Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 24

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) (يوسف) mp3
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضهمْ مَا زَالَ النِّسَاء يَمِلْنَ إِلَى يُوسُف مَيْل شَهْوَة حَتَّى نَبَّأَهُ اللَّه , فَأَلْقَى عَلَيْهِ هَيْبَة النُّبُوَّة ; فَشَغَلَتْ هَيْبَته كُلّ مَنْ رَآهُ عَنْ حُسْنه . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَمّه . وَلَا خِلَاف أَنَّ هَمَّهَا كَانَ الْمَعْصِيَة , وَأَمَّا يُوسُف فَهَمَّ بِهَا " لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَان رَبّه " وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى الْبُرْهَان مَا هَمَّ ; وَهَذَا لِوُجُوبِ الْعِصْمَة لِلْأَنْبِيَاءِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " كَذَلِكَ لِنَصْرِف عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادنَا الْمُخْلَصِينَ " فَإِذَا فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; أَيْ لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَان رَبّه هَمَّ بِهَا . قَالَ أَبُو حَاتِم : كُنْت أَقْرَأ غَرِيب الْقُرْآن عَلَى أَبِي عُبَيْدَة فَلَمَّا أَتَيْت عَلَى قَوْله : " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا " الْآيَة , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هَذَا عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ; كَأَنَّهُ أَرَادَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَلَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَان رَبّه لَهَمَّ بِهَا . وَقَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى : أَيْ هَمَّتْ زليخاء بِالْمَعْصِيَةِ وَكَانَتْ مُصِرَّة , وَهَمّ يُوسُف وَلَمْ يُوَاقِع مَا هَمَّ بِهِ ; فَبَيْن الْهِمَّتَيْنِ فَرْق , ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْهَرَوِيّ فِي كِتَابه . قَالَ جَمِيل : هَمَمْت بِهَمٍّ مِنْ بُثَيْنَة لَوْ بَدَا شَفَيْت غَلِيلَات الْهَوَى مِنْ فُؤَادِيَا آخَر : هَمَمْت وَلَمْ أَفْعَل وَكِدْت وَلَيْتَنِي تَرَكْت عَلَى عُثْمَان تَبْكِي حَلَائِله فَهَذَا كُلّه حَدِيث نَفْس مِنْ غَيْر عَزْم . وَقِيلَ : هَمَّ بِهَا تَمَنَّى زَوْجِيَّتهَا . وَقِيلَ : هَمَّ بِهَا أَيْ بِضَرْبِهَا وَدَفْعهَا عَنْ نَفْسه , وَالْبُرْهَان كَفّه عَنْ الضَّرْب ; إِذْ لَوْ ضَرَبَهَا لَأَوْهَمَ أَنَّهُ قَصَدَهَا بِالْحَرَامِ فَامْتَنَعَتْ فَضَرَبَهَا . وَقِيلَ : إِنَّ هَمّ يُوسُف كَانَ مَعْصِيَة , وَأَنَّهُ جَلَسَ مِنْهَا مَجْلِس الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته , وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ مُعْظَم الْمُفَسِّرِينَ وَعَامَّتهمْ , فِيمَا ذَكَرَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر , وَابْن الْأَنْبَارِيّ وَالنَّحَّاس وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : حَلَّ الْهِمْيَان وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِس الْخَاتِن , وَعَنْهُ : اِسْتَلْقَتْ , عَلَى قَفَاهَا وَقَعَدَ بَيْن رِجْلَيْهَا يَنْزِع ثِيَابه . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَطْلَقَ تِكَّة سَرَاوِيله . وَقَالَ مُجَاهِد : حَلَّ السَّرَاوِيل حَتَّى بَلَغَ الْأَلْيَتَيْنِ , وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِس الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَمَّا قَالَ : " ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " [ يُوسُف : 52 ] قَالَ لَهُ جِبْرِيل : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا يَا يُوسُف ؟ ! فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : " وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي " [ يُوسُف : 53 ] . قَالُوا : وَالِانْكِفَاف فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَة دَالّ عَلَى الْإِخْلَاص , وَأَعْظَم لِلثَّوَابِ .

قُلْت : وَهَذَا كَانَ سَبَب ثَنَاء اللَّه تَعَالَى عَلَى ذِي الْكِفْل حَسَب , مَا يَأْتِي بَيَانه فِي [ ص ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَجَوَاب " لَوْلَا " عَلَى هَذَا مَحْذُوف ; أَيْ لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَان رَبّه لَأَمْضَى مَا هَمَّ بِهِ ; وَمِثْله " كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْم الْيَقِين " [ التَّكَاثُر : 5 ] وَجَوَابه لَمْ تَتَنَافَسُوا ; قَالَ اِبْن عَطِيَّة : رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف , وَقَالُوا : الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُون مَثَلًا لِلْمُذْنِبِينَ لِيَرَوْا أَنَّ تَوْبَتهمْ تَرْجِع إِلَى عَفْو اللَّه تَعَالَى كَمَا رَجَعَتْ مِمَّنْ هُوَ خَيْر مِنْهُمْ وَلَمْ يُوبِقهُ الْقُرْب مِنْ الذَّنْب , وَهَذَا كُلّه عَلَى أَنَّ هَمّ يُوسُف بَلَغَ فِيمَا رَوَتْ هَذِهِ الْفِرْقَة إِلَى أَنْ جَلَسَ بَيْن رِجْلَيْ زليخاء وَأَخَذَ فِي حَلّ ثِيَابه وَتِكَّته وَنَحْو ذَلِكَ , وَهِيَ قَدْ اِسْتَلْقَتْ لَهُ ; حَكَاهُ الطَّبَرِيّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّام : وَابْن عَبَّاس وَمَنْ دُونه لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ هَمَّ بِهَا , وَهُمْ أَعْلَم بِاَللَّهِ وَبِتَأْوِيلِ كِتَابه , وَأَشَدّ تَعْظِيمًا لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْم . وَقَالَ الْحَسَن : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَذْكُر مَعَاصِي الْأَنْبِيَاء لِيُعَيِّرهُمْ بِهَا ; وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهَا لِكَيْلَا تَيْأَسُوا مِنْ التَّوْبَة . قَالَ الْغَزْنَوِيّ : مَعَ أَنَّ زَلَّة الْأَنْبِيَاء حِكَمًا : زِيَادَة الْوَجَل , وَشِدَّة الْحَيَاء بِالْخَجَلِ , وَالتَّخَلِّي عَنْ عُجْب , الْعَمَل , وَالتَّلَذُّذ بِنِعْمَةِ الْعَفْو بَعْد الْأَمَل , وَكَوْنهمْ أَئِمَّة رَجَاء أَهْل الزَّلَل . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَقَالَ قَوْم جَرَى مِنْ يُوسُف هَمّ , وَكَانَ ذَلِكَ الْهَمّ حَرَكَة طَبْع مِنْ غَيْر تَصْمِيم لِلْعَقْدِ عَلَى الْفِعْل ; وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل لَا يُؤْخَذ بِهِ الْعَبْد , وَقَدْ يَخْطِر بِقَلْبِ الْمَرْء وَهُوَ صَائِم شُرْب الْمَاء الْبَارِد ; وَتَنَاوُل الطَّعَام اللَّذِيذ ; فَإِذَا لَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَب , وَلَمْ يُصَمِّم عَزْمه عَلَى الْأَكْل وَالشُّرْب لَا يُؤَاخَذ بِمَا هَجَسَ فِي النَّفْس ; وَالْبُرْهَان صَرْفه عَنْ هَذَا الْهَمّ حَتَّى لَمْ يَصِرْ عَزْمًا مُصَمَّمًا .

قُلْت : هَذَا قَوْل حَسَن ; وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْحَسَن . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : الَّذِي أَقُول بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّ كَوْن يُوسُف نَبِيًّا فِي وَقْت هَذِهِ النَّازِلَة لَمْ يَصِحّ , وَلَا تَظَاهَرَتْ بِهِ رِوَايَة ; وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُؤْمِن قَدْ أُوتِيَ حُكْمًا وَعِلْمًا , وَيَجُوز عَلَيْهِ الْهَمّ الَّذِي هُوَ إِرَادَة الشَّيْء دُون مُوَاقَعَته وَأَنْ يَسْتَصْحِب الْخَاطِر الرَّدِيء عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَطِيئَة ; وَإِنْ فَرَضْنَاهُ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَلَا يَجُوز عَلَيْهِ عِنْدِي إِلَّا الْهَمّ الَّذِي هُوَ خَاطِر , وَلَا يَصِحّ عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذُكِرَ مِنْ حَلّ تِكَّته وَنَحْوه ; لِأَنَّ الْعِصْمَة مَعَ النُّبُوَّة . وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : تَكُون فِي دِيوَان الْأَنْبِيَاء وَتَفْعَل فِعْل السُّفَهَاء . فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْعِدَّة بِالنُّبُوَّةِ فِيمَا بَعْد .

قُلْت : مَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا التَّفْصِيل صَحِيح ; لَكِنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ " [ يُوسُف : 15 ] يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء ; وَإِذَا كَانَ نَبِيًّا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُون الْهَمّ الَّذِي هَمّ بِهِ مَا يَخْطِر فِي النَّفْس وَلَا يَثْبُت فِي الصَّدْر ; وَهُوَ الَّذِي رَفَعَ اللَّه فِيهِ الْمُؤَاخَذَة عَنْ الْخَلْق , إِذْ لَا قُدْرَة لِلْمُكَلَّفِ عَلَى دَفْعه ; وَيَكُون قَوْله : " وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي " [ يُوسُف : 53 ] - إِنْ كَانَ مِنْ قَوْل يُوسُف - أَيْ مِنْ هَذَا الْهَمّ , أَوْ يَكُون ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طَرِيق التَّوَاضُع وَالِاعْتِرَاف , لِمُخَالَفَة النَّفْس لِمَا زُكِّيَ بِهِ قَبْل وَبُرِّئَ ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ حَال يُوسُف مِنْ حِين بُلُوغه فَقَالَ : " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّه آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا " [ يُوسُف : 22 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه ; وَخَبَر اللَّه تَعَالَى صِدْق , وَوَصْفه صَحِيح , وَكَلَامه حَقّ ; فَقَدْ عَمِلَ يُوسُف بِمَا عَلَّمَهُ اللَّه مِنْ تَحْرِيم الزِّنَا وَمُقَدِّمَاته ; وَخِيَانَة السَّيِّد وَالْجَار وَالْأَجْنَبِيّ فِي أَهْله ; فَمَا تَعَرَّضَ لِامْرَأَةِ الْعَزِيز , وَلَا أَجَابَ إِلَى الْمُرَاوَدَة , بَلْ أَدْبَرَ عَنْهَا وَفَرَّ مِنْهَا ; حِكْمَة خُصَّ بِهَا , وَعَمَلًا بِمُقْتَضَى مَا عَلَّمَهُ اللَّه . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَتْ الْمَلَائِكَة رَبّ ذَاكَ عَبْدك يُرِيد أَنْ يَعْمَل سَيِّئَة وَهُوَ أَبْصَر بِهِ فَقَالَ اُرْقُبُوهُ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَة إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّاي ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام مُخْبِرًا عَنْ رَبّه : ( إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ حَسَنَة ) . فَإِنْ كَانَ مَا يَهِم بِهِ الْعَبْد مِنْ السَّيِّئَة يُكْتَب لَهُ بِتَرْكِهَا حَسَنَة فَلَا ذَنْب ; وَفِي الصَّحِيح : ( إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَل أَوْ تَكَلَّم بِهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : كَانَ بِمَدِينَةِ السَّلَام إِمَام مِنْ أَئِمَّة الصُّوفِيَّة , - وَأَيّ إِمَام - يُعْرَف بِابْنِ عَطَاء ! تَكَلَّمَ يَوْمًا عَلَى يُوسُف وَأَخْبَاره حَتَّى ذَكَرَ تَبْرِئَته مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ مَكْرُوه ; فَقَامَ رَجُل مِنْ آخِر مَجْلِسه وَهُوَ مَشْحُون بِالْخَلِيقَةِ مِنْ كُلّ طَائِفَة فَقَالَ : يَا شَيْخ ! يَا سَيِّدنَا ! فَإِذًا يُوسُف هَمَّ وَمَا تَمَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ! لِأَنَّ الْعِنَايَة مِنْ ثَمَّ . فَانْظُرْ إِلَى حَلَاوَة الْعَالِم وَالْمُتَعَلِّم , وَانْظُرْ إِلَى فِطْنَة الْعَامِّيّ فِي سُؤَاله , وَجَوَاب الْعَالِم فِي اِخْتِصَاره وَاسْتِيفَائِهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاء الصُّوفِيَّة : إِنَّ فَائِدَة قَوْله : " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّه آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا " [ يُوسُف : 22 ] إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ إِبَّان غَلَبَة الشَّهْوَة لِتَكُونَ لَهُ سَبَبًا لِلْعِصْمَةِ .

قُلْت : وَإِذَا تَقَرَّرَتْ عِصْمَته وَبَرَاءَته بِثَنَاءِ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا يَصِحّ مَا قَالَ مُصْعَب بْن عُثْمَان : إِنَّ سُلَيْمَان بْن يَسَار كَانَ مِنْ أَحْسَن النَّاس وَجْهًا , فَاشْتَاقَتْهُ اِمْرَأَة فَسَامَتْهُ نَفْسهَا فَامْتَنَعَ عَلَيْهَا وَذَكَّرَهَا , فَقَالَتْ : إِنْ لَمْ تَفْعَل لَأُشَهِّرَنَّك ; فَخَرَجَ وَتَرَكَهَا , فَرَأَى فِي مَنَامه يُوسُف الصِّدِّيق عَلَيْهِ السَّلَام جَالِسًا فَقَالَ : أَنْتَ يُوسُف ؟ فَقَالَ : أَنَا يُوسُف الَّذِي هَمَمْت , وَأَنْتَ سُلَيْمَان الَّذِي لَمْ تَهِمّ ؟ ! فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُون دَرَجَة الْوِلَايَة أَرْفَع مِنْ دَرَجَة النُّبُوَّة وَهُوَ مُحَال ; وَلَوْ قَدَّرْنَا يُوسُف غَيْر نَبِيّ فَدَرَجَته الْوِلَايَة , فَيَكُون مَحْفُوظًا كَهُوَ ; وَلَوْ غَلَّقَتْ عَلَى سُلَيْمَان الْأَبْوَاب , وَرُوجِعَ فِي الْمَقَال وَالْخِطَاب , وَالْكَلَام وَالْجَوَاب مَعَ طُول الصُّحْبَة لَخِيفَ عَلَيْهِ الْفِتْنَة , وَعَظِيم الْمِحْنَة , وَاَللَّه أَعْلَم .



" أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع أَيْ لَوْلَا رُؤْيَة بُرْهَان رَبّه وَالْجَوَاب مَحْذُوف . لَعَلِمَ السَّامِع ; أَيْ لَكَانَ مَا كَانَ . وَهَذَا الْبُرْهَان غَيْر مَذْكُور فِي الْقُرْآن ; فَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ زليخاء قَامَتْ إِلَى صَنَم مُكَلَّل بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوت فِي زَاوِيَة الْبَيْت فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ , فَقَالَ : مَا تَصْنَعِينَ ؟ قَالَتْ : أَسْتَحِي مِنْ إِلَهِي هَذَا أَنْ يَرَانِي فِي هَذِهِ الصُّورَة ; فَقَالَ يُوسُف : أَنَا أَوْلَى أَنْ أَسْتَحِي مِنْ اللَّه ; وَهَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ , لِأَنَّ فِيهِ إِقَامَة الدَّلِيل . وَقِيلَ : رَأَى مَكْتُوبًا فِي سَقْف الْبَيْت " وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَسَاءَ سَبِيلًا " [ الْإِسْرَاء : 32 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بَدَتْ كَفّ مَكْتُوب عَلَيْهَا " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ " [ الِانْفِطَار : 10 ] وَقَالَ قَوْم : تَذَّكَّر عَهْد اللَّه وَمِيثَاقه . وَقِيلَ : نُودِيَ يَا يُوسُف ! أَنْتَ مَكْتُوب فِي دِيوَان الْأَنْبِيَاء وَتَعْمَل عَمَل السُّفَهَاء ؟ ! وَقِيلَ : رَأَى صُورَة يَعْقُوب عَلَى الْجُدْرَان عَاضًّا عَلَى أُنْمُلَته يَتَوَعَّدهُ فَسَكَنَ , وَخَرَجَتْ شَهْوَته مِنْ أَنَامِله ; قَالَهُ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك . وَأَبُو صَالِح وَسَعِيد بْن جُبَيْر . وَرَوَى الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد قَالَ : حَلَّ سَرَاوِيله فَتَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوب , وَقَالَ لَهُ : يَا يُوسُف ! فَوَلَّى هَارِبًا . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوب فَضَرَبَ صَدْره فَخَرَجَتْ شَهْوَته مِنْ أَنَامِله , قَالَ مُجَاهِد : فَوُلِدَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْ أَوْلَاد يَعْقُوب اِثْنَا عَشَر ذَكَرًا إِلَّا يُوسُف لَمْ يُولَد لَهُ إِلَّا غُلَامَانِ , وَنَقَصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَة وَلَده ; وَقِيلَ غَيْر هَذَا . وَبِالْجُمْلَةِ : فَذَلِكَ الْبُرْهَان آيَة مِنْ آيَات اللَّه أَرَاهَا اللَّه يُوسُف حَتَّى قَوِيَ إِيمَانه , وَامْتَنَعَ عَنْ الْمَعْصِيَة .


الْكَاف مِنْ " كَذَلِكَ " يَجُوز أَنْ تَكُون رَفْعًا , بِأَنْ يَكُون خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , التَّقْدِير : الْبَرَاهِين كَذَلِكَ , وَيَكُون نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ; أَيْ أَرَيْنَاهُ الْبَرَاهِين رُؤْيَة كَذَلِكَ . وَالسُّوء الشَّهْوَة , وَالْفَحْشَاء الْمُبَاشَرَة . وَقِيلَ : السُّوء الثَّنَاء الْقَبِيح , وَالْفَحْشَاء الزِّنَا . وَقِيلَ : السُّوء خِيَانَة صَاحِبه , وَالْفَحْشَاء رُكُوب الْفَاحِشَة . وَقِيلَ : السُّوء عُقُوبَة الْمَلِك الْعَزِيز .


قَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامِر " الْمُخْلِصِينَ " بِكَسْرِ اللَّام ; وَتَأْوِيلهَا الَّذِينَ أَخْلَصُوا طَاعَة اللَّه . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ اللَّام , وَتَأْوِيلهَا : الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ اللَّه لِرِسَالَتِهِ ; وَقَدْ كَانَ يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى , مُسْتَخْلِصًا لِرِسَالَةِ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تنبيه الناس بشأن اللباس

    تنبيه الناس بشأن اللباس: نُبَذٌ من الكلمات النيِّرات المقتبسة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشأن اللباس، وأحكامه.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330468

    التحميل:

  • الفتح الرباني في العلاقة بين القراءات والرسم العثماني

    الفتح الرباني في العلاقة بين القراءات والرسم العثماني: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فمنذ زمن بعيد وأنا توَّاق إلى وضعِ مُصنَّف خاصّ أُضمِّنُه الحديثَ عن العلاقة بين القراءات والرسمِ العُثماني، وأُبيِّن فيه أن العلاقة بينهما قوية ومتينة؛ لأنه يترتَّبُ على مُخالفة (الرسم العثماني) ترك الكثير من القراءات المُتواتِرة، حتى شاءَ الله تعالى وشرحَ صدري للكتابةِ في هذا الموضوع الهامّ الذي لم أُسبَق إلى مثلهِ من قبل، وقد سمَّيتُ مُصنَّفي هذا: «الفتح الرباني في العلاقة بين القراءات والرسم العثماني». وهدَفي من وراءِ الكتابة في هذا الموضوع الهام عدَّة أمور في مُقدِّمتها ميعًا: الدفاع عن قراءات القرآن، وعن الرسم الذي كُتِب به (القرآن) بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك الرسم الذي اكتسبَ حُكمًا شرعيًّا، وهو إجماعُ الصحابةِ عليه، كما أن هذا الرسم من عملِ بعضِ الصحابةِ - رضوان الله عليهم أجمعين -».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385225

    التحميل:

  • فضل قراءة بعض آيات وسور من القرآن الكريم مُؤيَّدًا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام

    فضل قراءة بعض آيات وسور من القرآن الكريم مُؤيَّدًا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد تاقَت نفسي أن أُصنِّف كتابًا أُضمِّنه: فضل قراءة بعض آيات، وسُور من القرآن الكريم مُعتمِدًا في ذلك على ما يلي: أولاً: على الأحاديث الصحيحة الواردة عن نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. ثانيًا: على الأخبار الموثوق بها الواردة عن خِيرةِ الصحابةِ والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين -. رجاءَ أن يكون ذلك مُشجِّعًا على قراءةِ القرآن الكريم؛ لما في ذلك من الأجرِ العظيمِ، والثوابِ الجزيلِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384412

    التحميل:

  • مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحها العديد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله -، وذلك في صورة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2563

    التحميل:

  • الإسلام أصوله ومبادئه

    الإسلام أصوله ومبادئه: قال المؤلف - أثابه الله -: «.. قد حاولت - قدر المستطاع - أن أعرض الإسلام في هذا الكتاب عرضًا موجزًا من خلال التعريف بأركان الإسلام ومبادئه العظام، وما يتطلبه البيان من ذكر بعض المسائل والقضايا التي لا بد من التعريف بها عند الدعوة إلى الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1916

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة