Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) (يوسف) mp3
أَيْ وَمِثْل هَذَا الْإِنْعَام الَّذِي أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ فِي تَقْرِيبه إِلَى قَلْب الْمَلِك , وَإِنْجَائِهِ مِنْ السِّجْن مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض ; أَيْ أَقَدَرْنَاهُ عَلَى مَا يُرِيد . وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ قَوْله تَعَالَى : " وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُف فِي الْأَرْض " دَلِيل عَلَى إِجَازَة الْحِيلَة فِي التَّوَصُّل إِلَى الْمُبَاح , وَمَا فِيهِ الْغِبْطَة وَالصَّلَاح , وَاسْتِخْرَاج الْحُقُوق , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث " [ ص : 44 ] وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ فِي عَامِل خَيْبَر , وَاَلَّذِي أَدَّاهُ مِنْ التَّمْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَالَهُ . قُلْت : وَهَذَا مَرْدُود عَلَى مَا يَأْتِي . يُقَال : مَكَّنَّاهُ وَمَكَّنَّا لَهُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْض مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ " [ الْأَنْعَام : 6 ] . قَالَ الطَّبَرِيّ : اِسْتَخْلَفَ الْمَلِك الْأَكْبَر الْوَلِيد بْن الرَّيَّان يُوسُف عَلَى عَمَل إطفير وَعَزَلَهُ ; قَالَ مُجَاهِد : وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَلَّكَهُ بَعْد سَنَة وَنِصْف . وَرَوَى مُقَاتِل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ أَنَّ يُوسُف قَالَ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم إِنْ شَاءَ اللَّه لَمُلِّكَ فِي وَقْته ) . ثُمَّ مَاتَ إطفير فَزَوَّجَهُ الْوَلِيد بِزَوْجَةِ إطفير راعيل , فَدَخَلَ بِهَا يُوسُف فَوَجَدَهَا عَذْرَاء , وَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ : إفراثيم ومنشا , اِبْنَيْ يُوسُف , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا زليخاء قَالَ : لَمْ يَتَزَوَّجهَا يُوسُف , وَأَنَّهَا لَمَّا رَأَتْهُ فِي مَوْكِبه بَكَتْ , ثُمَّ قَالَتْ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمُلُوك عَبِيدًا بِالْمَعْصِيَةِ , وَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَبِيد بِالطَّاعَةِ مُلُوكًا , فَضَمَّهَا إِلَيْهِ , فَكَانَتْ مِنْ عِيَاله حَتَّى مَاتَتْ عِنْده , وَلَمْ يَتَزَوَّجهَا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ ; وَهُوَ خِلَاف مَا تَقَدَّمَ عَنْ وَهْب , وَذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَلَمَّا فَوَّضَ الْمَلِك أَمْر مِصْر إِلَى يُوسُف تَلَطَّفَ بِالنَّاسِ , وَجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى آمَنُوا بِهِ , وَأَقَامَ فِيهِمْ الْعَدْل , فَأَحَبَّهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء , قَالَ وَهْب وَالسُّدِّيّ وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمْ : ثُمَّ دَخَلَتْ السُّنُونَ الْمُخْصِبَة , فَأَمَرَ يُوسُف بِإِصْلَاحِ الْمَزَارِع , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَوَسَّعُوا فِي الزِّرَاعَة , فَلَمَّا أَدْرَكَتْ الْغَلَّة أَمَرَ بِهَا فَجُمِعَتْ , ثُمَّ بَنَى لَهَا الْأَهْرَاء , فَجُمِعَتْ فِيهَا فِي تِلْكَ السَّنَة غَلَّة ضَاقَتْ عَنْهَا الْمَخَازِن لِكَثْرَتِهَا , ثُمَّ جَمَعَ عَلَيْهِ غَلَّة كُلّ سَنَة كَذَلِكَ , حَتَّى إِذَا اِنْقَضَتْ السَّبْع الْمُخْصِبَة وَجَاءَتْ السُّنُونَ الْمُجْدِبَة نَزَلَ جِبْرِيل وَقَالَ : يَا أَهْل مِصْر جُوعُوا ; فَإِنَّ اللَّه سَلَّطَ عَلَيْكُمْ الْجُوع سَبْع سِنِينَ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْحِكْمَة : لِلْجُوعِ وَالْقَحْط عَلَامَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّ النَّفْس تُحِبّ الطَّعَام أَكْثَر مِنْ الْعَادَة , وَيُسْرِع إِلَيْهَا الْجُوع خِلَاف مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ , وَتَأْخُذ مِنْ الطَّعَام فَوْق الْكِفَايَة . وَالثَّانِيَة : أَنْ يُفْقَد الطَّعَام فَلَا يُوجَد رَأْسًا وَيَعِزّ إِلَى الْغَايَة , فَاجْتَمَعَتْ هَاتَانِ الْعَلَامَتَانِ فِي عَهْد يُوسُف , فَانْتَبَهَ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصِّبْيَان يُنَادُونَ الْجُوع الْجُوع ! ! وَيَأْكُلُونَ وَلَا يَشْبَعُونَ , وَانْتَبَهَ الْمَلِك , يُنَادِي الْجُوع الْجُوع ! ! قَالَ : فَدَعَا لَهُ يُوسُف فَأَبْرَأهُ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ أَصْبَحَ فَنَادَى يُوسُف فِي أَرْض مِصْر كُلّهَا ; مَعَاشِر النَّاس ! لَا يَزْرَع أَحَد زَرْعًا فَيَضِيع الْبَذْر وَلَا يَطْلُع شَيْء . وَجَاءَتْ تِلْكَ السُّنُونَ بِهَوْلٍ عَظِيم لَا يُوصَف ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا كَانَ اِبْتِدَاء الْقَحْط بَيْنَا الْمَلِك فِي جَوْف اللَّيْل أَصَابَهُ الْجُوع فِي نِصْف اللَّيْل , فَهَتَفَ الْمَلِك يَا يُوسُف ! الْجُوع الْجُوع ! ! فَقَالَ يُوسُف : هَذَا أَوَان الْقَحْط ; فَلَمَّا دَخَلَتْ أَوَّل سَنَة مِنْ سِنِي الْقَحْط هَلَكَ فِيهَا كُلّ شَيْء أَعَدُّوهُ فِي السِّنِينَ الْمُخْصِبَة , فَجَعَلَ أَهْل مِصْر يَبْتَاعُونَ الطَّعَام مِنْ يُوسُف ; فَبَاعَهُمْ أَوَّل سَنَة بِالنُّقُودِ , حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ دِينَار وَلَا دِرْهَم إِلَّا قَبَضَهُ ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الثَّانِيَة بِالْحُلِيِّ وَالْجَوَاهِر , حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي أَيْدِي النَّاس مِنْهَا شَيْء ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الثَّالِثَة بِالْمَوَاشِي وَالدَّوَابّ , حَتَّى اِحْتَوَى عَلَيْهَا أَجْمَعَ , وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الرَّابِعَة بِالْعَبِيدِ وَالْإِمَاء , حَتَّى اِحْتَوَى عَلَى الْكُلّ ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة الْخَامِسَة بِالْعَقَارِ وَالضَّيَاع , حَتَّى مَلَكَهَا كُلّهَا ; وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة السَّادِسَة بِأَوْلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَاسْتَرَقَّهُمْ جَمِيعًا وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَة السَّابِعَة بِرِقَابِهِمْ , حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي السَّنَة السَّابِعَة بِمِصْرَ حُرّ وَلَا عَبْد إِلَّا صَارَ عَبْدًا لَهُ ; فَقَالَ النَّاس : وَاَللَّه مَا رَأَيْنَا مَلِكًا أَجَلّ وَلَا أَعْظَم مِنْ هَذَا ; فَقَالَ يُوسُف لِمِلِكِ مِصْر : كَيْف رَأَيْت صُنْع رَبِّي فِيمَا خَوَّلَنِي ! وَالْآن كُلّ هَذَا لَك , فَمَا تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ : فَوَّضْت إِلَيْك الْأَمْر فَافْعَلْ مَا شِئْت , وَإِنَّمَا نَحْنُ لَك تَبَع ; وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْتَنْكِف عَنْ عِبَادَتك وَطَاعَتك , وَلَا أَنَا إِلَّا مِنْ بَعْض مَمَالِيكك , وَخَوِّلْ مَنْ خَوَّلَك ; فَقَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام : إِنِّي لَمْ أُعْتِقهُمْ مِنْ الْجُوع لِأَسْتَعْبِدهُمْ , وَلَمْ أُجِرْهُمْ مِنْ الْبَلَاء لِأَكُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاء ; وَإِنِّي أُشْهِد اللَّه وَأُشْهِدك أَنِّي أَعْتَقْت أَهْل مِصْر عَنْ آخِرهمْ , وَرَدَدْت عَلَيْهِمْ أَمْوَالهمْ وَأَمْلَاكهمْ , وَرَدَدْت عَلَيْك مُلْكك بِشَرْطِ أَنْ تَسْتَنّ بِسُنَّتِي . وَيُرْوَى أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَشْبَع مِنْ طَعَام فِي تِلْكَ السِّنِينَ , فَقِيلَ لَهُ : أَتَجُوعُ وَبِيَدِك خَزَائِن الْأَرْض ؟ فَقَالَ : إِنِّي أَخَاف إِنْ شَبِعْت أَنْ أَنْسَى الْجَائِع ; وَأَمَرَ يُوسُف طَبَّاخ الْمَلِك أَنْ يَجْعَل غِذَاءَهُ نِصْف النَّهَار , حَتَّى يَذُوق الْمَلِك طَعْم الْجُوع . فَلَا يَنْسَى الْجَائِعِينَ ; فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ الْمُلُوك غِذَاءَهُمْ نِصْف النَّهَار .


أَيْ بِإِحْسَانِنَا ; وَالرَّحْمَة النِّعْمَة وَالْإِحْسَان .


أَيْ ثَوَابهمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَوَهْب : يَعْنِي الصَّابِرِينَ ; لِصَبْرِهِ فِي الْجُبّ , وَفِي الرِّقّ , وَفِي السِّجْن , وَصَبْره عَنْ مَحَارِم اللَّه عَمَّا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْمَرْأَة . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَاخْتُلِفَ فِيمَا أُوتِيَهُ يُوسُف مِنْ هَذِهِ الْحَال عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ ثَوَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا اِبْتَلَاهُ . الثَّانِي : أَنَّهُ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِ , وَثَوَابه بَاقٍ عَلَى حَاله فِي الْآخِرَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإفادة فيما ينبغي أن تُشغل به الإجازة

    الإفادة فيما ينبغي أن تُشغل به الإجازة : إن الإنسان مسئول عن أوقات فراغه فينبغي للمسلم أن ينتهز أوقات الإجازات. إجازة الأسبوع أيام الخميس والجمع، وإجازة الموظف السنوية وإجازة نصف السنة الدراسية بالنسبة للطلبة والطالبات والمدرسين والمدرسات، والإجازة الصيفية لهؤلاء التي تقارب ثلاثة شهور أو أكثر وإجازات الأعياد التي شرع فيها التكبير وأنواع العبادات من صلاة وصيام وصدقة وحج وأضاحي إلى غير ذلك. ونظرًا لما لوحظ من ضياع أوقات بعض الشباب في الإجازات والعطل فقد أشار عليَّ بعض المحبين والناصحين بتأليف رسالة في هذا الموضوع، وهي مستفادة من كلام الله تعالى، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلام المحققين من أهل العلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209112

    التحميل:

  • المسبوك على منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

    قال المؤلف - أثابه الله - « فإن كتاب منحة السلوك في شرح تحفة الملوك للإمام بدر الدين أبي محمد محمود العيني - رحمه الله -، شرح فيه المتن الموسوم بتحفة الملوك لزين الدين أبي بكر الرازي، والذي تسابق إليه طلبة العلم في عصره بالحفظ والمدارسة، وقد اتسم شرحه بحل ألفاظ المتن، وتفصيل مسائله ومقارنتها بالمذاهب الأخرى في كثير من المواضع معلاً ومستدلاً لها بأكثر من ستمائة حديث وأثر. ولأهمية الكتاب جعلت عليه حاشية وافية سميتها المسبوك على منحة السلوك في شرح تحفة الملوك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203877

    التحميل:

  • تنبيهات على رسالة محمد عادل عزيزة في الصفات

    تنبيهات على رسالة محمد عادل عزيزة في الصفات: وهو ردٌّ على كتابه: «عقيدة الإمام الحافظ ابن كثير من أئمة السلف الصالح في آيات الصفات»; وقد بيَّن المؤلف - حفظه الله - أن عقيدة الرجل التفويض والتأويل; وقد أراد نسبة ذلك للإمام ابن كثير - رحمه الله - وأهل السنة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316845

    التحميل:

  • كيفية دعوة الوثنيين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة الوثنيين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في «كيفية دعوة الوثنيين المشركين إلى الله تعالى»، بيَّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والوسائلَ والطرقَ الحكيمة في دعوتهم إلى الله تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338052

    التحميل:

  • معجم مقاييس اللغة

    معجم مقاييس اللغة: معجم لغوي عظيم جمعه مؤلفه معتمدا على خمسة كتب عظيمة هي: 1ـ العين للخليل بن أحمد الفراهيدي. 2ـ غريب الحديث، 3ـ مصنف الغريب وكلاهما لأبي عبيد. 4ـ كتاب المنطق لابن السكيت. 5ـ الجمهرة لابن دريد. وما كان من غيرها نص عليه عند النقل وقد رتبه على حروف الهجاء.

    المدقق/المراجع: عبد السلام محمد هارون

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/353701

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة