Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) (يوسف) mp3
أَيْ بِغِيبَتِهِنَّ إِيَّاهَا , وَاحْتِيَالهنَّ فِي ذَمّهَا . وَقِيلَ : إِنَّهَا أَطْلَعَتْهُنَّ وَاسْتَأْمَنَتْهُنَّ فَأَفْشَيْنَ سِرّهَا , فَسُمِّيَ ذَلِكَ مَكْرًا .


فِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تَدْعُوهُنَّ إِلَى وَلِيمَة لِتُوقِعهُنَّ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ ; فَقَالَ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ اِمْرَأَة الْعَزِيز قَالَتْ لِزَوْجِهَا إِنِّي أُرِيد أَنْ أَتَّخِذ طَعَامًا فَأَدْعُو هَؤُلَاءِ النِّسْوَة ; فَقَالَ لَهَا : اِفْعَلِي ; فَاِتَّخَذَتْ طَعَامًا , ثُمَّ نَجَّدَتْ لَهُنَّ الْبُيُوت ; نَجَّدَتْ أَيْ زَيَّنَتْ ; وَالنَّجْد مَا يُنْجَد بِهِ الْبَيْت مِنْ الْمَتَاع أَيْ يُزَيَّن , وَالْجَمْع نُجُود عَنْ أَبِي عُبَيْد ; وَالتَّنْجِيد التَّزْيِين ; وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أَنْ يَحْضُرْنَ طَعَامهَا , وَلَا تَتَخَلَّف مِنْكُنَّ اِمْرَأَة مِمَّنْ سُمِّيَتْ . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : إِنَّهُنَّ كُنَّ أَرْبَعِينَ اِمْرَأَة فَجِئْنَ عَلَى كُرْه مِنْهُنَّ , وَقَدْ قَالَ فِيهِنَّ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : حَتَّى إِذَا جِئْنَهَا قَسْرًا وَمَهَّدَتْ لَهُنَّ أَنْضَادًا وَكَبَابَا وَيُرْوَى : أَنْمَاطًا . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : فَجِئْنَ وَأَخَذْنَ مَجَالِسهنَّ .



أَيْ هَيَّأَتْ لَهُنَّ مَجَالِس يَتَّكِئْنَ عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن جُبَيْر : فِي كُلّ مَجْلِس جَام فِيهِ عَسَل وَأُتْرُجّ وَسِكِّين حَادّ . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر " مُتْكًا " مُخَفَّفًا غَيْر مَهْمُوز , وَالْمُتْك هُوَ الْأُتْرُجّ بِلُغَةِ الْقِبْط , وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُجَاهِد رَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الْمُتَّكَأ مُثَقَّلًا هُوَ الطَّعَام , وَالْمُتْك مُخَفَّفًا هُوَ الْأُتْرُجّ ; وَقَالَ الشَّاعِر : نَشْرَب الْإِثْم بِالصُّوَاعِ جِهَارًا وَتَرَى الْمُتْك بَيْننَا مُسْتَعَارًا وَقَدْ تَقُول أَزْد شَنُوءَة : الْأُتْرُجَّة الْمُتْكَة ; قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْمُتْك مَا تُبْقِيه الْخَاتِنَة . وَأَصْل الْمُتْك الزُّمَاوَرْد . وَالْمَتْكَاء مِنْ النِّسَاء الَّتِي لَمْ تُخْفَض . قَالَ الْفَرَّاء : حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ ثِقَات أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ الْمُتْك مُخَفَّفًا الزُّمَاوَرْد . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّهُ الْأُتْرُجّ ; حَكَاهُ الْأَخْفَش . اِبْن زَيْد : أُتْرُجًّا وَعَسَلًا يُؤْكَل بِهِ ; قَالَ الشَّاعِر : فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَأْنَا وَشَرِبْنَا الْحَلَال مِنْ قُلَله أَيْ أَكَلْنَا . النَّحَّاس : قَوْله تَعَالَى : " وَأَعْتَدَتْ " مِنْ الْعَتَاد ; وَهُوَ كُلّ مَا جَعَلْته عِدَّة لِشَيْءٍ . " مُتَّكَأ " أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَجْلِسًا , وَأَمَّا قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل , التَّفْسِير إِنَّهُ الطَّعَام فَيَجُوز عَلَى تَقْدِير : طَعَام مُتَّكَأ , مِثْل : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْحَذْف " وَآتَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّينًا " لِأَنَّ حُضُور النِّسَاء مَعَهُنَّ سَكَاكِين إِنَّمَا هُوَ لِطَعَامٍ يُقَطَّع بِالسَّكَاكِينِ ; كَذَا قَالَ فِي كِتَاب " إِعْرَاب الْقُرْآن " لَهُ . وَقَالَ فِي كِتَاب " مَعَانِي الْقُرْآن " لَهُ : وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : " الْمُتَّكَأ " الطَّعَام . وَقِيلَ : " الْمُتَّكَأ " كُلّ مَا اُتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْد طَعَام أَوْ شَرَاب أَوْ حَدِيث ; وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة , إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَات قَدْ صَحَّتْ بِذَلِكَ . وَحَكَى الْقُتَبِيّ أَنَّهُ يُقَال : اتَّكَأْنَا عِنْد فُلَان أَيْ أَكَلْنَا , وَالْأَصْل فِي " مُتَّكَأ " مَوْتَكَأ , وَمِثْله مُتَّزِن وَمُتَّعِد ; لِأَنَّهُ مِنْ وَزَنْت , وَوَعَدْت وَوَكَأْت , وَيُقَال : اِتَّكَأَ يَتَّكِئ اِتِّكَاء .



مَفْعُولَانِ ; وَحَكَى الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَنَّ السِّكِّين يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : فَعَيَّثَ فِي السَّنَام غَدَاة قُرّ بِسِكِّينٍ مُوَثَّقَة النِّصَاب الْجَوْهَرِيّ : وَالْغَالِب عَلَيْهِ التَّذْكِير , وَقَالَ : يَرَى نَاصِحًا فِيمَا بَدَا فَإِذَا خَلَا فَذَلِكَ سِكِّين عَلَى الْحَلْق حَاذِق الْأَصْمَعِيّ : لَا يُعْرَف فِي السِّكِّين إِلَّا التَّذْكِير .



بِضَمِّ التَّاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ الْكَسْرَة تَثْقُل إِذَا كَانَ بَعْدهَا ضَمَّة , وَكُسِرَتْ التَّاء عَلَى الْأَصْل . قِيلَ : إِنَّهَا قَالَتْ لَهُنَّ : لَا تَقْطَعْنَ وَلَا تَأْكُلْنَ حَتَّى أُعْلِمكُنَّ , ثُمَّ قَالَتْ لِخَادِمِهَا : إِذَا قُلْت لَك اُدْعُ إيلا فَادْعُ يُوسُف ; وإيل : صَنَم كَانُوا يَعْبُدُونَهُ , وَكَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام يَعْمَل فِي الطِّين , وَقَدْ شَدَّ مِئْزَره , وَحَسِرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ; فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ : اُدْعُ لِي إيلا ; أَيْ اُدْعُ لِي الرَّبّ ; وإيل بِالْعِبْرَانِيَّةِ الرَّبّ ; قَالَ : فَتَعَجَّبَ النِّسْوَة وَقُلْنَ : كَيْف يَجِيء ؟ ! فَصَعِدَتْ الْخَادِم فَدَعَتْ يُوسُف , فَلَمَّا اِنْحَدَرَ قَالَتْ لَهُنَّ : اِقْطَعْنَ مَا مَعَكُنَّ .



وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى " أَكْبَرْنَهُ " فَرَوَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَعْظَمْنَهُ وَهِبْنَهُ ; وَعَنْهُ أَيْضًا أَمْنَيْنَ وَأَمْذَيْنَ مِنْ الدَّهَش ; وَقَالَ الشَّاعِر : إِذَا مَا رَأَيْنَ الْفَحْل مِنْ فَوْق قَارَّة صَهَلْنَ وَأَكْبَرْنَ الْمَنِيّ الْمُدَفَّقَا وَقَالَ اِبْن سَمْعَان عَنْ عِدَّة مِنْ أَصْحَابه : إِنَّهُمْ قَالُوا أَمَذَيْنَ عِشْقًا ; وَهْب بْن مُنَبِّه : عَشِقْنَهُ حَتَّى مَاتَ مِنْهُنَّ عَشْر فِي ذَلِكَ الْمَجْلِس دَهَشًا وَحَيْرَة وَوَجْدًا بِيُوسُف . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ حِضْنَ مِنْ الدَّهَش ; قَالَهُ قَتَادَة وَمُقَاتِل وَالسُّدِّيّ ; قَالَ الشَّاعِر : نَأْتِي النِّسَاء عَلَى أَطْهَارهنَّ وَلَا نَأْتِي النِّسَاء إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارًا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيْره وَقَالُوا : لَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَام الْعَرَب , وَلَكِنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُنْ حِضْنَ مِنْ شِدَّة إِعْظَامهنَّ لَهُ , وَقَدْ تَفْزَع الْمَرْأَة فَتُسْقِط وَلَدهَا أَوْ تَحِيض . قَالَ الزَّجَّاج يُقَال أَكْبَرْنَهُ , وَلَا يُقَال حِضْنه , فَلَيْسَ الْإِكْبَار بِمَعْنَى الْحَيْض ; وَأَجَابَ الْأَزْهَرِيّ فَقَالَ : يَجُوز أَكْبَرَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ ; لِأَنَّ الْمَرْأَة إِذَا حَاضَتْ فِي الِابْتِدَاء خَرَجَتْ مِنْ حَيِّز الصِّغَر إِلَى الْكِبَر ; قَالَ : وَالْهَاء فِي " أَكْبَرْنَهُ " يَجُوز أَنْ تَكُون هَاء الْوَقْف لَا هَاء الْكِنَايَة , وَهَذَا مُزَيَّف , لِأَنَّ هَاء الْوَقْف تَسْقُط فِي الْوَصْل , وَأَمْثَل مِنْهُ قَوْل اِبْن الْأَنْبَارِيّ : إِنَّ الْهَاء كِنَايَة عَنْ مَصْدَر الْفِعْل , أَيْ أَكْبَرْنَ إِكْبَارًا , بِمَعْنَى حِضْنَ حَيْضًا . وَعَلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس الْأَوَّل تَعُود الْهَاء إِلَى يُوسُف ; أَيْ أَعْظَمْنَ يُوسُف وَأَجْلَلْنَهُ .



بِالْمُدَى حَتَّى بَلَغَتْ السَّكَاكِين إِلَى الْعَظْم ; قَالَهُ وَهْب بْن مُنَبِّه . سَعِيد بْن جُبَيْر : لَمْ يَخْرُج عَلَيْهِنَّ حَتَّى زَيَّنَتْهُ , فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَجْأَة فَدُهِشْنَ فِيهِ , وَتَحَيَّرْنَ لِحُسْنِ وَجْهه وَزِينَته وَمَا عَلَيْهِ , فَجَعَلْنَ يَقْطَعْنَ أَيْدِيهنَّ , وَيَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الْأُتْرُجّ ; قَالَ مُجَاهِد : قَطَّعْنَهَا حَتَّى أَلْقَيْنَهَا . وَقِيلَ : خَدَشْنَهَا . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : حَزًّا بِالسِّكِّينِ , قَالَ النَّحَّاس : يُرِيد مُجَاهِد أَنَّهُ لَيْسَ قَطْعًا تَبِين مِنْهُ الْيَد , إِنَّمَا هُوَ خَدْش وَحَزّ , وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْ يُقَال إِذَا خَدَشَ الْإِنْسَان يَد صَاحِبه قَطَعَ يَده . وَقَالَ عِكْرِمَة : " أَيْدِيهنَّ " أَكْمَامهنَّ , وَفِيهِ بُعْد . وَقِيلَ : أَنَامِلهنَّ ; أَيْ مَا وَجَدْنَ أَلَمًا فِي الْقَطْع وَالْجَرْح , أَيْ لِشُغْلِ قُلُوبهنَّ بِيُوسُف , وَالتَّقْطِيع يُشِير إِلَى الْكَثْرَة , فَيُمْكِن أَنْ تَرْجِع الْكَثْرَة إِلَى وَاحِدَة جَرَحَتْ يَدهَا فِي مَوْضِع , وَيُمْكِن أَنْ يَرْجِع إِلَى عَدَدهنَّ .



أَيْ مَعَاذ اللَّه . وَرَوَى الْأَصْمَعِيّ عَنْ نَافِع أَنَّهُ قَرَأَ كَمَا قَرَأَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء . " وَقُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ " بِإِثْبَاتِ الْأَلِف وَهُوَ الْأَصْل , وَمَنْ حَذَفَهَا جَعَلَ اللَّام فِي " لِلَّهِ " عِوَضًا مِنْهَا . وَفِيهَا أَرْبَع لُغَات ; يُقَال : حَاشَاك وَحَاشَا لَك وَحَاشَ لَك وَحَشَا لَك . وَيُقَال : حَاشَا زَيْد وَحَاشَا زَيْدًا ; قَالَ النَّحَّاس : وَسَمِعْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعْت مُحَمَّد بْن يَزِيد يَقُول : النَّصْب أَوْلَى ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهَا فِعْل لِقَوْلِهِمْ حَاشَ لِزَيْدٍ , وَالْحَرْف لَا يَحْذِف مِنْهُ ; وَقَدْ قَالَ , النَّابِغَة : وَلَا أُحَاشِي مِنْ الْأَقْوَام مِنْ أَحَد وَقَالَ بَعْضهمْ : حَاشَ حَرْف , وَأُحَاشَى فِعْل . وَيَدُلّ عَلَى كَوْن حَاشَا فِعْلًا وُقُوع حَرْف الْجَرّ بَعْدهَا . وَحَكَى أَبُو زَيْد عَنْ أَعْرَابِيّ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَلِمَنْ يَسْمَع , حَاشَا الشَّيْطَان وَأَبَا الْأَصْبَغ ; فَنَصَبَ بِهَا . وَقَرَأَ الْحَسَن " وَقُلْنَ حَاشْ لِلَّهِ " بِإِسْكَانِ الشِّين , وَعَنْهُ أَيْضًا " حَاشَ الْإِلَه " . اِبْن مَسْعُود وَأَبِي : " حَاشَ اللَّه " بِغَيْرِ لَام , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : حَاشَا أَبِي ثَوْبَان إِنَّ بِهِ ضَنًّا عَنْ الْمَلْحَاة وَالشَّتْم قَالَ الزَّجَّاج : وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الْحَاشِيَة , وَالْحَشَا بِمَعْنَى النَّاحِيَة , تَقُول : كُنْت فِي حَشَا فُلَان أَيْ فِي نَاحِيَته ; فَقَوْلك : حَاشَا لِزَيْدٍ أَيْ تَنَحَّى زَيْد مِنْ هَذَا وَتَبَاعَدَ عَنْهُ , وَالِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج وَتَنْحِيَة عَنْ جُمْلَة الْمَذْكُورِينَ . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : هُوَ فَاعِل مِنْ الْمُحَاشَاة ; أَيْ حَاشَا يُوسُف وَصَارَ فِي حَاشِيَة وَنَاحِيَة مِمَّا قَرِفَ بِهِ , أَوْ مِنْ أَنْ يَكُون بَشَرًا ; فَحَاشَا وَحَاشَ فِي الِاسْتِثْنَاء حَرْف جَرّ عِنْد سِيبَوَيْهِ , وَعَلَى مَا قَالَ الْمُبَرِّد وَأَبُو عَلِيّ فِعْل .



قَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : " مَا " بِمَنْزِلَةِ لَيْسَ ; تَقُول : لَيْسَ زَيْد قَائِمًا , و " مَا هَذَا بَشَرًا " و " مَا هُنَّ أُمَّهَاتهمْ " [ الْمُجَادَلَة : 2 ] . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَمَّا حُذِفَتْ الْبَاء نُصِبَتْ ; وَشَرْح هَذَا - فِيمَا قَالَهُ أَحْمَد بْن يَحْيَى , - إِنَّك إِذَا قُلْت : مَا زَيْد بِمُنْطَلِقٍ , فَمَوْضِع الْبَاء مَوْضِع نَصْب , وَهَكَذَا سَائِر حُرُوف الْخَفْض ; فَلَمَّا حُذِفَتْ الْبَاء نَصَبَتْ لِتَدُلّ عَلَى مَحَلّهَا , قَالَ : وَهَذَا قَوْل الْفَرَّاء , قَالَ : وَلَمْ تَعْمَل " مَا " شَيْئًا ; فَأَلْزَمهُمْ الْبَصْرِيُّونَ أَنْ يَقُولُوا : زَيْد الْقَمَر ; لِأَنَّ الْمَعْنَى كَالْقَمَرِ ! فَرَدَّ أَحْمَد بْن يَحْيَى بِأَنْ قَالَ : الْبَاء أَدْخَل فِي حُرُوف الْخَفْض مِنْ الْكَاف ; لِأَنَّ الْكَاف تَكُون اِسْمًا . قَالَ النَّحَّاس : لَا يَصِحّ إِلَّا قَوْل الْبَصْرِيِّينَ ; وَهَذَا الْقَوْل يَتَنَاقَض ; لِأَنَّ الْفَرَّاء أَجَازَ نَصًّا مَا بِمُنْطَلِقٍ زَيْد , وَأَنْشَدَ : أَمَّا وَاَللَّه أَنْ لَوْ كُنْت حُرًّا وَمَا بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلَا الْعَتِيق وَمَنَعَ نَصًّا النَّصْب ; وَلَا نَعْلَم بَيْن النَّحْوِيِّينَ اِخْتِلَافًا أَنَّهُ جَائِز : مَا فِيك بِرَاغِبٍ زَيْد , وَمَا إِلَيْك بِقَاصِدٍ عَمْرو , ثُمَّ يَحْذِفُونَ الْبَاء وَيَرْفَعُونَ . وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ مَا زَيْد مُنْطَلِق بِالرَّفْعِ , وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا لُغَة تَمِيم , وَأَنْشَدُوا : أَتَيْمًا تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَب نَدِيدٌ النِّدّ وَالنَّدِيد وَالنَّدِيدَة الْمِثْل وَالنَّظِير . وَحَكَى الْكِسَائِيّ أَنَّهَا لُغَة تِهَامَة وَنَجْد . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الرَّفْع أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَهَذَا غَلَط ; كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلُغَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى وَأَوْلَى .

قُلْت : وَفِي مُصْحَف حَفْصَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا " مَا هَذَا بِبَشَرٍ " ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَذَكَرَتْ النِّسْوَة أَنَّ صُورَة يُوسُف أَحْسَن , مِنْ صُورَة الْبَشَر , بَلْ هُوَ فِي صُورَة مَلَك ; وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [ التِّين : 4 ] وَالْجَمْع بَيْن الْآيَتَيْنِ أَنَّ قَوْلهنَّ : " حَاشَ لِلَّهِ " تَبْرِئَة لِيُوسُف عَمَّا رَمَتْهُ بِهِ اِمْرَأَة الْعَزِيز . مِنْ الْمُرَاوَدَة , أَيْ بَعُدَ يُوسُف عَنْ هَذَا ; وَقَوْلهنَّ : " لِلَّهِ " أَيْ لِخَوْفِهِ , أَيْ بَرَاءَة لِلَّهِ مِنْ هَذَا ; أَيْ قَدْ نَجَا يُوسُف مِنْ ذَلِكَ , فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الصُّورَة فِي شَيْء ; وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ فِي التَّبْرِئَة عَنْ الْمَعَاصِي كَالْمَلَائِكَةِ ; فَعَلَى هَذَا لَا تَنَاقُض . وَقِيلَ : الْمُرَاد تَنْزِيهه عَنْ مُشَابَهَة الْبَشَر فِي الصُّورَة , لِفَرَطِ جَمَاله . وَقَوْله : " لِلَّهِ " تَأْكِيد لِهَذَا الْمَعْنَى ; فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَتْ النِّسْوَة ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُنَّ أَنَّ صُورَة الْمَلَك أَحْسَن , وَمَا بَلَغَهُنَّ قَوْله تَعَالَى : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [ التِّين : 4 ] فَإِنَّهُ مِنْ كِتَابنَا . وَقَدْ ظَنَّ بَعْض الضَّعَفَة أَنَّ هَذَا الْقَوْل لَوْ كَانَ ظَنًّا بَاطِلًا مِنْهُنَّ لَوَجَبَ عَلَى اللَّه أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِنَّ , وَيُبَيِّن كَذِبهنَّ , وَهَذَا بَاطِل ; إِذْ لَا وُجُوب عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَلَيْسَ كُلّ مَا يُخْبِر بِهِ اللَّه سُبْحَانه مِنْ كُفْر الْكَافِرِينَ وَكَذِب الْكَاذِبِينَ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُن بِهِ الرَّدّ عَلَيْهِ , وَأَيْضًا أَهْل الْعُرْف قَدْ يَقُولُونَ فِي الْقَبِيح كَأَنَّهُ شَيْطَان , وَفِي الْحُسْن كَأَنَّهُ مَلَك ; أَيْ لَمْ يُرَ مِثْله , لِأَنَّ النَّاس لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة ; فَهُوَ بِنَاء عَلَى ظَنّ فِي أَنَّ صُورَة الْمَلَك أَحْسَن , أَوْ عَلَى الْإِخْبَار بِطَهَارَةِ أَخْلَاقه وَبُعْده عَنْ التُّهَم . " إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَك " أَيْ مَا هَذَا إِلَّا مَلَك ; وَقَالَ الشَّاعِر : فَلَسْت لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلَأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوّ السَّمَاء يَصُوب وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن : " مَا هَذَا بِشِرًى " بِكَسْرِ الْبَاء وَالشِّين , أَيْ مَا هَذَا عَبْدًا مُشْتَرًى , أَيْ مَا يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُبَاع , فَوَضَعَ الْمَصْدَر مَوْضِع اِسْم الْمَفْعُول , كَمَا قَالَ : " أُحِلّ لَكُمْ صَيْد الْبَحْر " [ الْمَائِدَة : 96 ] أَيْ مَصِيده , وَشَبَهه كَثِير . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : مَا هَذَا بِثَمَنٍ , أَيْ مِثْله لَا يُثَمَّن وَلَا يُقَوَّم ; فَيُرَاد بِالشِّرَاءِ عَلَى هَذَا الثَّمَن الْمُشْتَرَى بِهِ : كَقَوْلِك : مَا هَذَا بِأَلْفٍ إِذَا نَفَيْت قَوْل الْقَائِل : هَذَا بِأَلْفٍ . فَالْبَاء عَلَى هَذَا مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ هُوَ الْخَبَر , كَأَنَّهُ قَالَ : مَا هَذَا مُقَدَّرًا بِشِرَاءٍ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة أَشْبَه ; لِأَنَّ بَعْده " إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَك كَرِيم " مُبَالَغَة فِي تَفْضِيله فِي جِنْس الْمَلَائِكَة تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ , وَلِأَنَّ مِثْل " بِشِرًى " يُكْتَب فِي الْمُصْحَف بِالْيَاءِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • السمو

    السمو: فإن علو الهمة وسمو الروح مطلب شرعي ومقصد إنساني، أجمع عليه العقلاء، واتفق عليه العارفون، والمطالب العالية أمنيات الرواد، ولا يعشق النجوم إلا صفوة القوم، أما الناكصون المتخاذلون فقد رضوا بالدون، وألهتمهم الأماني حتى جاءهم المنون، فليس لهم في سجل المكارم اسم، ولا في لوح المعالي رسم. وقد أردتُ بكتابي هذا إلهاب الحماس، وبث روح العطاء، وإنذار النائمين بفيالق الصباح، والصيحة في الغافلين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324353

    التحميل:

  • نظم الآجرومية لعبيد ربه الشنقيطي

    نظم الآجرومية لعبيد ربه الشنقيطي المتوفى في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وقد قام بنظم المقدمة الآجرومية لأبي عبدالله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي المعروف بـابن آجروم، وهو متن مشهور في النحو، قد تلقاه العلماء بالقبول؛ وهذا النظم يعد أوجز المتون التي عُني فيها أصحابها بمتن المقدمة الآجرومية، ويمتاز بسلاسته وعنايته بالأمثلة التطبيقية.

    الناشر: موقع المتون العلمية http://www.almtoon.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335287

    التحميل:

  • المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

    المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : أحد كتب التاريخ المهمة وقد ابتدأ مصنفه من بدء الخلق وأول من سكن الأرض إلى أواخر القرن السادس الهجري.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141376

    التحميل:

  • كلنا دعاة [ أكثر من 1000 فكرة ووسيلة وأسلوب في الدعوة إلى الله تعالى ]

    كلنا دعاة: في هذا الكتيب تجد مئات الأفكار والوسائل والأساليب الدعوية والتي كانت نتيجة تجارب العلماء والدعاة قديماً وحديثاً. ويمكنك اختيار المناسب لك حسب قدرتك العلمية والعملية والمالية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/150408

    التحميل:

  • أربح البضاعة في فوائد صلاة الجماعة

    فلأهمية أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المساجد عمومًا وصلاة الفجر خصوصًا وكثرة فوائدها وعظيم أجر وثواب من حافظ عليها وعقوبة من تخلف عنها بأنواع العقوبات وعظيم الخطر والأضرار المرتبة على من تخلف عنها في العاجل والآجل. ونظرًا لكثرة المتخلفين عنها والمتهاونين بها- هداهم الله وأخذ بنواصيهم إلى الحق-رأيت من واجبي تذكير إخواني المسلمين بهذه الفوائد وتلك الأضرار لعلهم يتذكرون ما ينفعهم فيعملوا به وما يضرهم فيجتنبوه طاعة لله ولرسوله وطمعًا في فضل الله ومغفرته ورحمته وخوفًا من عذابه وسخطه وليشهد لهم بالإيمان وينالوا ثواب المؤمنين في الدنيا والآخرة وليبتعدوا عن أوصاف المنافقين لئلا يصيبهم ما أصابهم من العذاب والخزي في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209168

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة