Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 101

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) (يوسف) mp3
قَالَ قَتَادَة : لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْت أَحَد ; نَبِيّ وَلَا غَيْره إِلَّا يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ; حِين تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَم وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْل اِشْتَاقَ إِلَى لِقَاء رَبّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : إِنَّ يُوسُف لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْت , وَإِنَّمَا تَمَنَّى الْوَفَاة عَلَى الْإِسْلَام ; أَيْ إِذَا جَاءَ أَجَلِي تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ; وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : لَا يَتَمَنَّى الْمَوْت إِلَّا ثَلَاث : رَجُل جَاهِل بِمَا بَعْد الْمَوْت , أَوْ رَجُل يَفِرّ مِنْ أَقْدَار اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ , أَوْ مُشْتَاق مُحِبّ لِلِقَاءِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاة خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاة خَيْرًا لِي ) رَوَاهُ مُسْلِم . وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَتَمَنَّى أَحَدكُمْ الْمَوْت وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيه إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدكُمْ اِنْقَطَعَ عَمَله وَإِنَّهُ لَا يَزِيد الْمُؤْمِن عُمُره إِلَّا خَيْرًا ) . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَيْف يُقَال : إِنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام تَمَنَّى الْمَوْت وَالْخُرُوج مِنْ الدُّنْيَا وَقَطْع الْعَمَل ؟ هَذَا بَعِيد ! إِلَّا أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعه ; أَمَّا أَنَّهُ يَجُوز تَمَنِّي الْمَوْت وَالدُّعَاء بِهِ عِنْد ظُهُور الْفِتَن وَغَلَبَتهَا , وَخَوْف ذَهَاب الدِّين , عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " . " وَمِنْ " مِنْ قَوْله : " مِنْ الْمُلْك " لِلتَّبْعِيضِ , وَكَذَلِكَ قَوْله : " وَعَلَّمْتنِي مِنْ تَأْوِيل الْأَحَادِيث " لِأَنَّ مُلْك مِصْر مَا كَانَ كُلّ الْمُلْك , وَعِلْم التَّعْبِير مَا كَانَ كُلّ الْعُلُوم . وَقِيلَ : " مِنْ " لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ : " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنْ الْأَوْثَان " [ الْحَجّ : 30 ] وَقِيلَ : لِلتَّأَكُّدِ . أَيْ آتَيْتنِي الْمُلْك وَعَلَّمْتنِي تَأْوِيل الْأَحَادِيث



نُصِبَ عَلَى النَّعْت لِلنِّدَاءِ , وَهُوَ رَبّ , وَهُوَ نِدَاء مُضَاف ; وَالتَّقْدِير : يَا رَبّ ! وَيَجُوز أَنْ يَكُون نِدَاء ثَانِيًا . وَالْفَاطِر الْخَالِق ; فَهُوَ سُبْحَانه فَاطِر الْمَوْجُودَات , أَيْ خَالِقهَا وَمُبْدِئُهَا وَمُنْشِئُهَا وَمُخْتَرِعهَا عَلَى الْإِطْلَاق مِنْ غَيْر شَيْء , وَلَا مِثَال سَبَقَ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى ; عِنْد قَوْله : " بَدِيع السَّمَوَات وَالْأَرْض " [ الْبَقَرَة : 117 ] وَزِدْنَاهُ بَيَانًا فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى .


أَيْ نَاصِرِي وَمُتَوَلِّي أُمُورِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .



يُرِيد آبَاءَهُ الثَّلَاثَة ; إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب , فَتَوَفَّاهُ اللَّه - طَاهِرًا طَيِّبًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِصْرِ , وَدُفِنَ فِي النِّيل فِي صُنْدُوق مِنْ رُخَام ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَشَاحَّ النَّاس عَلَيْهِ ; كُلّ يُحِبّ أَنْ يُدْفَن فِي مَحَلَّتهمْ , لِمَا يَرْجُونَ مِنْ بَرَكَته ; وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى هَمُّوا بِالْقِتَالِ , فَرَأَوْا أَنْ يَدْفِنُوهُ فِي النِّيل مِنْ حَيْثُ مَفْرِق الْمَاء بِمِصْرَ , فَيَمُرّ عَلَيْهِ الْمَاء , ثُمَّ يَتَفَرَّق فِي جَمِيع مِصْر , فَيَكُونُوا فِيهِ شُرَّعًا فَفَعَلُوا ; فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيل أَخْرَجَهُ مِنْ النِّيل : وَنَقَلَ تَابُوته بَعْد أَرْبَعمِائَةِ سَنَة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس , فَدَفَنُوهُ مَعَ آبَائِهِ لِدَعْوَتِهِ : " وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ " وَكَانَ عُمْره مِائَة عَام وَسَبْعَة أَعْوَام . وَعَنْ الْحَسَن قَالَ : أُلْقِيَ يُوسُف فِي الْجُبّ وَهُوَ اِبْن سَبْع عَشْرَة سَنَة , وَكَانَ فِي الْعُبُودِيَّة وَالسِّجْن وَالْمُلْك ثَمَانِينَ سَنَة , ثُمَّ جُمِعَ لَهُ شَمْله فَعَاشَ بَعْد ذَلِكَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة ; وَكَانَ لَهُ مِنْ الْوَلَد إفراثيم , ومنشا , وَرَحْمَة , زَوْجَة أَيُّوب ; فِي قَوْل اِبْن لَهِيعَة . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَوَلَد لإفراثيم - بْن يُوسُف - نُون بْن إفراثيم , وَوَلَد لِنُونِ يُوشَع ; فَهُوَ يُوشَع بْن نُون , وَهُوَ فَتَى مُوسَى الَّذِي كَانَ مَعَهُ صَاحِب أَمْره , وَنَبَّأَهُ اللَّه فِي زَمَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; فَكَانَ بَعْده نَبِيًّا , وَهُوَ الَّذِي اِفْتَتَحَ أَرِيحَا , وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ الْجَبَابِرَة , وَاسْتَوْقَفْت لَهُ الشَّمْس حَسْب مَا تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " . وَوُلِدَ لمنشا بْن يُوسُف مُوسَى بْن منشا , قَبْل مُوسَى بْن عِمْرَان . وَأَهْل التَّوْرَاة يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي طَلَبَ الْعَالِم لِيَتَعَلَّم مِنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ , وَالْعَالِم هُوَ الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَة , وَقَتَلَ الْغُلَام , وَبَنَى الْجِدَار , وَمُوسَى بْن منشا مَعَهُ حَتَّى بَلَغَهُ مَعَهُ حَيْثُ بَلَغَ ; وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يُنْكِر ذَلِكَ ; وَالْحَقّ الَّذِي قَالَهُ اِبْن عَبَّاس ; وَكَذَلِكَ فِي الْقُرْآن . ثُمَّ كَانَ بَيْن يُوسُف وَمُوسَى أُمَم وَقُرُون , وَكَانَ فِيمَا بَيْنهمَا شُعَيْب , صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أحكام الجنائز في ضوء الكتاب والسنة

    أحكام الجنائز في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «أحكام الجنائز» بيّنت فيها بتوفيق الله تعالى: مفهوم الجنائز، والأمور التي ينبغي للمسلم العناية بها عناية فائقة؛ لاغتنام الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان، وذكرت الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة، والاجتهاد في حال الصحة والفراغ في الأعمال الصالحة؛ لتكتب للمسلم في حال العجز والسقم، وذكرت أسباب حسن الخاتمة، وبيّنت آداب المريض الواجبة والمستحبة، وآداب زيارة المريض، والآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم، وذكرت الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم، والأمور الواجبة على أقارب الميت، والأمور المحرَّمة على أقارب الميت وغيرهم، وبيّنت النعي الجائز، والمحرَّم، ثم ذكرت العلامات التي تدل على حسن الخاتمة، وبيّنت فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، ثم بيّنت أحكام غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، وأحكام حمل الجنازة واتباعها وتشييعها، وأحكام الدفن وآدابه، وآداب الجلوس والمشي في المقابر، ثم ذكرت أحكام التعزية، وفضلها، وبيّنت أن القُرَب المهداة إلى أموات المسلمين تصل إليهم حسب الدليل، ثم ذكرت أحكام زيارة القبور وآدابها، وختمت ذلك بذكر أحكام إحداد المرأة على زوجها، وذكرت أصناف المعتدات، وقد اجتهدت أن ألتزم في ذلك بالدليل من الكتاب والسنة أو من أحدهما ما استطعت إلى ذلك سبيلاً».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/53244

    التحميل:

  • أثر الأذكار الشرعية في طرد الهم والغم

    أثر الأذكار الشرعية في طرد الهم والغم: رسالةٌ نافعةٌ جمعت بين طيَّاتها طائفةً عطرةً; ونخبةً مباركةً من الدعوات والأذكار العظيمة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -; والتي يُشرع للمسلم أن يقولها عندما يُصيبه الهمُّ أو الكربُ أو الحزنُ أو نحو ذلك.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316771

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الشكر ]

    لمّا كان الإيمان نصفين: نصف شكر ونصف صبر. كان حقيقاً على من نصح نفسه واحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين; ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين; وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله الله يوم لقائه في خير الفريقين.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340023

    التحميل:

  • شرح الرسالة التدمرية [ البراك ]

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322216

    التحميل:

  • أمثال شعبية من الجزيرة العربية مقتبسة من نصوص شرعية

    أمثال شعبية من الجزيرة العربية مقتبسة من نصوص شرعية : هذا الكتاب يجمع عدداً من الأمثال الشعبية المختارة من الجزيرة العربية التي اقتبست من نصوص شرعية، ويؤصلها ويخرجها ويوضح معانيها، مقسماً إياها إلى أربعة أقسام، ما كان منها بلفظ آية، وما كان منها بمعنى آية، وما كان منها بلفظ حديث، وما كان منها بمعنى حديث، مورداً المثل وتخريجه وبيان معناه ومواضع استعماله، والأدلة الشرعية التي اقتبس منها المثل من آية قرآنية أو حديث نبوي، ثم يعلق على الحديث من حيث قوة سنده أو ضعفه، وينبه إلى ما جاء في هذه الأمثال من محذورات شرعية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307908

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة