقَع مِثْله اتِّفَاقًا وَقَدْ يَكُون لُطْفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى بِالْعَبْدِ الْجَاهِل , وَلَا يُنْكَر أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى لَطَفَ بِهِ , إِنَّمَا يُنْكَر فِعْله الَّذِي هُوَ كَسْبه , وَهُوَ إِعَانَته عَلَى نَفْسه الَّتِي هِيَ وَدِيعَة لِلَّهِ تَعَالَى عِنْده , وَقَدْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية

    جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية : كتيب في 77 صفحة متوسطة الحجم طبع عام 1419هـ سبب التأليف أن المؤلف لم ير من أفرد الكتابة عن هذا الجبل مع ما للكتابة عنه من أهمية لما علق به في قلوب العامة من البدع والضلالات فلابد من دلالتهم على الهدى وقد وضعه المؤلف في خمسة أبحاث هي: الأول: بيان صفة الجبل وتعيين موقعه وذرعه والمعالم الباقية لما أحدث فيه. الثاني: أسمائه. الثالث: أنه لا ذكر له في الرواية بعد التتبع ولا يتعلق به نسك. الرابع: تعيين موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات وحكمه للحجاج. الخامس: أنواع ما أُحدث في الجبل والموقف من الأبنية والأقوال والأفعال وتاريخها. ثم خاتمة فيها خلاصة ما تقدم من أنه ليس له اسم إلا جبل إلال بالكسر على وزن هلال وبالفتح على وزن سَحاب. وجبل عرفات وما سواها محدث وأقدم نص وقف عليه المؤلف في تسميته بجبل الرحمة هو في رحلة ناصر خسرو ت 444هـ المسماة (سفر نامه) وأنه لا ذكر له في الرواية ولا يتعلق به نسك وما ذكر بعض العلماء من استحباب صعوده لا يعول عليه وأنه يجب رفع وسائل الإغراء بالجبل من المحدثات وهي أربعة عشر محدثاً من الأبنية. واثنان وثلاثون محدثاً من الأقوال والأفعال المبتدعة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169191

    التحميل:

  • الحوار مع أتباع الأديان [ مشروعيته وآدابه ]

    الحوار مع أتباع الأديان: في هذه الرسالة بيان أنواع الحوار ومشروعيتها، آداب الحوار، هل آيات الأمر بالدعوة والجدال والحوار منسوخة بآية السيف؟ بيان بعض المحظورات في الحوار.

    الناشر: موقع رابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228830

    التحميل:

  • في رحاب الإسلام

    في رحاب الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات الإسلامية تتعلَّق بالدعوة إلى إصلاحِ الفردِ المُسلمِ، رأيتُ أن أُقدِّمها لإخواني المُسلمين؛ رجاء تحقيقِ الهدفين التاليين: أولاً: رجاء أن ينتفِع بها المُسلِمون .. ثانيًا: رجاء أن ينفعني الله تعالى بذلك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384413

    التحميل:

  • ليس عليك وحشة

    ليس عليك وحشة: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الدعوة إلى الله من أوجب الواجبات وأهم المهمات وأعظم القربات. وتبرئة للذمة. ولما في هذه العبادة من الثواب العظيم والأجر الجزيل قام بها خيار الأمة، حتى أشرقت الأرض بنور ربها، فذلت لهم الرقاب ودانت لهم البلاد. وتذكيرًا لنفسي - وللأحبة الكرام - بهذا الأمر العظيم، وخاصة في فترة أهمل فيها هذا الجانب أو ضعف، جمعت بعض وسائل ومداخل - هي أقرب إلى الخواطر - تعين على طرق سبل الدعوة فيستأنس بها ويؤخذ منها، وجعلت لها علامات وعليها منارات؛ لكي نسير على الخطى ونقتفي الأثر في طريق غير موحشة؛ لأن أقدام الأنبياء والصالحين وطأته وتغبرت في طرقه. ولم أذكر إلا ما كان في نطاق دعوة الفرد الواحد فحسب؛ لأهميته، وإلا فالمجتمع بعامته له أساليب ووسائل أخر».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208981

    التحميل:

  • ألفية الحديث للحافظ العراقي

    ألفية الحديث للحافظ العراقي: تعتبر هذه المنظومة من أجل متون علوم مصطلح الحديث، وقد اتفق على جلالة قدرها وعظم نفعها جمهور المحدثين ممن جاء بعد ناظمها, فلا يحصى من رواها وحفظها, وشرحها وعلق عليها من المشتغلين بعلوم الحديث الشريف.

    المدقق/المراجع: عبد الله بن محمد سفيان الحكمي

    الناشر: موقع المتون العلمية http://www.almtoon.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335285

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة