Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 26

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) (يوسف) mp3
قَالَ الْعُلَمَاء : لَمَّا بَرَّأَتْ نَفْسهَا ; وَلَمْ تَكُنْ صَادِقَة فِي حُبّه - لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْمُحِبّ إِيثَار الْمَحْبُوب - قَالَ : " هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي " نَطَقَ يُوسُف بِالْحَقِّ فِي مُقَابَلَة بُهْتهَا وَكَذِبهَا عَلَيْهِ . قَالَ نَوْف الشَّامِيّ وَغَيْره : كَأَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَبِن عَنْ كَشْف الْقَضِيَّة , فَلَمَّا بَغَتْ بِهِ غَضِبَ فَقَالَ الْحَقّ .


لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَعَارَضَا فِي الْقَوْل اِحْتَاجَ الْمَلِك إِلَى شَاهِد لِيَعْلَم الصَّادِق مِنْ الْكَاذِب , فَشَهِدَ شَاهِد مِنْ أَهْلهَا . أَيْ حَكَمَ حَاكِم مِنْ أَهْلهَا ; لِأَنَّهُ حُكْم مِنْهُ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الشَّاهِد عَلَى أَقْوَال أَرْبَعَة : الْأَوَّل - أَنَّهُ طِفْل فِي الْمَهْد تَكَلَّمَ ; قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; لِلْحَدِيثِ الْوَارِد فِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ قَوْله : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة . . . ) وَذَكَرَ فِيهِمْ شَاهِد يُوسُف . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : قِيلَ فِيهِ : كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْد فِي الدَّار وَهُوَ اِبْن خَالَتهَا ; وَرَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( تَكَلَّمَ أَرْبَعَة وَهُمْ صِغَار . . . ) فَذَكَرَ مِنْهُمْ شَاهِد يُوسُف ; فَهَذَا قَوْل . الثَّانِي - أَنَّ الشَّاهِد قَدّ الْقَمِيص ; رَوَاهُ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , وَهُوَ مَجَاز صَحِيح مِنْ جِهَة اللُّغَة ; فَإِنَّ لِسَان الْحَال أَبْلَغَ مِنْ لِسَان الْمَقَال ; وَقَدْ تُضِيف الْعَرَب الْكَلَام إِلَى الْجَمَادَات وَتُخْبِر عَنْهَا بِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَات , وَذَلِكَ كَثِير فِي أَشْعَارهَا وَكَلَامهَا ; وَمِنْ أَحْلَاهُ قَوْل بَعْضهمْ : قَالَ الْحَائِط لِلْوَتَدِ لِمَ تَشُقّنِي ؟ قَالَ لَهُ : سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي . إِلَّا أَنَّ قَوْل اللَّه تَعَالَى بَعْد " مِنْ أَهْلهَا " يُبْطِل أَنْ يَكُون الْقَمِيص . الثَّالِث - أَنَّهُ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه تَعَالَى لَيْسَ بِإِنْسِيٍّ وَلَا بِجِنِّيٍّ ; قَالَهُ مُجَاهِد أَيْضًا , وَهَذَا يَرُدّهُ قَوْله تَعَالَى : " مِنْ أَهْلهَا " . الرَّابِع - أَنَّهُ رَجُل حَكِيم ذُو عَقْل كَانَ الْوَزِير يَسْتَشِيرهُ فِي أُمُوره , وَكَانَ مِنْ جُمْلَة أَهْل الْمَرْأَة وَكَانَ مَعَ زَوْجهَا فَقَالَ : قَدْ سَمِعْت الِاسْتِبْدَار وَالْجَلَبَة مِنْ وَرَاء الْبَاب , وَشَقّ الْقَمِيص , فَلَا يُدْرَى أَيّكُمَا كَانَ قُدَّام صَاحِبه ; فَإِنْ كَانَ شَقّ الْقَمِيص مِنْ قُدَّامه فَأَنْتِ صَادِقَة , وَإِنْ كَانَ مِنْ خَلْفه فَهُوَ صَادِق , فَنَظَرُوا إِلَى الْقَمِيص فَإِذَا هُوَ مَشْقُوق مِنْ خَلْف ; هَذَا قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد أَيْضًا وَالسُّدِّيّ . قَالَ السُّدِّيّ : كَانَ اِبْن عَمّهَا ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب , وَاَللَّه أَعْلَم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس - رَوَاهُ عَنْهُ إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة - قَالَ : كَانَ رَجُلًا ذَا لِحْيَة . وَقَالَ سُفْيَان عَنْ جَابِر عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : كَانَ مِنْ خَاصَّة الْمَلِك . وَقَالَ عِكْرِمَة : لَمْ يَكُنْ بِصَبِيٍّ , وَلَكِنْ كَانَ رَجُلًا حَكِيمًا . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَانَ رَجُلًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَالْأَشْبَه بِالْمَعْنَى - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنْ يَكُون رَجُلًا عَاقِلًا حَكِيمًا شَاوَرَهُ الْمَلِك فَجَاءَ بِهَذِهِ الدَّلَالَة ; وَلَوْ كَانَ طِفْلًا لَكَانَتْ شَهَادَته لِيُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُغْنِي عَنْ أَنْ يَأْتِي بِدَلِيلٍ مِنْ الْعَادَة ; لِأَنَّ كَلَام الطِّفْل آيَة مُعْجِزَة , فَكَانَتْ أَوْضَح مِنْ الِاسْتِدْلَال بِالْعَادَةِ ; وَلَيْسَ هَذَا بِمُخَالِفٍ لِلْحَدِيثِ ( تَكَلَّمَ أَرْبَعَة وَهُمْ صِغَار ) مِنْهُمْ صَاحِب يُوسُف , يَكُون الْمَعْنَى : صَغِيرًا لَيْسَ بِشَيْخٍ ; وَفِي هَذَا دَلِيل آخَر وَهُوَ : أَنَّ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا رَوَى الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَة عَنْهُ أَنَّ صَاحِب يُوسُف لَيْسَ بِصَبِيٍّ .

قُلْت : قَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن جُبَيْر وَهِلَال بْن يَسَاف وَالضَّحَّاك أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْد ; إِلَّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَبِيًّا تَكَلَّمَ لَكَانَ الدَّلِيل نَفْس كَلَامه , دُون أَنْ يَحْتَاج إِلَى اِسْتِدْلَال بِالْقَمِيصِ , وَكَانَ يَكُون ذَلِكَ خَرْق عَادَة , وَنَوْع مُعْجِزَة ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَسَيَأْتِي مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد مِنْ الصِّبْيَان فِي سُورَة [ الْبُرُوج ] إِنْ شَاءَ اللَّه .

إِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى أَنْ يَكُون الشَّاهِد طِفْلًا صَغِيرًا فَلَا يَكُون فِيهِ دَلَالَة عَلَى الْعَمَل بِالْأَمَارَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا ; وَإِذَا كَانَ رَجُلًا فَيَصِحّ أَنْ يَكُون حُجَّة بِالْحُكْمِ بِالْعَلَامَةِ فِي اللُّقَطَة وَكَثِير مِنْ الْمَوَاضِع ; حَتَّى قَالَ مَالِك فِي اللُّصُوص : إِذَا وُجِدَتْ مَعَهُمْ أَمْتِعَة فَجَاءَ قَوْم فَادَّعَوْهَا , وَلَيْسَتْ لَهُمْ بَيِّنَة فَإِنَّ السُّلْطَان يَتَلَوَّم لَهُمْ فِي ذَلِكَ ; فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرهمْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ . وَقَالَ مُحَمَّد فِي مَتَاع الْبَيْت إِذَا اِخْتَلَفَتْ فِيهِ الْمَرْأَة وَالرَّجُل : إِنَّ مَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ , وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ , وَمَا كَانَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَة فَهُوَ لِلرَّجُلِ . وَكَانَ شُرَيْح وَإِيَاس بْن مُعَاوِيَة يَعْمَلَانِ عَلَى الْعَلَامَات فِي الْحُكُومَات ; وَأَصْل ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة , وَاَللَّه أَعْلَم .



كَانَ فِي مَوْضِع جَزْم بِالشَّرْطِ , وَفِيهِ مِنْ النَّحْو مَا يُشْكِل , لِأَنَّ حُرُوف الشَّرْط تَرُدّ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَل , وَلَيْسَ هَذَا فِي كَانَ ; فَقَالَ الْمُبَرِّد مُحَمَّد بْن يَزِيد : هَذَا لِقُوَّةِ كَانَ , وَأَنَّهُ يُعَبَّر بِهَا عَنْ جَمِيع الْأَفْعَال . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى إِنْ يَكُنْ ; أَيْ إِنْ يُعْلَم , وَالْعِلْم لَمْ يَقَع , وَكَذَا الْكَوْن لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنْ الْعِلْم . " قُدَّ مِنْ قُبُل " فَخَبَر عَنْ " كَانَ " بِالْفِعْلِ الْمَاضِي ; كَمَا قَالَ زُهَيْر : وَكَانَ طَوَى كَشْحًا عَلَى مُسْتَكِنَّة فَلَا هُوَ أَبْدَاهَا وَلَمْ يَتَقَدَّم وَقَرَأَ يَحْيَى بْن يَعْمَر وَابْن أَبِي إِسْحَاق " مِنْ قُبُل " بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء وَاللَّام , وَكَذَا " دُبُر " قَالَ الزَّجَّاج : يَجْعَلهُمَا غَايَتَيْنِ كَقَبْلُ وَبَعْدُ ; كَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ قُبُله وَمِنْ دُبُره , فَلَمَّا حَذَفَ الْمُضَاف إِلَيْهِ - وَهُوَ مُرَاد - صَارَ الْمُضَاف غَايَة نَفْسه بَعْد أَنْ كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ غَايَة لَهُ . وَيَجُوز " مِنْ قُبُل " " وَمِنْ دُبُر " بِفَتْحِ الرَّاء وَاللَّام تَشْبِيهًا بِمَا لَا يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ مَعْرِفَة وَمُزَال عَنْ بَابه . وَرَوَى مَحْبُوب عَنْ أَبِي عَمْرو " مِنْ قُبُل " " وَمِنْ دُبُر " مُخَفَّفَانِ مَجْرُورَانِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية

    الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية: كتاب لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله - شرح فيه الأبواب الفقهية على طريقة السؤال والجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2586

    التحميل:

  • مصحف المدينة برواية قالون

    تحتوي هذه الصفحة على نسخة مصورة pdf من مصحف المدينة النبوية برواية قالون.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5268

    التحميل:

  • مسند الشافعي

    مسند الشافعي : اشتمل هذا الكتاب على أحاديث رتبت على الأبواب الفقهية، بدأت بباب ما خرج من كتاب الوضوء، وانتهت بـ " ومن كتاب اختلاف علي وعبد الله مما لم يسمع الربيع من الشافعي ". ومن يتأمل الكتاب يبدو له بوضوح أن هذا الكتاب ليس من صنع الشافعي - رحمه الله -، وإنما هو تجميع لمروياته التي سمعها منه الربيع بن سليمان، مع إضافة مرويات أخرى له من غير طريق الشافعي، قال الحافظ ابن حجر في تعريفه بهذا الكتاب: " مسند الشافعي - رحمه الله تعالى - وهو: عبارة عن الأحاديث التي وقعت في مسموع أبي العباس الأصم، على الربيع بن سليمان من [ كتاب الأم ]، و[ المبسوط ]، التقطها بعض النيسابوريين من الأبواب " ( المعجم المفهرس ص: 39)، وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة: " وليس هو من تصنيفه، وإنما هو عبارة عن الأحاديث التي أسندها؛ مرفوعها موقوفها، ووقعت في مسموع أبي العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأصم الأموي، مولاهم المعقلي النيسابوري، عن الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، المؤذن المصري صاحب الشافعي وراوية كتبه، من كتابي(الأم ) و( المبسوط ) للشافعي، إلا أربعة أحاديث رواها الربيع عن البويطي عن الشافعي، التقطها بعض النيسابوريين؛ وهو: أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر المطري العدل النيسابوري الحافظ، من شيوخ الحاكم، من الأبواب لأبي العباس الأصم المذكور لحصول الرواية له بها عن الربيع، وقيل: جمعها الأصم لنفسه، فسمى ذلك مسند الشافعي، ولم يرتبه؛ فلذا وقع التكرار فيه في غيرما موضع ".

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140689

    التحميل:

  • المسابقات القرآنية المحلية والدولية

    تقرير موجز عن المسابقات القرآنية المحلية - في المملكة العربية السعودية حرسها الله بالإسلام - والدولية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111038

    التحميل:

  • أحصاه الله ونسوه

    أحصاه الله ونسوه: قال المصنف - حفظه الله -: «أقدم للقارئ الكريم الجزء السادس من سلسلة: أين نحن من هؤلاء؟ تحت عنوان: «أحصاه الله ونسوه» الذي يتحدَّث عن آفات اللسان ومزالقه. وقد بدأت بمداخل عن اللسان وعظم أمره، ثم آفة الغيبة وأتبعتها النميمة والكذب والاستهزاء».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229602

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة