Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرعد - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) (الرعد) mp3
ضَرَبَ مَثَلًا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل ; فَشَبَّهَ الْكُفْر بِالزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الْمَاء , فَإِنَّهُ يَضْمَحِلّ وَيَعْلَق بِجَنَبَاتِ الْأَوْدِيَة , وَتَدْفَعهُ الرِّيَاح ; فَكَذَلِكَ يَذْهَب الْكُفْر وَيَضْمَحِلّ , عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ . قَالَ مُجَاهِد : " فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا " قَالَ : بِقَدْرِ مِلْئِهَا . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : بِقَدْرِ صِغَرهَا وَكِبَرهَا . وَقَرَأَ الْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ وَالْحَسَن " بِقَدْرِهَا " بِسُكُونِ الدَّال , وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقِيلَ : مَعْنَاهَا بِمَا قُدِّرَ لَهَا . وَالْأَوْدِيَة. جَمْع الْوَادِي ; وَسُمِّيَ وَادِيًا لِخُرُوجِهِ وَسَيَلَانه ; فَالْوَادِي عَلَى هَذَا اِسْم لِلْمَاءِ السَّائِل . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : " فَسَالَتْ أَوْدِيَة " تَوَسُّع ; أَيْ سَالَ مَاؤُهَا فَحُذِفَ , قَالَ : وَمَعْنَى " بِقَدَرِهَا " بِقَدْرِ مِيَاههَا ; لِأَنَّ الْأَوْدِيَة مَا سَالَتْ بِقَدْرِ أَنْفُسهَا. " فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا " أَيْ طَالِعًا عَالِيًا مُرْتَفِعًا فَوْق الْمَاء ; وَتَمَّ الْكَلَام ; قَالَهُ مُجَاهِد . ثُمَّ قَالَ : " وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار " وَهُوَ الْمَثَل الثَّانِي. " اِبْتِغَاء حِلْيَة " أَيْ حِلْيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة . " أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله " قَالَ مُجَاهِد : الْحَدِيدُ وَالنُّحَاسُ وَالرَّصَاص . وَقَوْله : " زَبَد مِثْله " أَيْ يَعْلُو هَذِهِ الْأَشْيَاء زَبَد كَمَا يَعْلُو السَّيْل ; وَإِنَّمَا اِحْتَمَلَ السَّيْل الزَّبَد لِأَنَّ الْمَاء خَالَطَهُ تُرَاب الْأَرْض فَصَارَ ذَلِكَ زَبَدًا , كَذَلِكَ مَا يُوقَد عَلَيْهِ فِي النَّار مِنْ الْجَوْهَر وَمِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة مِمَّا يَنْبَثّ فِي الْأَرْض مِنْ الْمَعَادِن فَقَدْ خَالَطَهُ التُّرَاب ; فَإِنَّمَا يُوقَد عَلَيْهِ لِيَذُوبَ فَيُزَايِلهُ تُرَاب الْأَرْض . وَقَوْله : " كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْحَقّ وَالْبَاطِل فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء " قَالَ مُجَاهِد : جُمُودًا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : أَجْفَأَتْ الْقِدْر إِذَا غَلَتْ حَتَّى يَنْصَبّ زَبَدهَا , وَإِذَا جَمَدَ فِي أَسْفَلهَا. وَالْجُفَاء مَا أَجْفَاهُ الْوَادِي أَيْ رَمَى بِهِ . وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَة أَنَّهُ سَمِعَ رُؤْبَة يَقْرَأ " جُفَالًا " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : يُقَال أَجَفَلَتْ الْقِدْر إِذَا قَذَفَتْ بِزَبَدِهَا , وَأَجْفَلَتْ الرِّيح السَّحَاب إِذَا قَطَعَتْهُ . " وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض " قَالَ مُجَاهِد : هُوَ الْمَاء الْخَالِص الصَّافِي . وَقِيلَ : الْمَاء وَمَا خَلَصَ مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاص ; وَهُوَ أَنَّ الْمَثَلَيْنِ ضَرَبَهُمَا اللَّه لِلْحَقِّ فِي ثَبَاته , وَالْبَاطِل فِي اِضْمِحْلَاله , فَالْبَاطِل وَإِنْ عَلَا فِي بَعْض الْأَحْوَال فَإِنَّهُ يَضْمَحِلّ كَاضْمِحْلَالِ الزَّبَد وَالْخَبَث. وَقِيلَ : الْمُرَاد مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْقُرْآنِ وَمَا يَدْخُل مِنْهُ الْقُلُوب ; فَشَبَّهَ الْقُرْآن بِالْمَطَرِ لِعُمُومِ خَيْره وَبَقَاء نَفْعه , وَشَبَّهَ الْقُلُوب بِالْأَوْدِيَةِ , يَدْخُل فِيهَا مِنْ الْقُرْآن مِثْل مَا يَدْخُل فِي الْأَوْدِيَة بِحَسَبِ سَعَتهَا وَضِيقهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : " أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء " قَالَ : قُرْآنًا , " فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا " قَالَ : الْأَوْدِيَة قُلُوب الْعِبَاد . قَالَ صَاحِب " سُوق الْعَرُوس " إِنْ صَحَّ هَذَا التَّفْسِير فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَثَّلَ الْقُرْآن بِالْمَاءِ . وَمَثَّلَ الْقُلُوب بِالْأَوْدِيَةِ , وَمَثَّلَ الْمُحْكَم بِالصَّافِي , وَمَثَّلَ الْمُتَشَابِه بِالزَّبَدِ. وَقِيلَ : الزَّبَد مَخَايِل النَّفْس وَغَوَائِل الشَّكّ تَرْتَفِع مِنْ حَيْثُ مَا فِيهَا فَتَضْطَرِب مِنْ سُلْطَان تِلَعهَا , كَمَا أَنَّ مَاء السَّيْل يَجْرِي صَافِيًا فَيَرْفَع مَا يَجِد فِي الْوَادِي بَاقِيًا , وَأَمَّا حِلْيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة فَمِثْل الْأَحْوَال السُّنِّيَّة . وَالْأَخْلَاق الزَّكِيَّة ; الَّتِي بِهَا جَمَال الرِّجَال , وَقَوَام صَالِح الْأَعْمَال , كَمَا أَنَّ مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة زِينَة النِّسَاء , وَبِهِمَا قِيمَة الْأَشْيَاء . وَقَرَأَ حُمَيْد وَابْن مُحَيْصِن وَيَحْيَى وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَحَفْص , " يُوقِدُونَ " بِالْيَاءِ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; لِقَوْلِهِ : " يَنْفَع النَّاس " فَأَخْبَرَ , وَلَا مُخَاطَبَة هَاهُنَا . الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّل الْكَلَام : " أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونه أَوْلِيَاء " [ الرَّعْد : 16 ] الْآيَة . وَقَوْله : " فِي النَّار " مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ , وَهُوَ فِي مَوْضِع الْحَال , وَذُو الْحَال الْهَاء الَّتِي فِي " عَلَيْهِ " التَّقْدِير : وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِي النَّار أَوْ كَائِنًا . وَفِي قَوْله : " فِي النَّار " ضَمِير مَرْفُوع يَعُود إِلَى الْهَاء الَّتِي هِيَ اِسْم ذِي الْحَال وَلَا يَسْتَقِيم أَنْ يَتَعَلَّق " فِي النَّار " ب " يُوقِدُونَ " مِنْ حَيْثُ لَا يَسْتَقِيم أَوْقَدْت عَلَيْهِ فِي النَّار ; لِأَنَّ الْمُوقَد عَلَيْهِ يَكُون فِي النَّار , فَيَصِير قَوْله : " فِي النَّار " غَيْر مُفِيد. وَقَوْله : " اِبْتِغَاء حِلْيَة " مَفْعُول لَهُ . " زَبَد مِثْله " اِبْتِدَاء وَخَبَر ; أَيْ زَبَد مِثْل زَبَد السَّيْل . وَقِيلَ : إِنَّ خَبَر " زَبَد " قَوْله : " فِي النَّار " الْكِسَائِيّ : " زَبَد " اِبْتِدَاء , و " مِثْله " نَعْت لَهُ , وَالْخَبَر فِي الْجُمْلَة الَّتِي قَبْله , وَهُوَ " مِمَّا يُوقِدُونَ " . " كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْأَمْثَال " أَيْ كَمَا بَيَّنَ لَكُمْ هَذِهِ الْأَمْثَال فَكَذَلِكَ يَضْرِبهَا بَيِّنَات . تَمَّ الْكَلَام , ثُمَّ قَالَ :
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أحكام الدفن والقبور

    أحكام الدفن والقبور: في هذا الكتاب ذكر المؤلف الأحاديث المشتركة بين أهل السنة والإمامية في أحكام الدفن، قال المؤلِّف: «منهج العمل في الكتاب: 1- استخرجتُ جهدي - الأحاديث المشتركة في اللفظ - ما أمكن - أو الفحوى، في المسائل التي جرى البحثُ فيها عن الأحاديث المشتركة، من مسائل الدفن والقبور. 2- اقتصر جُلُّ اعتمادي على الكتب المعتمدة المشهورة عند الفريقين، ولم أخرج عن الكتب المشهورة إلا على سبيل الاستئناس والمُصاحبة، بعد ذكر الموجود في المُصنَّفات المشهور مُقدَّمًا. 3- صنَّفتُ الأحاديث على أبواب، وضعتُ تراجمها من لفظي؛ بحيث تكون ترجمةً مختصرةً، حاويةً خلاصةَ المعنى الذي تدلُّ عليه أحاديثُ الباب عمومًا. 4- أردفتُ الأحاديث بالتخريج في نفس المتن ليكون أسهل للقارئ، وأليَق بموضوع الكتاب. 5- وضعتُ فهارسَ أطراف الحديث والرواة، لأحاديث الفريقين. 6- ألحقتُ الكتابَ بثبت المراجع المُستخدمة فيه من كتب الفريقين. 7- كتبتُ مقدمةً لطيفةً، فيها كلمة يسيرة عن الدفنِ وحِكمته وحُكمه، ومنهج العمل في الكتاب».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380428

    التحميل:

  • البيان المطلوب لكبائر الذنوب

    البيان المطلوب لكبائر الذنوب : في هذه الرسالة جمع المؤلف بعض كبائر الذنوب، التي نهى الله عنها ورسوله، ورتب عليها الوعيد الشديد بالعذاب الأليم، ليتذكرها المؤمن فيخاف منها ومن سوء عاقبتها فيتجنبها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209123

    التحميل:

  • مختصر الإيمان بالقضاء والقدر

    مختصر الإيمان بالقضاء والقدر : هذه الرسالة مختصرة من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر للمؤلف.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172705

    التحميل:

  • الرسالة التدمرية

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272963

    التحميل:

  • التعبد بالأسماء والصفات [ لمحات علمية إيمانية ]

    التعبد بالأسماء والصفات : بيان أهمية التعبد بالأسماء والصفات، وأركان التعبد بالأسماء والصفات، ومراتب التعبد بالأسماء والصفات، وطرق الوصول إلى التعبد بالأسماء والصفات، ثم بيان آثار التعبد بالأسماء والصفات، ثم ذر مثال تطبيقي للتعبد بالأسماء والصفات، وهو التعبد باسم الله ( الرحمن ).

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166797

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة