Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 35

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35) (يوسف) mp3
أَيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وَأَهْل مَشُورَته " مِنْ بَعْد أَنْ رَأَوْا الْآيَات " أَيْ عَلَامَات بَرَاءَة يُوسُف - مِنْ قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر ; وَشَهَادَة الشَّاهِد , وَحَزّ الْأَيْدِي , وَقِلَّة صَبْرهنَّ عَنْ لِقَاء يُوسُف : أَنْ يَسْجُنُوهُ كِتْمَانًا لِلْقِصَّةِ أَلَّا تَشِيع فِي الْعَامَّة , وَلِلْحَيْلُولَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا . وَقِيلَ : هِيَ الْبَرَكَات الَّتِي كَانَتْ تَنْفَتِح عَلَيْهِمْ مَا دَامَ يُوسُف فِيهِمْ ; وَالْأَوَّل أَصَحّ . قَالَ مُقَاتِل عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوْا الْآيَات " قَالَ : الْقَمِيص مِنْ الْآيَات , وَشَهَادَة الشَّاهِد مِنْ الْآيَات , وَقَطْع الْأَيْدِي مِنْ الْآيَات , وَإِعْظَام النِّسَاء إِيَّاهُ مِنْ الْآيَات . وَقِيلَ : أَلْجَأَهَا الْخَجَل مِنْ النَّاس , وَالْوَجَل مِنْ الْيَأْس إِلَى أَنْ رَضِيَتْ بِالْحِجَابِ مَكَان خَوْف الذَّهَاب , لِتَشْتَفِيَ إِذَا مُنِعَتْ مِنْ نَظَره , قَالَ : وَمَا صَبَابَة مُشْتَاق عَلَى أَمَل مِنْ اللِّقَاء كَمُشْتَاقٍ بِلَا أَمَل أَوْ كَادَتْهُ رَجَاء أَنْ يَمَلَّ حَبْسه فَيَبْذُل نَفْسه .


" يَسْجُنُنَّهُ " فِي مَوْضِع الْفَاعِل ; أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنْ يَسْجُنُوهُ ; هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ . قَالَ الْمُبَرِّد : وَهَذَا غَلَط ; لَا يَكُون الْفَاعِل جُمْلَة , وَلَكِنَّ الْفَاعِل مَا دَلَّ عَلَيْهِ " بَدَا " وَهُوَ مَصْدَر ; أَيْ بَدَا لَهُمْ بَدَاء ; فَحَذَفَ لِأَنَّ الْفِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَحَقّ لِمَنْ أَبُو مُوسَى أَبُوهُ يُوَفِّقهُ الَّذِي نَصَبَ الْجِبَالَا أَيْ وَحَقَّ الْحَقُّ , فَحَذَفَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ثُمَّ بَدَا لَهُمْ رَأْي لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ ; وَحَذَفَ هَذَا لِأَنَّ فِي الْكَلَام دَلِيلًا عَلَيْهِ , وَحَذَفَ أَيْضًا الْقَوْل ; أَيْ قَالُوا : لَيَسْجُنُنَّهُ , وَاللَّام جَوَاب لِيَمِينٍ مُضْمَر ; قَالَهُ الْفَرَّاء , وَهُوَ فِعْل مُذَكَّر لَا فِعْل مُؤَنَّث ; وَلَوْ كَانَ فِعْلًا مُؤَنَّثًا لَكَانَ يَسْجُنَانِهِ ; وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله " لَهُمْ " وَلَمْ يَقُلْ لَهُنَّ , فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ النِّسْوَة وَأَعْوَانهنَّ فَغَلَّبَ الْمُذَكَّر ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَ سَبَب حَبْس يُوسُف أَنَّ اِمْرَأَة الْعَزِيز شَكَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ شَهَرَهَا وَنَشَرَ خَبَرهَا ; فَالضَّمِير عَلَى هَذَا فِي " لَهُمْ " لِلْمَلِكِ .



أَيْ إِلَى مُدَّة غَيْر مَعْلُومَة ; قَالَهُ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَى اِنْقِطَاع مَا شَاعَ فِي الْمَدِينَة . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِلَى سِتَّة أَشْهُر . وَحَكَى إِلْكِيَا أَنَّهُ عَنَى ثَلَاثَة عَشَر شَهْرًا . عِكْرِمَة : تِسْع سِنِينَ . الْكَلْبِيّ : خَمْس سِنِينَ . مُقَاتِل : سَبْع . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِي الْحِين وَمَا يَرْتَبِط بِهِ مِنْ الْأَحْكَام . وَقَالَ وَهْب : أَقَامَ فِي السِّجْن اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة . و " حَتَّى " بِمَعْنَى إِلَى ; كَقَوْلِهِ : " حَتَّى مَطْلَع الْفَجْر " [ الْقَدْر : 5 ] . وَجَعَلَ اللَّه الْحَبْس تَطْهِيرًا لِيُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَمّه بِالْمَرْأَةِ . وَكَأَنَّ الْعَزِيز - وَإِنْ عَرَفَ بَرَاءَة يُوسُف - أَطَاعَ الْمَرْأَة فِي سَجْن يُوسُف . قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَثَرَ يُوسُف ثَلَاث عَثَرَات : حِين هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ , وَحِين قَالَ لِلْفَتَى : " اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك " [ يُوسُف : 42 ] فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ , وَحِين قَالَ لِإِخْوَتِهِ : " إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ " [ يُوسُف : 70 ] فَقَالُوا : " إِنْ يَسْرِق فَقَدْ سَرَقَ أَخ لَهُ مِنْ قَبْل " . [ يُوسُف : 77 ] .

أُكْرِهَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْفَاحِشَة بِالسِّجْنِ , وَأَقَامَ خَمْسَة أَعْوَام , وَمَا رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ مَنْزِلَته وَشَرِيف قَدْره ; وَلَوْ أُكْرِهَ رَجُل بِالسِّجْنِ عَلَى الزِّنَا مَا جَازَ لَهُ إِجْمَاعًا . فَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ فَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاء , وَالصَّحِيح أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَادِحًا فَإِنَّهُ يَسْقُط عَنْهُ إِثْم الزِّنَا وَحْده . وَقَدْ قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : إِنَّهُ لَا يَسْقُط عَنْهُ الْحَدّ , وَهُوَ ضَعِيف ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَجْمَع عَلَى عَبْده الْعَذَابَيْنِ , وَلَا يُصَرِّفهُ بَيْن بَلَاءَيْنِ ; فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَم الْحَرَج فِي الدِّين . " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " . [ الْحَجّ : 78 ] . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " النَّحْل " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَصَبَرَ يُوسُف , وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ الْكَيْد , فَاسْتَجَابَ لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    لمعة الاعتقاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله - في كتابه الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد.

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313420

    التحميل:

  • بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ولزوم اتباعها

    بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ولزوم اتباعها: رسالة قيمة فيها ذِكْر لأصول عقيدة أهل السنة والجماعة إجمالاً، وذكر مفهوم العقيدة، ومن هم أهل السنة والجماعة، وأسماؤهم وصفاتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1964

    التحميل:

  • قبسات من تراث الآل والأصحاب

    قبسات من تراث الآل والأصحاب: رسالة جمعت ملخَّصات من بعض إصدارات المبرَّة، أُخِذت من السلاسل الآتية: السلسلة الأولى: سير الآل والأصحاب. السلسلة الثانية: العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب. السلسلة الثالثة: قضايا التوعية الإسلامية.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339666

    التحميل:

  • تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة

    تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في: «تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد» كتبتُ أصلها في يوم 21 - 7 - 1417 هـ عندما فقدَ بعض الإخوة الأحباب بعض أولاده، .. وقد جمعتُ فيها بعض الآيات والأحاديث وأرسلتها إليه؛ لتبرِّد حرّ مصيبته ويحتسب ويصبر، ثم كنت بعد ذلك أرسلها إلى كل من بلغني أنه مات له أحد من أولاده في مناسبات عديدة - ولله الحمد -، ثم تكرَّرت المناسبات العِظام في الابتلاء والمحن، والمصائب الجسيمة، لكثير من الأحباب - جَبَرَ الله مصيبة كل مسلم مصاب -، فرأيتُ أن أضيف إليها بعض الآيات والأحاديث؛ ليبرِّد بها كل مسلم مصاب حرارة مصيبته، وخاصة من أصيب بثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1940

    التحميل:

  • سنن أبي داود

    سنن أبي داود : كتاب السنن لأبي داود كتابٌ ذو شأن عظيم، عُنِيَ فيه مؤلِّفه بجمع أحاديث الأحكام وترتيبها وإيرادها تحت تراجم أبواب تَدلُّ على فقهه وتَمَكُّنه في الرواية والدراية، قال فيه أبو سليمان الخطابي في أول كتاب معالم السنن: " وقد جَمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدِّماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه ". - وقد بلغ مجموع كتبه خمسة وثلاثين كتاباً، وبلغ مجموع أحاديثه (5274) حديث. - وأعلى الأسانيد في سنن أبي داود الرباعيات وهي التي يكون بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها أربعة أشخاص. - ولسنن أبي داود عدة شروح من أشهرها عون المعبود لأبي الطيب شمس الحق العظيم آبادي.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140678

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة