Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 10

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10) (يوسف) mp3
الْقَائِل هُوَ يَهُوذَا , وَهُوَ أَكْبَر وَلَد يَعْقُوب ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : روبيل , وَهُوَ اِبْن خَالَته , وَهُوَ الَّذِي قَالَ : " فَلَنْ أَبْرَح الْأَرْض " [ يُوسُف : 80 ] الْآيَة . وَقِيلَ : شَمْعُون .


قَرَأَ أَهْل مَكَّة وَأَهْل الْبَصْرَة وَأَهْل الْكُوفَة " فِي غَيَابَة الْجُبّ " . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة " فِي غَيَابَات الْجُبّ " وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد التَّوْحِيد ; لِأَنَّهُ عَلَى مَوْضِع وَاحِد أَلْقَوْهُ فِيهِ , وَأَنْكَرَ الْجَمْع لِهَذَا . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا تَضْيِيق فِي اللُّغَة ; " وَغَيَابَات " عَلَى الْجَمْع يَجُوز مِنْ وَجْهَيْنِ : حَكَى سِيبَوَيْهِ سِيرَ عَلَيْهِ عَشِيَّانَات وَأَصِيلَانَات , يُرِيد عَشِيَّة وَأَصِيلًا , فَجَعَلَ كُلّ وَقْت مِنْهَا عَشِيَّة وَأَصِيلًا ; فَكَذَا جَعَلَ كُلّ مَوْضِع مِمَّا يَغِيب غَيَابَة . وَالْآخَر - أَنْ يَكُون فِي الْجُبّ غَيَابَات ( جَمَاعَة ) . وَيُقَال : غَابَ يَغِيب غَيْبًا وَغَيَابَة وَغِيَابًا ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا فَالْبَثَا شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْف ثَالِث أَنَا ذَاكُمَا قَدْ غَيَّبَتْنِي غِيَابِيَا قَالَ الْهَرَوِيّ : وَالْغَيَابَة شَبَه لَجَف أَوْ طَاق فِي الْبِئْر فُوَيْق الْمَاء , يَغِيب الشَّيْء عَنْ الْعَيْن . وَقَالَ اِبْن عَزِيز : كُلّ شَيْء غَيَّبَ عَنْك شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَة . قُلْت : وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ غَيَابَة ; قَالَ الشَّاعِر : فَإِنْ أَنَا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيَابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي فِي الْعَشِيرَة وَالْأَهْل وَالْجُبّ الرَّكِيَّة الَّتِي لَمْ تُطْوَ , فَإِذَا طُوِيَتْ فَهِيَ بِئْر ; قَالَ الْأَعْشَى : لَئِنْ كُنْت فِي جُبّ ثَمَانِينَ قَامَة وَرَقِيت أَسْبَاب السَّمَاء بِسُلَّمِ وَسُمِّيَتْ جُبًّا لِأَنَّهَا قَطَعَتْ فِي الْأَرْض قَطْعًا ; وَجَمْع الْجُبّ جِبَبَة وَجِبَاب وَأَجْبَاب ; وَجَمَعَ بَيْن الْغَيَابَة وَالْجُبّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَلْقَوْهُ فِي مَوْضِع مُظْلِم مِنْ الْجُبّ حَتَّى لَا يَلْحَقهُ نَظَر النَّاظِرِينَ . قِيلَ : هُوَ بِئْر بَيْت الْمَقْدِس , وَقِيلَ : هُوَ بِالْأُرْدُن ; قَالَهُ وَهْب بْن مُنَبِّه . مُقَاتِل : وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة فَرَاسِخ مِنْ مَنْزِل يَعْقُوب .



فِيهِ اِثْنَيْ عَشْرَة مَسْأَلَة الْأُولَى : جُزِمَ عَلَى جَوَاب الْأَمْر . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَأَبُو رَجَاء وَالْحَسَن وَقَتَادَة : " تَلْتَقِطهُ " بِالتَّاءِ , وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ بَعْض السَّيَّارَة سَيَّارَة ; وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : سَقَطَتْ بَعْض أَصَابِعه , وَأَنْشَدَ : وَتَشْرَق بِالْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْته كَمَا شَرِقَتْ صَدْر الْقَنَاة مِنْ الدَّم وَقَالَ آخَر : أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي كَمَا أَخَذَ السَّرَار مِنْ الْهِلَال وَلَمْ يَقُلْ شَرِق وَلَا أَخَذَتْ . وَالسَّيَّارَة الْجَمْع الَّذِي يَسِيرُونَ فِي الطَّرِيق لِلسَّفَرِ ; وَإِنَّمَا قَالَ الْقَائِل هَذَا حَتَّى لَا يَحْتَاجُوا إِلَى حَمْله إِلَى مَوْضِع بَعِيد وَيَحْصُل الْمَقْصُود ; فَإِنَّ مَنْ اِلْتَقَطَهُ مِنْ السَّيَّارَة يَحْمِلهُ إِلَى مَوْضِع بَعِيد ; وَكَانَ هَذَا وَجْهًا فِي التَّدْبِير حَتَّى لَا يَحْتَاجُوا إِلَى الْحَرَكَة بِأَنْفُسِهِمْ , فَرُبَّمَا لَا يَأْذَن لَهُمْ أَبُوهُمْ , وَرُبَّمَا يَطَّلِع عَلَى قَصْدهمْ .

الثَّانِيَة : وَفِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ إِخْوَة يُوسُف مَا كَانُوا أَنْبِيَاء لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاء لَا يُدَبِّرُونَ فِي قَتْل مُسْلِم , بَلْ كَانُوا مُسْلِمِينَ , فَارْتَكَبُوا مَعْصِيَة ثُمَّ تَابُوا . وَقِيلَ : كَانُوا أَنْبِيَاء , وَلَا يَسْتَحِيل فِي الْعَقْل زَلَّة نَبِيّ , فَكَانَتْ هَذِهِ زَلَّة مِنْهُمْ ; وَهَذَا يَرُدّهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِر عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . وَقِيلَ : مَا كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَنْبِيَاء ثُمَّ نَبَّأَهُمْ اللَّه ; وَهَذَا أَشْبَه , وَاَللَّه أَعْلَم .

الثَّالِثَة : قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : طُرِحَ يُوسُف فِي الْجُبّ وَهُوَ غُلَام , وَكَذَلِكَ رَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ , يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا ; وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " لَا تَقْتُلُوا يُوسُف وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ يَلْتَقِطهُ بَعْض السَّيَّارَة " قَالَ : وَلَا يُلْتَقَط إِلَّا الصَّغِير ; وَقَوْله : " وَأَخَاف أَنْ يَأْكُلهُ الذِّئْب " [ يُوسُف : 13 ] وَذَلِكَ أَمْر يَخْتَصّ بِالصِّغَارِ ; وَقَوْلهمْ : " أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَع وَيَلْعَب وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " [ يُوسُف : 12 ] .

الرَّابِعَة : الِالْتِقَاط تَنَاوُل الشَّيْء مِنْ الطَّرِيق ; وَمِنْهُ اللَّقِيط وَاللُّقَطَة , وَنَحْنُ نَذْكُر مِنْ أَحْكَامهَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَة وَالسُّنَّة , وَمَا قَالَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْعِلْم وَاللُّغَة ; قَالَ اِبْن عَرَفَة : الِالْتِقَاط وُجُود الشَّيْء عَلَى غَيْر طَلَب , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " يَلْتَقِطهُ بَعْض السَّيَّارَة " أَيْ يَجِدهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَحْتَسِبهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اللَّقِيط ; فَقِيلَ : أَصْله الْحُرِّيَّة لِغَلَبَةِ الْأَحْرَار عَلَى الْعَبِيد ; وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ أَنَّهُ قَضَى بِأَنَّ اللَّقِيط حُرّ , وَتَلَا " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْس دَرَاهِم مَعْدُودَة " [ يُوسُف : 20 ] وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَب صَاحِب مَالِك ; وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَجَمَاعَة . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : إِنْ نَوَى رَقِّهِ فَهُوَ مَمْلُوك , وَإِنْ نَوَى الْحِسْبَة فَهُوَ حُرّ . وَقَالَ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ : الْأَمْر عِنْدنَا فِي الْمَنْبُوذ أَنَّهُ حُرّ , وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ ; وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَإِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ ) قَالَ : فَنَفَى الْوَلَاء عَنْ غَيْر الْمُعْتِق . وَاتَّفَقَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا عَلَى أَنَّ اللَّقِيط لَا يُوَالِي أَحَدًا , وَلَا يَرِثهُ أَحَد بِالْوَلَاءِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَأَكْثَر الْكُوفِيِّينَ : اللَّقِيط يُوَالِي مَنْ شَاءَ , فَمَنْ وَالَاهُ فَهُوَ يَرِثهُ وَيَعْقِل عَنْهُ ; وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة لَهُ أَنْ يَنْتَقِل بِوَلَائِهِ حَيْثُ شَاءَ , مَا لَمْ يَعْقِل عَنْهُ الَّذِي وَالَاهُ , فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ جِنَايَة لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل عَنْهُ بِوَلَائِهِ أَبَدًا . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْمَنْبُوذ حُرّ , فَإِنْ أَحَبّ أَنْ يُوَالِي الَّذِي اِلْتَقَطَهُ وَالَاهُ , وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَالِي غَيْره وَالَاهُ ; وَنَحْوه عَنْ عَطَاء , وَهُوَ قَوْل اِبْن شِهَاب وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَهُوَ حُرّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا كَانَ أَصْل اللَّقِيط الْحُرِّيَّة لِغَلَبَةِ الْأَحْرَار عَلَى الْعَبِيد , فَقَضَى بِالْغَالِبِ , كَمَا حَكَمَ أَنَّهُ مُسْلِم أَخْذًا بِالْغَالِبِ ; فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَة فِيهَا نَصَارَى وَمُسْلِمُونَ قَالَ اِبْن الْقَاسِم : يُحْكَم بِالْأَغْلَبِ ; فَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهِ زِيّ الْيَهُود فَهُوَ يَهُودِيّ , وَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهِ زِيّ النَّصَارَى فَهُوَ نَصْرَانِيّ , وَإِلَّا فَهُوَ مُسْلِم , إِلَّا أَنْ يَكُون أَكْثَر أَهْل الْقَرْيَة عَلَى غَيْر الْإِسْلَام . وَقَالَ غَيْره : لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا مُسْلِم وَاحِد قُضِيَ لِلَّقِيطِ بِالْإِسْلَامِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِسْلَام الَّذِي يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل أَشْهَب ; قَالَ أَشْهَب : هُوَ مُسْلِم أَبَدًا . لِأَنِّي أَجْعَلهُ مُسْلِمًا عَلَى كُلّ حَال , كَمَا أَجْعَلهُ حُرًّا عَلَى كُلّ حَال . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي الْمَنْبُوذ تَدُلّ الْبَيِّنَة عَلَى أَنَّهُ عَبْد ; فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة : لَا يُقْبَل قَوْلهَا فِي ذَلِكَ , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَب لِقَوْلِ عُمَر : هُوَ حُرّ ; وَمَنْ قُضِيَ بِحُرِّيَّته لَمْ تُقْبَل الْبَيِّنَة فِي أَنَّهُ عَبْد . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : تُقْبَل الْبَيِّنَة فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيّ .

الْخَامِسَة : قَالَ مَالِك فِي اللَّقِيط : إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِط ثُمَّ أَقَامَ رَجُل الْبَيِّنَة أَنَّهُ اِبْنه فَإِنَّ الْمُلْتَقِط يَرْجِع عَلَى الْأَب إِنْ كَانَ طَرَحَهُ مُتَعَمِّدًا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرَحَهُ وَلَكِنَّهُ ضَلَّ مِنْهُ فَلَا شَيْء عَلَى الْأَب , وَالْمُلْتَقِط مُتَطَوِّع بِالنَّفَقَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا أَنْفَقَ عَلَى اللَّقِيط فَهُوَ مُتَطَوِّع , إِلَّا أَنْ يَأْمُرهُ الْحَاكِم . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : كُلّ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَنْ لَا تَجِب عَلَيْهِ نَفَقَة رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّقِيطِ مَال وَجَبَتْ نَفَقَته فِي بَيْت الْمَال , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا - يَسْتَقْرِض لَهُ فِي ذِمَّته . وَالثَّانِي - يُقَسِّط عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْر عِوَض .

السَّادِسَة : وَأَمَّا اللُّقَطَة وَالضَّوَالّ فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْمهمَا ; فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : اللُّقَطَة وَالضَّوَالّ سَوَاء فِي الْمَعْنَى , وَالْحُكْم فِيهِمَا سَوَاء ; وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ , وَأَنْكَرَ قَوْل أَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّام - أَنَّ الضَّالَّة لَا تَكُون إِلَّا فِي الْحَيَوَان وَاللُّقَطَة فِي غَيْر الْحَيَوَان - وَقَالَ هَذَا غَلَط ; وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث الْإِفْك لِلْمُسْلِمِينَ : ( إِنَّ أُمّكُمْ ضَلَّتْ قِلَادَتهَا ) فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى الْقِلَادَة .

السَّابِعَة : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ اللُّقَطَة مَا لَمْ تَكُنْ تَافِهًا يَسِيرًا أَوْ شَيْئًا لَا بَقَاء لَهَا فَإِنَّهَا تُعَرَّف حَوْلًا كَامِلًا , وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَاحِبهَا إِنْ جَاءَ فَهُوَ أَحَقّ بِهَا مِنْ مُلْتَقِطهَا إِذَا ثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ صَاحِبهَا , وَأَجْمَعُوا أَنَّ مُلْتَقِطهَا إِنْ أَكَلَهَا بَعْد الْحَوْل وَأَرَادَ صَاحِبهَا أَنْ يُضَمِّنهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ , وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا فَصَاحِبهَا مُخَيَّر بَيْن التَّضْمِين وَبَيْن أَنْ يَنْزِل عَلَى أَجْرهَا , فَأَيّ ذَلِكَ تَخَيَّرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ بِإِجْمَاعٍ ; وَلَا تَنْطَلِق يَد مُلْتَقِطهَا عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ , وَلَا تَصَرُّف قَبْل الْحَوْل . وَأَجْمَعُوا أَنَّ ضَالَّة الْغَنَم الْمَخُوف عَلَيْهَا لَهُ أَكْلهَا .

الثَّامِنَة : وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي الْأَفْضَل مِنْ تَرْكهَا أَوْ أَخْذهَا ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْحَدِيث دَلِيلًا عَلَى إِبَاحَة اِلْتِقَاط اللُّقَطَة وَأَخْذ الضَّالَّة مَا لَمْ تَكُنْ إِبِلًا . وَقَالَ فِي الشَّاة : ( لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ) يَحُضّهُ عَلَى أَخْذهَا , وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْء دَعُوهُ حَتَّى يَضِيع أَوْ يَأْتِيه رَبّه . وَلَوْ كَانَ تَرْك اللُّقَطَة أَفْضَل لَأَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ فِي ضَالَّة الْإِبِل , وَاَللَّه أَعْلَم . وَجُمْلَة مَذْهَب أَصْحَاب مَالِك أَنَّهُ فِي سَعَة , إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا ; هَذَا قَوْل إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق رَحِمَهُ اللَّه . وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ : لَا أُحِبّ لِأَحَدٍ تَرْك اللُّقَطَة إِنْ وَجَدَهَا إِذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا ; قَالَ : وَسَوَاء قَلِيل اللَّقْطَة وَكَثِيرهَا .

التَّاسِعَة : رَوَى الْأَئِمَّة مَالِك وَغَيْره عَنْ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَة فَقَالَ : ( اِعْرِفْ عِفَاصهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَشَأْنك بِهَا ) قَالَ : فَضَالَّة الْغَنَم يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ) قَالَ : فَضَالَّة الْإِبِل ؟ قَالَ : ( مَا لَك وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِد الْمَاء وَتَأْكُل الشَّجَر حَتَّى يَلْقَاهَا رَبّهَا ) . وَفِي حَدِيث أَبِي قَالَ : ( اِحْفَظْ عَدَدهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ) فَفِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة الْعَدَد ; خَرَّجَهُ مُسْلِم وَغَيْره . وَأَجْمَع الْعُلَمَاء أَنَّ عِفَاص اللَّقْطَة وَوِكَاءَهَا مِنْ إِحْدَى عَلَامَاتهَا وَأَدَلّهَا عَلَيْهَا ; فَإِذَا أَتَى صَاحِب اللَّقْطَة بِجَمِيعِ أَوْصَافهَا دُفِعَتْ لَهُ ; قَالَ اِبْن الْقَاسِم : يُجْبَر عَلَى دَفْعهَا ; فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقّ يَسْتَحِقّهَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ لَمْ يَضْمَن الْمُلْتَقِط شَيْئًا , وَهَلْ يَحْلِف مَعَ الْأَوْصَاف أَوْ لَا ؟ قَوْلَانِ : الْأَوَّل لِأَشْهَب , وَالثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِم , وَلَا تَلْزَمهُ بَيِّنَة عِنْد مَالِك وَأَصْحَابه وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْرهمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا تُدْفَع لَهُ إِلَّا إِذَا أَقَامَ بَيِّنَة أَنَّهَا لَهُ ; وَهُوَ بِخِلَافِ نَصّ الْحَدِيث ; وَلَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَة شَرْطًا فِي الدَّفْع لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْعِفَاص وَالْوِكَاء وَالْعَدَد مَعْنًى ; فَإِنَّهُ يَسْتَحِقّهَا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى كُلّ حَال ; وَلَمَّا جَازَ سُكُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

الْعَاشِرَة : نَصَّ الْحَدِيث عَلَى الْإِبِل وَالْغَنَم وَبَيَّنَ حُكْمهمَا , وَسَكَتَ عَمَّا عَدَاهُمَا مِنْ الْحَيَوَان . وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْبَقَر هَلْ تَلْحَق بِالْإِبِلِ أَوْ بِالْغَنَمِ ؟ قَوْلَانِ ; وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفَ أَئِمَّتنَا فِي اِلْتِقَاط الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير , وَظَاهِر قَوْل اِبْن الْقَاسِم أَنَّهَا تُلْتَقَط , وَقَالَ أَشْهَب وَابْن كِنَانَة : لَا تُلْتَقَط ; وَقَوْل اِبْن الْقَاسِم أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِحْفَظْ عَلَى أَخِيك الْمُؤْمِن ضَالَّته ) .

الْحَادِيَة عَشَر : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي النَّفَقَة عَلَى الضَّوَالّ ; فَقَالَ مَالِك فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم : إِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِط عَلَى الدَّوَابّ وَالْإِبِل وَغَيْرهَا فَلَهُ أَنْ يَرْجِع عَلَى صَاحِبهَا بِالنَّفَقَةِ , وَسَوَاء أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ السُّلْطَان أَوْ بِغَيْرِ أَمْره ; قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَحْبِس بِالنَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَيَكُون أَحَقّ بِهِ كَالرَّهْنِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا أَنْفَقَ عَلَى الضَّوَالّ مَنْ أَخَذَهَا فَهُوَ مُتَطَوِّع ; حَكَاهُ عَنْهُ الرَّبِيع . وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ : إِذَا أَمَرَهُ الْحَاكِم بِالنَّفَقَةِ كَانَتْ دَيْنًا , وَمَا اِدَّعَى قُبِلَ مِنْهُ إِذَا كَانَ مِثْله قَصْدًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَة وَالْإِبِل بِغَيْرِ أَمْر الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّع , وَإِنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَذَلِكَ دَيْن عَلَى صَاحِبهَا إِذَا جَاءَ , وَلَهُ أَنْ يَحْبِسهَا إِذَا حَضَرَ صَاحِبهَا , وَالنَّفَقَة عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام وَنَحْوهَا , حَتَّى يَأْمُر الْقَاضِي بِبَيْعِ الشَّاة وَمَا أَشْبَهَهَا وَيَقْضِي بِالنَّفَقَةِ .

الثَّانِيَة عَشَر : لَيْسَ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللُّقَطَة بَعْد التَّعْرِيف : ( فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ) أَوْ ( فَشَأْنك بِهَا ) أَوْ ( فَهِيَ لَك ) أَوْ ( فَاسْتَنْفِقْهَا ) أَوْ ( ثُمَّ كُلْهَا ) أَوْ ( فَهُوَ مَال اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء ) عَلَى مَا فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره , مَا يَدُلّ عَلَى التَّمْلِيك , وَسُقُوط الضَّمَان عَنْ الْمُلْتَقِط إِذَا جَاءَ رَبّهَا ; فَإِنَّ فِي حَدِيث زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ لَمْ تَعْرِف فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدك فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْر فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) فِي رِوَايَة ( ثُمَّ كُلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ صَاحِبهَا مَتَى جَاءَ فَهُوَ أَحَقّ بِهَا , إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ دَاوُد مِنْ أَنَّ الْمُلْتَقِط يَمْلِك اللُّقَطَة بَعْد التَّعْرِيف ; لِتِلْكَ الظَّوَاهِر , وَلَا اِلْتِفَات لِقَوْلِهِ ; لِمُخَالَفَةِ النَّاس , وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آفات اللسان في ضوء الكتاب والسنة

    آفات اللسان في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «وآفات اللسان من أخطر الآفات على الإنسان؛ لأن الإنسان يهون عليه التحفظ، والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المُحَرَّمِ، وغير ذلك من المحرمات، ويصعب عليه التحفظ والاحتراز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه: بالدِّين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالاً، يهوي في النار بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، أو يهوي بها في النار سبعين سنة، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يقطع، ويذبح في أعراض الأحياء والأموات، ولا يُبالي بما يقول .. ولخطر آفات اللسان على الفرد، والمجتمع، والأمة الإسلامية جمعتُ ما يسر الله لي جمعه - في هذا الموضوع الخطير - من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1923

    التحميل:

  • العشق [ حقيقته .. خطره .. أسبابه .. علاجه ]

    فإن العشق مسلكٌ خَطِر، وموْطِئٌ زَلِقٌ، وبَحْرٌ لُجِّيٌّ، وعالم العشاق مليء بالآلام والآمال، محفوف بالمخاطر والأهوال. هذا وإن البلاء بهذا الداء قدْ عمَّ وطم; ذلك أن محركاته كثيرة، والدواعي إليه متنوعة متشعبة; فلا غرو أن يكثر ضحاياه، والمبتلون به; فحق علينا - إذاً - أن نرحم أهل هذا البلاء، ومن الرحمة بهم إراءتُهم هذا البلاءَ على حقيقته، والبحث في سبل علاجه والوقاية منه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172681

    التحميل:

  • الصلاة وأسرارها النفسية بالمفاهيم السلوكية المعاصرة

    الصلاة وأسرارها النفسية بالمفاهيم السلوكية المعاصرة: كل من تحدَّث عن الصلاة أحسنَ وأجادَ؛ فتحدَّث الفُقهاءُ بمفاهيم التشريع والإيمان، وتحدَّث المُتصوِّفة بمفاهيم الروح وصفاء النفس، وتحدَّث الأطباء المسلمون عن أسرار الصلاة بمفاهيم الجسم والحركة، وهذا ما سوف نُفصِّلها في الفصل الأول من هذا الكتاب في الحديث عن حركات الصلاة. ويبقى الجانب النفسي بمفاهيم النفس المعاصرة شاغرًا لم يتطرَّق إليه أحد، إلا في إشارات تُحقِّقُ المفهوم دون أن تسبُر أغواره أو تُحدِّدَ أبعاده، وهذا ما يُحاولُ الكتابَ أن يصِلَ إلى بعض حقائقه.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381058

    التحميل:

  • زينب ورقية وأم كلثوم بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ربائبه

    زينب ورقية وأم كلثوم بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ربائبه : هذه الرسالة رد على ماذكره جعفر المرتضى العاملي في كتبه بأن فاطمة - رضي الله عنها - هي الابنة الوحيدة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن زينب ورقية وأم كلثوم لسن بنات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما هُن ربائبه.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260204

    التحميل:

  • الاستذكار لشأن وآثار الاستغفار

    الاستذكار لشأن وآثار الاستغفار: قال المؤلف: «فهذه تذكرةٌ بشأن الاستغفار تتضمن بيان معناه، وما يتحقَّق به وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، والإشارة إلى جملة من فضائله الجليلة وعواقبه الحسنة على المستغفِر وغيره في العاجل والآجِل».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330344

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة