Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الرعد - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) (الرعد) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِبْتِغَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْحَقّ وَالْبَاطِل فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْأَمْثَال } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل وَالْإِيمَان بِهِ وَالْكُفْر , يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : مَثَل الْحَقّ فِي ثَبَاته وَالْبَاطِل فِي اِضْمِحْلَاله مَثَل مَاء أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض { فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } يَقُول : فَاحْتَمَلَتْهُ الْأَوْدِيَة بِمِلْئِهَا الْكَبِير بِكِبَرِهِ وَالصَّغِير بِصِغَرِهِ , { فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } يَقُول : فَاحْتَمَلَ السَّيْل الَّذِي حَدَثَ عَنْ ذَلِكَ الْمَاء الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء زَبَدًا عَالِيًا فَوْق السَّيْل . فَهَذَا أَحَد مَثَلَيْ الْحَقّ وَالْبَاطِل , فَالْحَقّ هُوَ الْمَاء الْبَاقِي الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء , وَالزَّبَد الَّذِي لَا يَنْتَفِع بِهِ هُوَ الْبَاطِل . وَالْمَثَل الْآخَر : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِبْتِغَاء حِلْيَة } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَثَل آخَر لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل , مِثْل فِضَّة أَوْ ذَهَب يُوقِد عَلَيْهَا النَّاس فِي النَّار طَلَب حِلْيَة يَتَّخِذُونَهَا أَوْ مَتَاع , وَذَلِكَ مِنْ النُّحَاس وَالرَّصَاص وَالْحَدِيد , يُوقَد عَلَيْهِ لِيُتَّخَذ مِنْهُ مَتَاع يُنْتَفَع بِهِ ; { زَبَد مِثْله } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء زَبَد مِثْله , بِمَعْنَى : مِثْل زَبَد السَّيْل لَا يُنْتَفَع بِهِ وَيَذْهَب بَاطِلًا , كَمَا لَا يُنْتَفَع بِزَبَدِ السَّيْل وَيَذْهَب بَاطِلًا . وَرُفِعَ " الزَّبَد " بِقَوْلِهِ : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار } وَمَعْنَى الْكَلَام : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار زَبَد مِثْل زَبَد السَّيْل فِي بُطُول زَبَده , وَبَقَاء خَالِص الذَّهَب وَالْفِضَّة . يَقُول اللَّه تَعَالَى : { كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْحَقّ وَالْبَاطِل } يَقُول : كَمَا مَثَل اللَّه الْإِيمَان وَالْكُفْر فِي بُطُول الْكُفْر وَخَيْبَة صَاحِبه عِنْد مُجَازَاة اللَّه بِالْبَاقِي النَّافِع مِنْ مَاء السَّيْل وَخَالِص الذَّهَب وَالْفِضَّة , كَذَلِكَ يُمَثِّل اللَّه الْحَقّ وَالْبَاطِل . { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } يَقُول : فَأَمَّا الزَّبَد الَّذِي عَلَا السَّيْل , وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَالنُّحَاس وَالرَّصَاص عِنْد الْوُقُود عَلَيْهَا , فَيَذْهَب بِدَفْعِ الرِّيَاح وَقَذْف الْمَاء بِهِ وَتَعَلُّقه بِالْأَشْجَارِ وَجَوَانِب الْوَادِي . { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس } مِنْ الْمَاء وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَالرَّصَاص وَالنُّحَاس , فَالْمَاء يَمْكُث فِي الْأَرْض فَتَشْرَبهُ , وَالذَّهَب وَالْفِضَّة تَمْكُث لِلنَّاسِ . { كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْأَمْثَال } يَقُول : كَمَا مَثَّلَ هَذَا الْمَثَل لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْر , كَذَلِكَ يُمَثِّل الْأَمْثَال . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15418 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } فَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه اِحْتَمَلَتْ مِنْهُ الْقُلُوب عَلَى قَدْر يَقِينهَا وَشَكّهَا , فَأَمَّا الشَّكّ فَلَا يَنْفَع مَعَهُ الْعَمَل , وَأَمَّا الْيَقِين فَيَنْفَع اللَّه بِهِ أَهْله , وَهُوَ قَوْله : { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } وَهُوَ الشَّكّ , { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } وَهُوَ الْيَقِين , كَمَا يَجْعَل الْحُلِيّ فِي النَّار , فَيُؤْخَذ خَالِصه وَيُتْرَك خَبَثه فِي النَّار , فَكَذَلِكَ يَقْبَل اللَّه الْيَقِين وَيَتْرُك الشَّكّ . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } يَقُول : اِحْتَمَلَ السَّيْل مَا فِي الْوَادِي مِنْ عُود وَدِمْنَة ; { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار } فَهُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحِلْيَة وَالْمَتَاع وَالنُّحَاس وَالْحَدِيد , وَلِلنُّحَاسِ وَالْحَدِيد خَبَث , فَحَمَلَ اللَّه مِثْل خَبَثه كَزَبَدِ الْمَاء ; { فَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس } فَالذَّهَب وَالْفِضَّة , وَأَمَّا مَا يَنْفَع الْأَرْض فَمَا شَرِبَتْ مِنْ الْمَاء فَأَنْبَتَتْ . فَجُعِلَ ذَلِكَ مِثْل الْعَمَل الصَّالِح يَبْقَى لِأَهْلِهِ , وَالْعَمَل السَّيِّئ يَضْمَحِلّ عَنْ أَهْله , كَمَا يَذْهَب هَذَا الزَّبَد , فَكَذَلِكَ الْهُدَى وَالْحَقّ جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه , فَمَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ كَانَ لَهُ وَبَقِيَ كَمَا يَبْقَى مَا يَنْفَع النَّاس فِي الْأَرْض , وَكَذَلِكَ الْحَدِيد لَا يُسْتَطَاع أَنْ يُجْعَل مِنْهُ سِكِّين وَلَا سَيْف حَتَّى يُدْخَل فِي النَّار فَتَأْكُل خَبَثه , فَيَخْرُج جَيِّده فَيُنْتَفَع بِهِ , فَكَذَلِكَ يَضْمَحِلّ الْبَاطِل إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَأُقِيمَ النَّاس , وَعُرِضَتْ الْأَعْمَال , فَيَزِيغ الْبَاطِل وَيَهْلِك , وَيَنْتَفِع أَهْل الْحَقّ بِالْحَقِّ , ثُمَّ قَالَ : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِبْتِغَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } 15419 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة } إِلَى : { أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } فَقَالَ : اِبْتِغَاء حِلْيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة , أَوْ مَتَاع الصُّفْر وَالْحَدِيد . قَالَ : كَمَا أُوقِدَ عَلَى الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالصُّفْر وَالْحَدِيد فَخَلَصَ خَالِصه , قَالَ : { كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْحَقّ وَالْبَاطِل فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } كَذَلِكَ بَقَاء الْحَقّ لِأَهْلِهِ فَانْتَفِعُوا . 15420 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِيّ , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } قَالَ : مَا أَطَاقَتْ مِلْأَهَا { فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } قَالَ : اِنْقَضَى الْكَلَام , ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ فَقَالَ : " وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِبْتِغَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله " قَالَ : الْمَتَاع : الْحَدِيد وَالنُّحَاس وَالرَّصَاص وَأَشْبَاهه , زَبَد مِثْله , قَالَ : خَبَث ذَلِكَ مِثْل زَبَد السَّيْل . قَالَ : { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } قَالَ : فَذَلِكَ مَثَل الْحَقّ وَالْبَاطِل . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : فَذَكَرَ نَحْوه . وَزَادَ فِيهِ : قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَوْله : { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } قَالَ : جُمُودًا فِي الْأَرْض , { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } يَعْنِي الْمَاء وَهُمَا مَثَلَانِ : مَثَل الْحَقّ وَالْبَاطِل . - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا شَبَّابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { زَبَدًا رَابِيًا } السَّيْل مِثْل خَبَث الْحَدِيد وَالْحِلْيَة , { فَيَذْهَب جُفَاء } جُمُودًا فِي الْأَرْض , { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِبْتِغَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } الْحَدِيد وَالنُّحَاس وَالرَّصَاص وَأَشْبَاهه . وَقَوْله : { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } إِنَّمَا هُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; قَالَ : وَثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , يَزِيد أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه فِي قَوْله : { فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } قَالَ : بِمِلْئِهَا , { فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } قَالَ : الزَّبَد : السَّيْل { اِبْتِغَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } قَالَ : خَبَث الْحَدِيد وَالْحِلْيَة , { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } قَالَ : جُمُودًا فِي الْأَرْض , { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } قَالَ : الْمَاء وَهُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل . 15421 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } الصَّغِير بِصِغَرِهِ وَالْكَبِير بِكِبَرِهِ , { فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } أَيْ عَالِيًا , { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِنْتِهَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْحَقّ وَالْبَاطِل فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } وَالْجُفَاء : مَا يَتَعَلَّق بِالشَّجَرِ , { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } . هَذِهِ ثَلَاثَة أَمْثَال ضَرَبَهَا اللَّه فِي مَثَل وَاحِد , يَقُول : كَمَا اِضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَد فَصَارَ جُفَاء لَا يُنْتَفَع بِهِ وَلَا تُرْجَى بَرَكَته , كَذَلِكَ يَضْمَحِلّ الْبَاطِل عَنْ أَهْله كَمَا اِضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَد , وَكَمَا مَكَثَ هَذَا الْمَاء فِي الْأَرْض , فَأَمْرَعَتْ هَذِهِ الْأَرْض , وَأَخْرَجَتْ نَبَاتهَا , كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقّ لِأَهْلِهِ كَمَا بَقِيَ هَذَا الْمَاء فِي الْأَرْض , فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ بِهِ مَا أَخْرَجَ مِنْ النَّبَات . قَوْله : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار } الْآيَة , كَمَا يَبْقَى خَالِص الذَّهَب وَالْفِضَّة , حِين أُدْخِلَ النَّار وَذَهَبَ خَبَثه , كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقّ لِأَهْلِهِ . قَوْله : { أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } يَقُول : هَذَا الْحَدِيد وَالصُّفْر الَّذِي يُنْتَفَع بِهِ , فِيهِ مَنَافِع : يَقُول : كَمَا يَبْقَى خَالِص , هَذَا الْحَدِيد وَهَذَا الصُّفْر حِينَ أُدْخِلَ النَّار وَذَهَبَ خَبَثه , كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقّ لِأَهْلِهِ كَمَا بَقِيَ خَالِصهمَا . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } الْكَبِير بِقَدْرِهِ وَالصَّغِير بِقَدَرِهِ . { زَبَدًا رَابِيًا } قَالَ : رَبَا فَوْق الْمَاء الزَّبَد . { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار } قَالَ : هُوَ الذَّهَب إِذَا أُدْخِلَ النَّار بَقِيَ صَفْوه وَنُفِيَ مَا كَانَ مِنْ كَدَره ; وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل , { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء } يَتَعَلَّق بِالشَّجَرِ فَلَا يَكُون شَيْئًا مِثْل الْبَاطِل , { وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض } وَهَذَا يُخْرِج النَّبَات , وَهُوَ مِثْل الْحَقّ ; { أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } قَالَ : الْمَتَاع : الصُّفْر وَالْحَدِيد . 15422 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا هَوْذَة بْن خَلِيفَة , قَالَ : ثَنَا عَوْف , قَالَ : بَلَغَنِي فِي قَوْله : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } قَالَ : إِنَّمَا هُوَ مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل , { فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } الصَّغِير عَلَى قَدْره , وَالْكَبِير عَلَى قَدْره , وَمَا بَيْنهمَا عَلَى قَدْره . { فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } يَقُول : عَظِيمًا , وَحَيْثُ اِسْتَقَرَّ الْمَاء يَذْهَب الزَّبَد جُفَاء فَتَطِير بِهِ الرِّيح , فَلَا يَكُون شَيْئًا , وَيَبْقَى صَرِيح الْمَاء الَّذِي يَنْفَع النَّاس مِنْهُ شَرَابهمْ وَنَبَاتهمْ وَمَنْفَعَتهمْ . { أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } وَمِثْل الزَّبَد كُلّ شَيْء يُوقَد عَلَيْهِ فِي النَّار الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالنُّحَاس وَالْحَدِيد , فَيَذْهَب خَبَثه وَيَبْقَى مَا يَنْفَع فِي أَيْدِيهمْ , وَالْخَبَث وَالزَّبَد مِثْل الْبَاطِل , وَاَلَّذِي يَنْفَع النَّاس مِمَّا تَحَصَّلَ فِي أَيْدِيهمْ مِمَّا يَنْفَعهُمْ الْمَال الَّذِي فِي أَيْدِيهمْ . 14523 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار اِبْتِغَاء حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل . فَقَرَأَ : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْل زَبَدًا رَابِيًا } هَذَا الزَّبَد لَا يَنْفَع , { أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْله } هَذَا لَا يَنْفَع أَيْضًا , قَالَ : وَبَقِيَ الْمَاء فِي الْأَرْض فَنَفَعَ النَّاس , وَبَقِيَ الْحُلِيّ الَّذِي صَلَحَ مِنْ هَذَا , فَانْتَفَعَ النَّاس بِهِ . { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْأَمْثَال } وَقَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل . 15424 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا } قَالَ : الصَّغِير بِصِغَرِهِ , وَالْكَبِير بِكِبَرِهِ . 15425 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء : ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِل , فَضَرَبَ مَثَل الْحَقّ كَمَثَلِ السَّيْل الَّذِي يَمْكُث فِي الْأَرْض , وَضَرَبَ مَثَل الْبَاطِل كَمَثَلِ الزَّبَد الَّذِي لَا يَنْفَع النَّاس . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ { رَابِيًا } : عَالِيًا مُنْتَفِخًا , مِنْ قَوْلهمْ : رَبَا الشَّيْء يَرْبُو رَبْوًا فَهُوَ رَابٍ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّشَزِ مِنْ الْأَرْض كَهَيْئَةِ الْأَكَمَة : رَابِيَة ; وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } . وَقِيلَ لِلنُّحَاسِ وَالرَّصَاص وَالْحَدِيد فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمَتَاع , لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَع بِهِ , وَكُلّ مَا يَتَمَتَّع بِهِ النَّاس فَهُوَ مَتَاع ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَمَتَّعْ يَا مُشَعَّث إِنَّ شَيْئًا سَبَقْت بِهِ الْمَمَات هُوَ الْمَتَاع وَأَمَّا الْجُفَاء فَإِنِّي : 15426 - حُدِّثْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء , يُقَال : قَدْ أَجْفَأَتْ الْقِدْر , وَذَلِكَ إِذَا غَلَتْ فَانْصَبَّ زَبَدهَا , أَوْ سَكَنَتْ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { فَيَذْهَب جُفَاء } تُنَشِّفهُ الْأَرْض , وَقَالَ : يُقَال : جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَى فِي مَعْنَى نَشَفَ , وَانْجَفَى الْوَادِي : إِذَا جَاءَ بِذَلِكَ الْغُثَاء , وَغَثَى الْوَادِي فَهُوَ يَغْثَى غَثْيًا وَغَثَيَانًا . وَذُكِرَ عَنْ الْعَرَب أَنَّهَا تَقُول : جَفَأْت الْقِدْر أَجْفَؤُهَا : إِذَا أَخْرَجْت جَفَاءَهَا , وَهُوَ الزَّبَد الَّذِي يَعْلُوهَا , وَأَجْفَأْتهَا إِجْفَاء لُغَة . قَالَ : وَقَالُوا : جَفَأْت الرَّجُل جَفَأ : صَرَعْته . وَقِيلَ : { فَيَذْهَب جُفَاء } بِمَعْنَى جَفْئًا , لِأَنَّهُ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : جَفَأَ الْوَادِي غُثَاءَهُ , فَخَرَجَ مَخْرَج الِاسْم وَهُوَ مَصْدَر , كَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب فِي مَصْدَر كُلّ مَا كَانَ مِنْ فِعْل شَيْء اِجْتَمَعَ بَعْضه إِلَى بَعْض كَالْقُمَاشِ وَالدُّقَاق وَالْحُطَام وَالْغُثَاء , تُخْرِجهُ عَلَى مَذْهَب الِاسْم , كَمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي قَوْلهمْ : أَعْطَيْته عَطَاء , بِمَعْنَى الْإِعْطَاء , وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ الْقُمَاش الْمَصْدَر عَلَى الصِّحَّة لَقِيلَ : قَدْ قَمَشْته قَمْشًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم

    واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «إن موضوعَ الرسالةِ: «واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم»، وهو واجبٌ عظيمٌ، ومَطلَبٌ جليلٌ، يجدُرُ بنا جميعًا أن نُرعيه اهتمامنا، وأن نعتنِيَ به غايةَ العناية. وليعلَم القارئُ الكريمُ أن واجبَنا نحو الصحابة جزءٌ من واجبِنا نحو ديننا؛ دينِ الإسلامِ الذي رضِيَه الله لعباده، ولا يقبل منهمُ دينًا سِواه».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381125

    التحميل:

  • الربا أضراره وآثاره في ضوء الكتاب والسنة

    الربا أضراره وآثاره في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «لا شك أن موضوع الربا، وأضراره، وآثاره الخطيرة جدير بالعناية، ومما يجب على كل مسلم أن يعلم أحكامه وأنواعه؛ ليبتعد عنه؛ لأن من تعامل بالربا فهو محارب لله وللرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولأهمية هذا الموضوع جمعت لنفسي، ولمن أراد من القاصرين مثلي الأدلة من الكتاب والسنة في أحكام الربا، وبيّنت أضراره، وآثاره على الفرد والمجتمع».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2050

    التحميل:

  • شرح كتاب آداب المشي إلى الصلاة

    آداب المشي إلى الصلاة : رسالة في بيان ما يُسن للخروج إلى الصلاة من آداب وصفة الصلاة وواجباتها وسننها ، وبيان صلاة التطوع وما يتعلق بها ، وصلاة الجماعة وواجباتها وسننها ، وبيان صلاة أهل الأعذار ، وصلاة الجمعة والعيدين والكسوف والإستسقاء وصلاة الجنازة ، وما يتعلق بالزكاة والصيام، وفي هذه الصفحة ملف يحتوي على شرح لهذه الرسالة من تقريرات العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله -، جمعها ورتبها وهذبها وعلق عليها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144995

    التحميل:

  • حديث: «تركت فيكم أمرَين» دراسة لمصدرية التلقي في هذا الدين

    حديث: «تركت فيكم أمرَين» دراسة لمصدرية التلقي في هذا الدين: هذا البحث جاء لإعطاء لمحة عن مصادر التلقِّي والتشريع في هذا الدين، وكيفية الاستقاء من تلك المصادر والتعامل معها.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330172

    التحميل:

  • توضيح المعالم في الجمع بين روايتي حفص وشعبة عن عاصم

    توضيح المعالم في الجمع بين روايتي حفص وشعبة عن عاصم: مذكرة جَمَعَت بين روايتي حفص بن سليمان وشعبة بن عياش عن قراءة عاصم بن أبي النَّـجود الكوفي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2064

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة