Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 110

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) (يوسف) mp3
هَذِهِ الْآيَة فِيهَا تَنْزِيه الْأَنْبِيَاء وَعِصْمَتهمْ عَمَّا لَا يَلِيق بِهِمْ . وَهَذَا الْبَاب عَظِيم , وَخَطَره جَسِيم , يَنْبَغِي الْوُقُوف , عَلَيْهِ لِئَلَّا يَزِلّ الْإِنْسَان فَيَكُون فِي سَوَاء الْجَحِيم . الْمَعْنَى : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك يَا مُحَمَّد إِلَّا رِجَالًا ثُمَّ لَمْ نُعَاقِب أُمَمهمْ بِالْعَذَابِ . " حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل " أَيْ يَئِسُوا مِنْ إِيمَان قَوْمهمْ . " وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا " بِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ أَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمهمْ كَذَّبُوهُمْ . وَقِيلَ الْمَعْنَى : حَسِبُوا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ قَوْمهمْ كَذَّبُوهُمْ , لَا أَنَّ الْقَوْم كَذَّبُوا , وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاء ظَنُّوا وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ ; أَيْ خَافُوا أَنْ يَدْخُل قُلُوب أَتْبَاعهمْ شَكّ ; فَيَكُون " وَظَنُّوا " عَلَى بَابه فِي هَذَا التَّأْوِيل . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَأَبُو جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَأَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ وَعَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَخَلَف " كُذِبُوا " بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ ظَنَّ الْقَوْم أَنَّ الرُّسُل كَذَبُوهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ الْعَذَاب , وَلَمْ يَصْدُقُوا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ظَنّ الْأُمَم أَنَّ الرُّسُل قَدْ كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا بِهِ مِنْ نَصْرهمْ . وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ; ظَنَّ الرُّسُل أَنَّ اللَّه أَخْلَفَ مَا وَعَدَهُمْ . وَقِيلَ : لَمْ تَصِحّ هَذِهِ الرِّوَايَة ; لِأَنَّهُ لَا يُظَنّ بِالرُّسُلِ هَذَا الظَّنّ , وَمَنْ ظَنَّ هَذَا الظَّنّ لَا يَسْتَحِقّ النَّصْر ; فَكَيْف قَالَ : " جَاءَهُمْ نَصْرنَا " ؟ ! قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَلَا يَبْعُد إِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَة أَنَّ الْمُرَاد خَطَر بِقُلُوبِ الرُّسُل هَذَا مِنْ غَيْر أَنْ يَتَحَقَّقُوهُ فِي نُفُوسهمْ ; وَفِي الْخَبَر : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَنْطِق بِهِ لِسَان أَوْ تَعْمَل بِهِ ) . وَيَجُوز أَنْ يُقَال : قَرَّبُوا مِنْ ذَلِكَ الظَّنّ ; كَقَوْلِك : بَلَغْت الْمَنْزِل , أَيْ قَرَّبْت مِنْهُ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ وَالنَّحَّاس عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا مِنْ طُول الْبَلَاء , وَنَسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُخْلِفُوا ; ثُمَّ تَلَا : " حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْر اللَّه " [ الْبَقَرَة : 214 ] . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : وَجْهه عِنْدنَا أَنَّ الرُّسُل كَانَتْ تَخَاف بُعْد مَا وَعَدَ اللَّه النَّصْر , لَا مِنْ تُهْمَة لِوَعْدِ اللَّه , وَلَكِنْ لِتُهْمَةِ النُّفُوس أَنْ تَكُون قَدْ أَحْدَثَتْ , حَدَثًا يَنْقُض ذَلِكَ الشَّرْط وَالْعَهْد الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِمْ ; فَكَانَتْ إِذَا طَالَتْ عَلَيْهِمْ الْمُدَّة دَخَلَهُمْ الْإِيَاس وَالظُّنُون مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : ظَنَّتْ الرُّسُل أَنَّهُمْ قَدْ أُخْلِفُوا عَلَى مَا يَلْحَق الْبَشَر ; وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام : " رَبّ أَرِنِي كَيْف تُحْيِي الْمَوْتَى " [ الْبَقَرَة : 260 ] الْآيَة . وَالْقِرَاءَة الْأُولَى أَوْلَى . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد - " قَدْ كَذَبُوا " بِفَتْحِ الْكَاف وَالذَّال مُخَفَّفًا ; عَلَى مَعْنَى : وَظَنَّ قَوْم الرُّسُل أَنَّ الرُّسُل قَدْ كَذَبُوا , لِمَا رَأَوْا مِنْ تَفَضُّل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي تَأْخِير الْعَذَاب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : وَلَمَّا أَيْقَنَ الرُّسُل أَنَّ قَوْمهمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّه بِكُفْرِهِمْ جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلهَا عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل " قَالَ قُلْت : أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا ؟ قَالَتْ عَائِشَة : كُذِبُوا . قُلْت : فَقَدْ اِسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمهمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ ؟ قَالَتْ : أَجَل ! لَعَمْرِي ! لَقَدْ اِسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ ; فَقُلْت لَهَا : " وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا " قَالَتْ : مَعَاذ اللَّه ! لَمْ تَكُنْ الرُّسُل تَظُنّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا . قُلْت : فَمَا هَذِهِ الْآيَة ؟ قَالَتْ : هُمْ أَتْبَاع الرُّسُل الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ , فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاء , وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْر حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمهمْ , وَظَنَّتْ الرُّسُل أَنَّ أَتْبَاعهمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا عِنْد ذَلِكَ . وَفِي قَوْله تَعَالَى : " جَاءَهُمْ نَصْرنَا " قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُ اللَّه ; قَالَ مُجَاهِد . الثَّانِي : جَاءَ قَوْمهمْ عَذَاب اللَّه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس .


قِيلَ : الْأَنْبِيَاء وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمْ . وَرُوِيَ عَنْ عَاصِم " فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاء " بِنُونٍ وَاحِدَة مَفْتُوحَة الْيَاء , و " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , اِسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ; وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد هَذِهِ الْقِرَاءَة لِأَنَّهَا فِي مُصْحَف عُثْمَان , وَسَائِر مَصَاحِف الْبُلْدَان بِنُونٍ وَاحِدَة . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن " فَنَجَا " فِعْل مَاضٍ , و " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع لِأَنَّهُ الْفَاعِل , وَعَلَى قِرَاءَة الْبَاقِينَ نَصَبًا عَلَى الْمَفْعُول .



أَيْ عَذَابنَا .


أَيْ الْكَافِرِينَ الْمُشْرِكِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • قم فأنذِر [ أم لم يعرِفوا رسولَهم؟ ]

    قم فأنذِر [ أم لم يعرِفوا رسولَهم؟ ]: طرح جديد في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلما يُطرق، أراد الشيخ فيه عرضَ السيرة العطِرة لسيد البشر - عليه الصلاة والسلام - بأسلوبٍ مُشوِّق جذَّاب، وهو يتأسَّف على جهل كثيرٍ من المسلمين بسيرة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336096

    التحميل:

  • الأمر بالاجتماع والإئتلاف والنهي عن التفرق والإختلاف

    في هذه الرسالة بيان حث الشارع على الائتلاف والاتفاق ونهيه عن التعادي والافتراق.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209167

    التحميل:

  • انتصار الحق

    انتصار الحق: رسالة صغيرة عبارة عن محاورة هادفة حصلت بين رجلين كانا متصاحبين رفيقين يدينان بدين الحق، ويشتغلان في طلب العلم فغاب أحدهما مدة طويلة، ثم التقيا فإذا الغائب قد تغيرت أحواله وتبدلت أخلاقه، فسأله صاحبه عن سبب ذلك فإذا هو قد تغلبت عليه دعاية الملحدين الذين يدعون لنبذ الدين ورفض ما جاء به المرسلون.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2161

    التحميل:

  • دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}

    دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}: هذه الدراسة في تدبر هذه الآية الكريمة وسبر فقه معانيها، وهي في أربعة مباحث: المبحث الأول: علاقة الآية بسياقها. المبحث الثاني: معاني ألفاظ الآية. المبحث الثالث: دلالات التراكيب في الآية. المبحث الرابع: معنى الآية والأقوال فيه.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332499

    التحميل:

  • تعبدي لله بهذا

    تعبدي لله بهذا: فإن الله - عز وجل - أمرنا بعبادته وطاعته، حتى ننال الأجر والمثوبة، ندرأ عن أنفسنا العذاب والعقاب. وهذه الرسالة تُقدِّم للأخت المسلمة بعضًا من الأمور التي تحرص على أن تتعبد الله - عز وجل - بها في كل حين.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345928

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة