Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) (يوسف) mp3
لَمَّا ثَبَتَ لِلْمَلِكِ بَرَاءَته مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ ; وَتَحَقَّقَ فِي الْقِصَّة أَمَانَته , وَفَهِمَ أَيْضًا صَبْره وَجَلَده عَظُمَتْ مَنْزِلَته عِنْده , وَتَيَقَّنَ حُسْن خِلَاله قَالَ : " اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " فَانْظُرْ إِلَى قَوْل الْمَلِك أَوَّلًا - حِين تَحَقَّقَ عِلْمه - " اِئْتُونِي بِهِ " فَقَطْ , فَلَمَّا فَعَلَ يُوسُف مَا فَعَلَ ثَانِيًا قَالَ : " اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " وَرُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه قَالَ : لَمَّا دُعِيَ يُوسُف وَقَفَ بِالْبَابِ فَقَالَ : حَسْبِي رَبِّي مِنْ خَلْقه , عَزَّ جَاره وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا إِلَه غَيْره . ثُمَّ دَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَلِك نَزَلَ عَنْ سَرِيره فَخَرَّ لَهُ سَاجِدًا ; ثُمَّ أَقْعَدَهُ الْمَلِك مَعَهُ عَلَى سَرِيره فَقَالَ . " إِنَّك الْيَوْم لَدَيْنَا مَكِين أَمِين " قَالَ لَهُ يُوسُف " اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض إِنِّي حَفِيظ " [ يُوسُف : 55 ] بِوُجُوهِ تَصَرُّفَاتهَا . وَقِيلَ : حَافِظ لِلْحِسَابِ , عَلِيم بِالْأَلْسُنِ . وَفِي الْخَبَر : ( يَرْحَم اللَّه أَخِي يُوسُف لَوْ لَمْ يَقُلْ اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَته وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ سَنَة ) . وَفِيل : إِنَّمَا تَأَخَّرَ تَمْلِيكه إِلَى سَنَة لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة : إِنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَلِك قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك بِخَيْرِك مِنْ خَيْره , وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّه وَشَرّ غَيْره ; ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْمَلِك بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ : مَا هَذَا اللِّسَان ؟ قَالَ : هَذَا لِسَان عَمِّي إِسْمَاعِيل , ثُمَّ دَعَا لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَقَالَ : مَا هَذَا اللِّسَان ؟ قَالَ : لِسَان آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ; وَكَانَ الْمَلِك يَتَكَلَّم بِسَبْعِينَ لِسَانًا , فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ الْمَلِك بِلِسَانِ أَجَابَهُ يُوسُف بِذَلِكَ اللِّسَان , فَأَعْجَبَ الْمَلِك أَمْره , وَكَانَ يُوسُف إِذْ ذَاكَ اِبْن ثَلَاثِينَ سَنَة ; ثُمَّ أَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيره وَقَالَ : أُحِبّ أَنْ أَسْمَع مِنْك رُؤْيَايَ , قَالَ يُوسُف نَعَمْ أَيّهَا الْمَلِك ! رَأَيْت سَبْع بَقَرَات سِمَان شُهْبًا غُرًّا حِسَانًا , كَشَفَ لَك عَنْهُنَّ النِّيل فَطَلَعْنَ عَلَيْك مِنْ شَاطِئِهِ تَشْخَب أَخْلَافهَا لَبَنًا ; فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُر إِلَيْهِنَّ وَتَتَعَجَّب مِنْ حُسْنهنَّ إِذْ نَضَبَ النِّيل فَغَار مَاؤُهُ , وَبَدَا أُسّه , فَخَرَجَ مِنْ حَمِئِهِ وَوَحْله سَبْع بَقَرَات عِجَاف شُعْث غُبْر مُقَلَّصَات الْبُطُون , لَيْسَ لَهُنَّ ضُرُوع وَلَا أَخْلَاف , , لَهُنَّ أَنْيَاب وَأَضْرَاس , وَأَكُفّ كَأَكُفِّ الْكِلَاب وَخَرَاطِيم كَخَرَاطِيم السِّبَاع , فَاخْتَلَطْنَ بِالسِّمَانِ فَافْتَرَسْنَهُنَّ اِفْتِرَاس السِّبَاع , فَأَكَلْنَ لُحُومهنَّ , وَمَزَّقْنَ جُلُودهنَّ , وَحَطَّمْنَ عِظَامهنَّ , وَمَشْمَشْنَ مُخّهنَّ ; فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُر وَتَتَعَجَّب كَيْف غَلَبْنَهُنَّ وَهُنَّ مَهَازِيل ! ثُمَّ لَمْ يَظْهَر مِنْهُنَّ سِمَن وَلَا زِيَادَة بَعْد أَكْلهنَّ ! إِذَا بِسَبْعِ سَنَابِل خُضْر طَرِيَّات نَاعِمَات مُمْتَلِئَات حَبًّا وَمَاء , وَإِلَى جَانِبهنَّ سَبْع يَابِسَات لَيْسَ فِيهِنَّ مَاء وَلَا خُضْرَة فِي مَنْبَت وَاحِد , عُرُوقهنَّ فِي الثَّرَى وَالْمَاء , فَبَيْنَا أَنْتَ تَقُول فِي نَفْسك : أَيّ شَيْء هَذَا ؟ ! هَؤُلَاءِ خُضْر مُثْمِرَات , وَهَؤُلَاءِ سُود يَابِسَات , وَالْمَنْبَت وَاحِد , وَأُصُولهنَّ فِي الْمَاء , إِذْ هَبَّتْ رِيح فَذَرَّتْ الْأَوْرَاق مِنْ الْيَابِسَات السُّود عَلَى الْخُضْر الْمُثْمِرَات , فَأَشْعَلَتْ فِيهِنَّ النَّار فَأَحْرَقَتْهُنَّ ; فَصِرْنَ سُودًا مُغْبَرَّات ; فَانْتَبَهْت مَذْعُورًا أَيّهَا الْمَلِك ; فَقَالَ الْمَلِك : وَاَللَّه مَا شَأْن هَذِهِ الرُّؤْيَا وَإِنْ كَانَ عَجَبًا بِأَعْجَب مِمَّا سَمِعْت مِنْك ! فَمَا تَرَى فِي رُؤْيَايَ أَيّهَا الصِّدِّيق ؟ فَقَالَ يُوسُف : أَرَى أَنْ تَجْمَع الطَّعَام , وَتَزْرَع زَرْعًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُخْصِبَة ; فَإِنَّك لَوْ زَرَعْت عَلَى حَجَر أَوْ مَدَر لَنَبَتَ , وَأَظْهَر اللَّه فِيهِ النَّمَاء وَالْبَرَكَة , ثُمَّ تَرْفَع الزَّرْع فِي قَصَبه وَسُنْبُله تَبْنِي لَهُ الْمَخَازِن الْعِظَام ; فَيَكُون الْقَصَب وَالسُّنْبُل عَلَفًا لِلدَّوَابِّ , وَحَبّه لِلنَّاسِ , وَتَأْمُر النَّاس فَيَرْفَعُونَ مِنْ طَعَامهمْ إِلَى أَهْرَائِك الْخُمُس ; فَيَكْفِيك مِنْ الطَّعَام الَّذِي جَمَعْته لِأَهْلِ مِصْر وَمَنْ حَوْلهَا , وَيَأْتِيك الْخَلْق مِنْ النَّوَاحِي يَمْتَارُونَ مِنْك , وَيَجْتَمِع عِنْدك مِنْ الْكُنُوز مَا لَمْ يَجْتَمِع لِأَحَدٍ قَبْلك ; فَقَالَ الْمَلِك : وَمَنْ لِي بِتَدْبِيرِ هَذِهِ الْأُمُور ؟ وَلَوْ جَمَعَتْ أَهْل مِصْر جَمِيعًا مَا أَطَاقُوا , وَلَمْ يَكُونُوا فِيهِ أُمَنَاء ; فَقَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد ذَلِكَ : " اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض " [ يُوسُف : 55 ] أَيْ عَلَى خَزَائِن أَرْضك ; وَهِيَ جَمْع خِزَانَة ; وَدَخَلَتْ الْأَلِف وَاللَّام عِوَضًا مِنْ الْإِضَافَة , كَقَوْلِ النَّابِغَة : لَهُمْ شِيمَة لَمْ يُعْطِهَا اللَّه غَيْرهمْ مِنْ الْجُود وَالْأَحْلَام غَيْر كَوَاذِب قَوْله تَعَالَى : " أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " جُزِمَ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : " ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " جَرَى فِي السِّجْن . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ جَرَى عِنْد الْمَلِك ثُمَّ قَالَ فِي مَجْلِس آخَر : " اِئْتُونِي بِهِ " [ يُوسُف : 50 ] تَأْكِيدًا " أَسْتَخْلِصهُ لِنَفْسِي " أَيْ أَجْعَلهُ خَالِصًا لِنَفْسِي , أُفَوِّض إِلَيْهِ أَمْر مَمْلَكَتِي ; فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهِ ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله : " فَلَمَّا كَلَّمَهُ "



أَيْ كَلَّمَ الْمَلِك يُوسُف , وَسَأَلَهُ عَنْ الرُّؤْيَا فَأَجَابَ يُوسُف ;


ف " قَالَ " الْمَلِك : " إِنَّك الْيَوْم لَدَيْنَا مَكِين أَمِين " أَيْ مُتَمَكِّن نَافِذ الْقَوْل ,


لَا تَخَاف غَدْرًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كيف نربي أولادنا وما هو واجب الآباء والأبناء؟

    كيف نربي أولادنا وما هو واجب الآباء والأبناء؟: رسالة صغيرة الحجم تبين أهمية تربية الأبناء، وواجب الآباء نحو الأبناء، وكذلك واجب الأبناء نحو الآباء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1888

    التحميل:

  • متى يشرق نورك أيها المنتظر ؟!

    متى يشرق نورك أيها المنتظر ؟! : قراءة في شخصية الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري عند الشيعة الأثنى عشرية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/190984

    التحميل:

  • منهج الملك عبد العزيز

    هذا الكتاب يبين منهج الملك عبد العزيز - رحمه الله - في السياسة والحكم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110565

    التحميل:

  • عشر قواعد في الاستقامة

    عشر قواعد في الاستقامة: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن موضوع هذه الرسالة عن الاستقامة، وهو موضوعٌ عظيمُ الأهميَّة جليلُ القدر، وحقيقٌ بكلِّ واحدٍ منَّا أن يُعنى به، وأن يُعطيَه من اهتمامه وعنايته .. وقد رأيتُ أنه من المُفيد لنفسي ولإخواني جمعَ بعض القواعد المهمة الجامعة في هذا الباب؛ لتكون لنا ضياءً ونبراسًا بعد مُطالعةٍ لكلام أهل العلم وأقاويلهم - رحمهم الله تعالى - عن الاستقامة، وعمَّا يتعلَّقُ بها، وسأذكر في هذه الرسالة عشرَ قواعد عظيمة في باب الاستقامة، وهي قواعد مهمةٌ جديرٌ بكلِّ واحدٍ منَّا أن يتنبَّه لها».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344672

    التحميل:

  • المنتقى من منهاج الإعتدال في نقض كلام أهل الرفض والإعتزال [ مختصر منهاج السنة ]

    المنتقى من منهاج الإعتدال في نقض كلام أهل الرفض والإعتزال [ مختصر منهاج السنة ] : هذا الكتاب - منهاج السنة النبوية في نقض دعاوى الرافضة والقدرية - من أعظم كتب الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، قد رد فيه على شبه الرافضة، وبين فيه بطلان مذهبهم، وشباب الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، ومعرفة محتواه؛ حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الإسلام، وغيرها بوجهه الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال؛ فاغتر به من يجهل حقيقته، ممن لم يقرأ مثل هذا الكتاب، وفي هذه الصفحة اختصار لهذا الكتاب النفيس، اختصره الحافظ الذهبي - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: محب الدين الخطيب

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/263788

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة