Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 84

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) (يوسف) mp3
أَيْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوب لَمَّا بَلَغَهُ خَبَر بِنْيَامِين تَتَامَّ حُزْنه , وَبَلَغَ جُهْده , وَجَدَّدَ اللَّه مُصِيبَته لَهُ فِي يُوسُف فَقَالَ :



وَنَسِيَ اِبْنه بِنْيَامِين فَلَمْ يَذْكُرهُ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَمْ يَكُنْ عِنْد يَعْقُوب مَا فِي كِتَابنَا مِنْ الِاسْتِرْجَاع , وَلَوْ كَانَ عِنْده لَمَا قَالَ : " يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُف " قَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن : وَالْمَعْنَى يَا حُزْنَاهُ ! وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك : يَا جَزَعَاه ! ; قَالَ كَثِير : فَيَا أَسَفَا لِلْقَلْبِ كَيْف اِنْصِرَافه وَلِلنَّفْسِ لَمَّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتْ وَالْأَسَف شِدَّة الْحُزْن عَلَى مَا فَاتَ . وَالنِّدَاء عَلَى مَعْنَى : تَعَالَ يَا أَسَف فَإِنَّهُ مِنْ أَوْقَاته . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْأَصْل يَا أَسَفِي ; فَأُبْدِلَ مِنْ الْيَاء أَلِف لِخِفَّةِ الْفَتْحَة .



قِيلَ : لَمْ يُبْصِر بِهِمَا سِتّ سِنِينَ , وَأَنَّهُ عَمِيَ ; قَالَهُ مُقَاتِل . وَقِيلَ : قَدْ تَبْيَضّ الْعَيْن وَيَبْقَى شَيْء مِنْ الرُّؤْيَة , وَاَللَّه أَعْلَم بِحَالِ يَعْقُوب ; وَإِنَّمَا اِبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ الْبُكَاء , وَلَكِنَّ سَبَب الْبُكَاء الْحُزْن , فَلِهَذَا قَالَ : " مِنْ الْحُزْن " . وَقِيلَ : إِنَّ يَعْقُوب كَانَ يُصَلِّي , وَيُوسُف نَائِمًا مُعْتَرِضًا بَيْن يَدَيْهِ , فَغَطَّ فِي نَوْمه , فَالْتَفَتَ يَعْقُوب إِلَيْهِ , ثُمَّ غَطَّ ثَانِيَة فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ , ثُمَّ غَطَّ ثَالِثَة فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ سُرُورًا بِهِ وَبِغَطِيطِهِ ; فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى مَلَائِكَته : " اُنْظُرُوا إِلَى صَفِيِّي وَابْن خَلِيلِي قَائِمًا فِي مُنَاجَاتِي يَلْتَفِت إِلَى غَيْرِي , وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ! لَأَنْزِعَنَّ الْحَدَقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اِلْتَفَتَ بِهِمَا , وَلَأُفَرِّقَنَّ بَيْنه وَبَيْن مَنْ اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ ثَمَانِينَ سَنَة , لِيَعْلَم الْعَامِلُونَ أَنَّ مَنْ قَامَ بَيْن يَدَيَّ يَجِب عَلَيْهِ مُرَاقَبَة نَظَرِي " .

هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة - وَإِنْ لَمْ يُبْطِل - يَدُلّ عَلَى الْعُقُوبَة عَلَيْهَا , وَالنَّقْص فِيهَا , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة فَقَالَ : ( هُوَ اِخْتِلَاس يَخْتَلِسهُ الشَّيْطَان مِنْ صَلَاة الْعَبْد ) . وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فِي أَوَّل سُورَة " الْمُؤْمِنُونَ " مُوعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

قَالَ النَّحَّاس : فَإِنْ سَأَلَ قَوْم عَنْ مَعْنَى شِدَّة حُزْن يَعْقُوب - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى نَبِيّنَا - فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا ثَلَاثَة أَجْوِبَة : مِنْهَا - أَنَّ يَعْقُوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيّ خَافَ عَلَى دِينه , فَاشْتَدَّ حُزْنه لِذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا حَزِنَ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ صَغِيرًا , فَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ . وَالْجَوَاب الثَّالِث : وَهُوَ أَبْيَنهَا - هُوَ أَنَّ الْحُزْن لَيْسَ بِمَحْظُورٍ , وَإِنَّمَا الْمَحْظُور الْوَلْوَلَة وَشَقّ الثِّيَاب , وَالْكَلَام بِمَا لَا يَنْبَغِي وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَدْمَع الْعَيْن وَيَحْزَن الْقَلْب وَلَا نَقُول مَا يُسْخِط الرَّبّ ) . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " فَهُوَ كَظِيم " أَيْ مَكْظُوم مَمْلُوء مِنْ الْحُزْن مُمْسِك عَلَيْهِ لَا يَبُثّهُ ; وَمِنْهُ كَظْم الْغَيْظ وَهُوَ إِخْفَاؤُهُ ; فَالْمَكْظُوم الْمَسْدُود عَلَيْهِ طَرِيق حُزْنه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوم " [ الْقَلَم : 48 ] أَيْ مَمْلُوء كَرْبًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَكْظُوم بِمَعْنَى الْكَاظِم ; وَهُوَ الْمُشْتَمِل عَلَى حُزْنه . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : كَظِيم مَغْمُوم ; قَالَ الشَّاعِر : فَإِنْ أَكُ كَاظِمًا لِمُصَابِ شَاس فَإِنِّي الْيَوْم مُنْطَلِق لِسَانِي وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ الْحُزْن " فَهُوَ كَظِيم " قَالَ : فَهُوَ مَكْرُوب . وَقَالَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " فَهُوَ كَظِيم " قَالَ : فَهُوَ كَمِد ; يَقُول : يَعْلَم أَنَّ يُوسُف حَيّ , وَأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ ; فَهُوَ كَمِد مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْكَمَد الْحُزْن الْمَكْتُوم ; تَقُول مِنْهُ كَمِدَ الرَّجُل فَهُوَ كَمِد وَكَمِيد . النَّحَّاس . يُقَال فُلَان كَظِيم وَكَاظِم ; أَيْ حَزِين لَا يَشْكُو حُزْنه ; قَالَ الشَّاعِر : فَحَضَضْت قَوْمِي وَاحْتَسَبْت قِتَالهمْ وَالْقَوْم مِنْ خَوْف الْمَنَايَا كُظَّم
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • باعث النهضة الإسلامية ابن تيمية السلفي نقده لمسالك المتكلمين والفلاسفة في الإلهيات

    شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أحد الأئمة الأعلام الذين نشروا معتقد السلف ودافعوا عنه، وهو يعد من أكبر شُرّاح اعتقاد السلف المستدلين لمسائله وجزئياته وتفصيلاته، ما بين رسائل صغيرة، وكتب، ومجلدات ضخمة، وفي هذا الكتاب بين فضيلة الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث المسائل الاعتقادية، ومدى قربه في ذلك من منهج السلف مع بيان موقفه من فرق المخالفين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2452

    التحميل:

  • من مدرسة الحج

    من مدرسة الحج: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مجموعٌ يحوي ثلاث رسائل تتعلَّق بالحج، تختصُّ بجانب الدروس المُستفادة منه، والعِبَر التي تُنهَل من مَعينه .. وقد طُبِعَت مفردةً غير مرَّة، وتُرجِمَت إلى عددٍ من اللغات - بمنِّ الله وفضله -، وقد رأيتُ لمَّها في هذا المجموع، ورتَّبتُها فيه حسب الأسبقية في تأليفها ونشرها، وهي: 1- دروسٌ عقيدة مُستفادة من الحج. 2- الحج وتهذيب النفوس. 3- خطب ومواعظ من حجة الوداع. وكل رسالةٍ من هذه الرسائل الثلاث تشتمل على ثلاثة عشر درسًا، لكل درسٍ منها عنوانٌ مُستقل، يمكن الاستفادة منها بقرائتها على الحُجَّاج على شكل دروسٍ يومية».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344681

    التحميل:

  • مختصر صحيح مسلم

    مختصر صحيح مسلم: قال المصنف - رحمه الله -: «فهذا كتابٌ اختصرتُه من «صحيح» الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القُشيري النيسابوري - رضي الله عنه -؛ اختصارًا يُسهِّله على حافظيه، ويُقرِّبه للناظر فيه، ورتَّبتُه ترتيبًا يُسرع بالطالب إلى وجود مطلبه في مظِنَّته، وقد تضمَّن مع صِغَر حجمه جُلّ مقصود الأصل». - وقد حقَّقه الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله -، وقدَّم له بمقدمةٍ نافعةٍ مُبيِّنةً لترتيب الإمام المنذري - رحمه الله - لكتابه.

    المدقق/المراجع: محمد ناصر الدين الألباني

    الناشر: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371041

    التحميل:

  • دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}

    دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}: هذه الدراسة في تدبر هذه الآية الكريمة وسبر فقه معانيها، وهي في أربعة مباحث: المبحث الأول: علاقة الآية بسياقها. المبحث الثاني: معاني ألفاظ الآية. المبحث الثالث: دلالات التراكيب في الآية. المبحث الرابع: معنى الآية والأقوال فيه.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332499

    التحميل:

  • مجموعة رسائل في الحجاب والسفور

    مجموعة رسائل في الحجاب والسفور : هذا الكتاب يحتوي على أربعة رسائل وهي: 1- حجاب المرأة ولباسها في الصلاة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. 2- حكم السفور والحجاب للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله -. 3- حكم مصافحة المرأة المسلمة للرجال الأجانب للشيخ تقي الدين الهلالي - رحمه الله -. 4- رسالة الحجاب للشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144978

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة