Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرعد - الآية 15

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ (15) (الرعد) mp3
قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : الْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا , وَالْكَافِر يَسْجُد كَرْهًا بِالسَّيْفِ . وَعَنْ قَتَادَة أَيْضًا : يَسْجُد الْكَافِر كَارِهًا حِين لَا يَنْفَعهُ الْإِيمَان . وَقَالَ الزَّجَّاج : سُجُود الْكَافِر كَرْهًا مَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوع وَأَثَر الصَّنْعَة . وَقَالَ اِبْن زَيْد : " طَوْعًا " مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام رَغْبَة , و " كَرْهًا " مَنْ دَخَلَ فِيهِ رَهْبَة بِالسَّيْفِ. وَقِيلَ : " طَوْعًا " مَنْ طَالَتْ مُدَّة إِسْلَامه فَأَلِفَ السُّجُود , و " كَرْهًا " مَنْ يُكْرِه نَفْسه لِلَّهِ تَعَالَى ; فَالْآيَة فِي الْمُؤْمِنِينَ , وَعَلَى هَذَا يَكُون مَعْنَى " وَالْأَرْض " وَبَعْض مَنْ فِي الْأَرْض . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَفِي الْآيَة مَسْلَكَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا عَامَّة وَالْمُرَاد بِهَا التَّخْصِيص ; فَالْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا , وَبَعْض الْكُفَّار يَسْجُدُونَ إِكْرَاهًا وَخَوْفًا كَالْمُنَافِقِينَ ; فَالْآيَة مَحْمُولَة عَلَى هَؤُلَاءِ , ذَكَرَهُ الْفَرَّاء. وَقِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْل : الْآيَة فِي الْمُؤْمِنِينَ ; مِنْهُمْ مَنْ يَسْجُد طَوْعًا لَا يَثْقُل عَلَيْهِ السُّجُود , وَمِنْهُمْ مَنْ يَثْقُل عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اِلْتِزَام التَّكْلِيف مَشَقَّة , وَلَكِنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّة إِخْلَاصًا وَإِيمَانًا , إِلَى أَنْ يَأْلَفُوا الْحَقّ وَيَمْرُنُوا عَلَيْهِ . وَالْمَسْلَك الثَّانِي : وَهُوَ الصَّحِيح - إِجْرَاء الْآيَة عَلَى التَّعْمِيم ; وَعَلَى هَذَا طَرِيقَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا , وَأَمَّا الْكَافِر فَمَأْمُور بِالسُّجُود مُؤَاخَذ بِهِ . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْحَقّ - أَنَّ الْمُؤْمِن يَسْجُد بِبَدَنِهِ طَوْعًا , وَكُلّ مَخْلُوق مِنْ الْمُؤْمِن وَالْكَافِر يَسْجُد مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَخْلُوق , يَسْجُد دَلَالَة وَحَاجَة إِلَى الصَّانِع ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ " [ الْإِسْرَاء : 44 ] وَهُوَ تَسْبِيح دَلَالَة لَا تَسْبِيح عِبَادَة .



أَيْ ظِلَال الْخَلْق سَاجِدَة لِلَّهِ تَعَالَى بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال ; لِأَنَّهَا تَبِين فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ , وَتَمِيل مِنْ نَاحِيَة إِلَى نَاحِيَة ; وَذَلِكَ تَصْرِيف اللَّه إِيَّاهَا عَلَى مَا يَشَاء ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْء يَتَفَيَّأُ ظِلَاله عَنْ الْيَمِين وَالشَّمَائِل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ " [ النَّحْل : 48 ] قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقَالَ مُجَاهِد : ظِلّ الْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا وَهُوَ طَائِع ; وَظِلّ الْكَافِر يَسْجُد كَرْهًا وَهُوَ كَارِه . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يُجْعَل لِلظِّلَالِ عُقُول تَسْجُد بِهَا وَتَخْشَع بِهَا , كَمَا جُعِلَ لِلْجِبَالِ أَفْهَام حَتَّى خَاطَبَتْ وَخُوطِبَتْ. قَالَ الْقُشَيْرِيّ : فِي هَذَا نَظَر ; لِأَنَّ الْجَبَل عَيْن , فَيُمْكِن أَنْ يَكُون لَهُ عَقْل بِشَرْطِ تَقْدِير الْحَيَاة , وَأَمَّا الظِّلَال فَآثَار وَأَعْرَاض , وَلَا يُتَصَوَّر تَقْدِير الْحَيَاة لَهَا , وَالسُّجُود بِمَعْنَى الْمَيْل ; فَسُجُود الظِّلَال مَيْلهَا مِنْ جَانِب إِلَى جَانِب ; يُقَال : سَجَدَتْ النَّخْلَة أَيْ مَالَتْ . و " الْآصَال " جَمْع أُصُل , وَالْأُصُل جَمْع أَصِيل ; وَهُوَ مَا بَيْن الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب , ثُمَّ أَصَائِل جَمْع الْجَمْع ; قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْت أُكْرِمَ أَهْله وَأَقْعدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ و " ظِلَالهمْ " يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى " مَنْ " وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِرْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف ; التَّقْدِير : وَظِلَالهمْ سُجَّد بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال و " بِالْغُدُوِّ " يَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع غَدَاة ; يُقَوِّي كَوْنه جَمْعًا مُقَابَلَة الْجَمْع الَّذِي هُوَ الْآصَال بِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة

    حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة: كتيب مبارك احتوى على جل ما يحتاجه المسلم من الأدعية والأذكار في يومه وليله، وما يحزبه له من أمور عارضة في شؤون حياته، وقد قام الشيخ مجدي بن عبد الوهاب الأحمد - وفقه الله - بشرحه شرحًا مختصرًا، وقام المؤلف - جزاه الله خيرًا - بمراجعته.

    المدقق/المراجع: سعيد بن علي بن وهف القحطاني

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1214

    التحميل:

  • رسالة للمتأخرين عن الإنجاب

    رسالة للمتأخرين عن الإنجاب : فإن مما لاشك فيه أن حب الأولاد من بنين وبنات شيء فطري، جبل عليه الإنسان، وهو من محاسن الإسلام؛ لبقاء النوع البشري ولعمارة الكون، وغيرها من الفوائد الكثيرة. وفي هذه الرسالة - أخي الكريم - يخاطب المصنف شريحتين من شرائح المجتمع في هذا الجانب، كلاِّ بما يناسبها: الأولى: هم أولئك المتأخرون عن الإنجاب بغير قصد، ولديهم رغبة جامحة، ونفوسهم تتوق إلى رؤية نسلهم وخلفهم، وتأخروا عن الإنجاب مع تلمسهم لأسبابه، بتقدير الله - جل وعلا -. الثانية: المتأخرون عن الإنجاب بقصد، وهم أولئك الذين أخروا مسألة الإنجاب، وبرروا عملهم بمبررات واهية، أو تأثروا بشبه تلقفوها من هنا وهناك. وهذه الرسالة محاولة لتلمس المشكلة وبيان علاجها بالدليل الشرعي، وبيان أقوال أهل العلم في ذلك، نصيحة لعامة المسلمين التي حثنا عليها نبينا - عليه الصلاة والسلام - بقوله: «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66724

    التحميل:

  • الأنفاس الأخيرة

    الأنفاس الأخيرة: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله - عز وجل - جعل هذه الدنيا دار ممر لا دار مقر وجعل بعدها الحساب والجزاء، ولما كان آخر أنفاسنا من هذه الدنيا هي ساعة الاحتضار وما يلاقيه المحتضر من شدة وكرب فإن الكيس الفطن هو من يرى كيف مر الموقف بغيره؟ وكيف تغشى أحبته؟ وماذا جرى لهم لكي يستعد ويتجهز ويكون على أُهبة لملاقاة الموت؟ وقد انتقيت للأخ الحبيب مجموعة من تلك المواقف المختلفة ابتداءً بنبي الأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومرورًا بالصحابة والسلف ليكون على بصيرة فينظر موضع قدمه ونهاية أنفاسه .. وهي صور فيها خوف ووجل ولكنها عبرة لمن اعتبر وإيقاظ لمن غفل. وهذا الكتاب هو «الثاني عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» أخذت أصله من كتابي «لحظات ساكنة» بناءً على طلب بعض الإخوة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208940

    التحميل:

  • شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية [ بازمول ]

    مقدمة في أصول التفسير: هذه المقدمة من نفائس ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فقد ذكر فيها قواعد نافعة لفهم أصول التفسير، وهي صغيرة الحجم، تقع في 46 صفحة بحسب مجموع الفتاوى في الجزء رقم 13 من ص 329 حتى ص 375. وقد ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية استجابة لرغبة بعض طلابه، وقد أشار إلى ذلك في المقدمة، وفي هذه الصفحة شرح لها كتبه الشيخ محمد بن عمر بن سالم بازمول - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2072

    التحميل:

  • تفسير القرطبي [ الجامع لأحكام القرآن ]

    تفسير القرطبي [ الجامع لأحكام القرآن ]: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير القرطبي، وهو من أجَلِّ التفاسير وأعظمها نفعاً، كما قال ابن فرحون, ويتميز بتوسعه في ذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، وبيان الغريب من ألفاظ القرآن, ويردُّ على المعتزلة، والقدرية، والروافض، والفلاسفة، وغلاة المتصوفة, وينقل عن السَّلَف كثيراً مما أُثِر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله, وأما من ناحية الأحكام، فيستفيض في ذكر مسائل الخلاف المتعلقة بالآيات مع بيان أدلة كلِّ قول. وطريقته أنه كثيراً ما يورد تفسير الآية أو أكثر في مسائل يذكر فيها غالباً فضل السورة أو الآية - وربما قدَّم ذلك على المسائل- وأسباب النزول, والآثار المتعلِّقة بتفسير الآية, مع ذكر المعاني اللغوية, متوسعاً في ذلك بذكر الاشتقاق, والتصريف, والإعراب وغيره, مستشهداً بأشعار العرب، وذكر أوجه القراءات في الآية, ويستطرد كثيراً في ذكر الأحكام الفقهية المتعلقة بالآية, إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليه تفسيره من ترجيح, أو حكم على حديث, أو تعقب, أو كشف لمذاهب بعض أهل البدع. ويؤخذ عليه استطراده أحياناً فيما لا يمت للتفسير بصلة, وإيراده أخباراً ضعيفة بل وموضوعة دون تنبيه, وتأويله للصفات مع أوهام وقعت له.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140030

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة